أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
تدمير «داعش» آثار الموصل يخالف تعاليم الإسلام
المفتى:الحفاظ على التراث ومشاهدته أمر مشروع
3 مارس 2015
تحقيق ــ إبراهيم عمران:

فجرت الأعمال التخريبية التى قام بها تنظيم «داعش» الإرهابى فى العراق، صراعا فقهيا حول شرعية هدم التماثيل، بعد أن زعم التنظيم أنه استند إلى أحاديث نبوية وآثار ومرويات عن الصحابة رضى الله عنهم، تؤكد إباحة ما فعلوه. التنظيم الذى يدعى فى تدميره أصناما وأوثانا كانت تعبد من دون الله، يقوم ببيعها من أجل الحصول على أموال يغذى فيها عملياته الإرهابية؟ يبيعها أحيانا ويدمرها أحيانا أخرى.



ألم يبق الفتح الإسلامى لمصر بقيادة عمرو بن العاص على هذه الآثار الموجودة فى مصر على وضعها الحالى؟ ألا تندرج الآثار تحت الركاز، أم أنها عمل إنسانى تاريخى وليست ملكا لفرد بل ملك للبشرية، وإرث حضارى لا يجوز التجارة به؟



مفتى الجمهورية وعلماء الأزهر يؤكدون أن الآراء المتطرفة التى تدعى أن الإبقاء على هذه الآثار مُحَرَّم لأنها من ذرائع الشرك ويؤدِّى إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن، لا صحة لها و أنها دعوى واهية؛ لأن الشرع لم يَمنع من مُطْلَق تعظيم غير الله، وإنما يَمنع منه ما كان على وجه عبادة المُعَظَّم كما كان يفعل أهل الجاهلية مع معبوداتهم الباطلة. وقالوا إن الآراء الشاذة التى يعتمد عليها التنظيم الإرهابى واهية ومضللة ولا تستند إلى أسانيد شرعية مؤكدين أن الحفاظ على الحضارة الإنسانية أمر ضروري.



ويقول الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، إن ما قام به تنظيم «منشقى القاعدة» الإرهابى «داعش» من تدمير للآثار والتماثيل التاريخية الآشورية بمتحف الموصل بمدينة نينوى بالعراق بدعوى أنها أصنام يجب تدميرها، إنما هى آراء شاذة واهية ومضللة ولا تستند إلى أسانيد شرعية، خاصة أن هذه الآثار فى جميع البلدان التى فتحها المسلمون، كانت موجودة ولم يأمر الصحابة الكرام بهدمها أو حتى سمحوا بالاقتراب منها، وهم رضوان الله عليهم كانوا أقرب عهدًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا، بل كان منهم صحابة جاءوا إلى مصر إبان الفتح الإسلامى ووجدوا الأهرامات وأبو الهول وغيرها ولم يصدروا فتوى أو رأيًا شرعيًا يمس هذه الآثار التى تعد قيمة تاريخية عظيمة. وعند دخول الإسلام حافظ على تراث الحضارات والآثار فى مصر وبلاد الرافدين ومختلف الحضارات التى سبقت الإسلام وأبقوا على آثارها حتى وصلت إلينا كما تركوها وأن دعوات التدمير تشير إلى جهل أصحابها.



وأضاف: إن الآثار تعتبر من القيم والأشياء التاريخية التى لها أثر فى حياة المجتمع والأمة، لأنها تعبر عن تاريخها وماضيها وقيمها، كما أن فيها عبرة بالأقوام السابقة، وبالتالى فإن من تسول له نفسه ويتجرأ ويدعو للمساس بأثر تاريخى بحجة أن الإسلام يحرم وجود مثل هذه الأشياء فى بلاده فإن ذلك يعكس توجهات متطرفة تنم عن جهل بالدين الإسلامى الحنيف.



وأكد المفتى أن الحفاظ على الكنوز الرائعة من الحصاد المادى للحضارة الإنسانية، التى يعود بعضها إلى العصر الإسلامى وبعضها إلى حضارات الأمم السابقة، أمر ضروري، والحفاظ على هذا التراث ومشاهدته أمر مشروع ولا يحرمه الدين، بل شجع عليه وأمر به لما فيه من العبرة من تاريخ الأمم.



وقال إنه يوجد العديد من الآيات والأحاديث النبوية التى تنهى عن هدم تراث الأسلاف مستشهدة بالآية الكريمة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بعاد (6) إِرَمَ ذَاتِ العماد (7) الَّتِى لَمْ يُخلق مِثْلُهَا فِى البلاد (8) وثمود الَّذينَ جَابُوا الصَّخْرَ بالواد)، وهى الآية التى تؤكد ضرورة لفت الأنظار فيما تفوق فيه هؤلاء القوم، وكذلك حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله الذى نهى فيه عن هدم آطام المدينة والمقصود بها الحصون.



وقال الدكتور شوقى علام، إن الآراء المتطرفة التى تدعى أن الإبقاء على هذه الآثار مُحَرَّم لأنها من ذرائع الشرك ويؤدِّى إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن، لا صحة لها و أنها دعوى واهية، لأن الشرع لم يَمنع من مُطْلَق تعظيم غير الله، وإنما يَمنع منه ما كان على وجه عبادة المُعَظَّم كما كان يفعل أهل الجاهلية مع معبوداتهم الباطلة فيعتقدون أنها آلهة، وأنها تضر وتنفع مِن دون الله، وأما ما سوى ذلك مِمَّا يدل على الاحترام فهو جائزٌ.



وأضاف: أما قولهم إن ذلك من ذرائع الشرك، لأنه يؤدى إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن كما يدعى المتطرفون، فهو مبنى على خَلَلٍ فى مفهوم الشرك، موضحا أن الشرك هو تعظيمٌ مع الله أو تعظيمٌ مِن دون الله، ولذلك كان سجودُ الملائكة لآدم -عليه السلام- إيمانًا وتوحيدًا، وكان سجودُ المشركين للأوثان كفرًا وشركًا مع كون المسجود له فى الحالتين مخلوقًا، لكن لَمَّا كان سجودُ الملائكة لآدم، عليه السلام، تعظيمًا لِمَا عَظَّمه الله كما أمر الله كان وسيلةً مشروعةً يَستحق فاعلُها الثواب، ولَمَّا كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا. وطالب المفتى جميع الدول والمنظمات المعنية باتخاذ جميع التدابير اللازمة لوقف أى اعتداء أو تدمير يطول التراث الثقافى أيا كان انتماؤه أو موقعه، والالتزام والمحافظة على التراث الثقافى طبقًا للمبادئ والسياسات المقررة بالمواثيق والمعاهدات الدولية والإسلامية.



حكم هدم الأصنام



وفى السياق ذاته أكد الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد على النكير على من يصنعون التماثيل, وأنهم يعذبون يوم القيامة, ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم, وبين أن ملائكة الرحمة لا تدخل بيتا فيه تماثيل.



وأضاف: أن هذا الوعيد تأوله فريق من العلماء فيما كان مكتمل الخلقة من التماثيل, أما ما لم يكن مكتمل الخلقة, بأن نقص منه عضو لا يحيا دونه, فلا يرد فى حقه الوعيد, لأنه لا يتأتى فيما نحت حياة دون هذا العضو الناقص, ولا يطالب بإحيائه يوم القيامة, وهو بهذا لا يضاهى خلق الله تعالي, الوارد فيه الوعيد الشديد, وفريق من الفقهاء تأول هذا الوعيد فى حق ما ينحت ويعبد من دون الله تعالي, ولذا حمل هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم التماثيل التى كانت حول الكعبة يوم الفتح, خشية أن يعبدها من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم, سدا للذريعة إلى عبادة الأوثان.



وأوضح أن فى الفتوحات الإسلامية للدول فى زمن عمر وعثمان, لبلاد وجدت بها هذه التماثيل, ومنها التماثيل التى خلفتها الأمم السابقة فى العراق ومصر والشام وفارس وغيرها, ولم يقدم أحد من الفاتحين على هدم شيء منها, والتاريخ والواقع خير شاهد على ذلك, لأن المسلمين الفاتحين لديهم من الرقى والفهم واستعمال العقل, أكثر من الدواب الذين هدموا التماثيل بالعراق, وهذا يعد أبلغ دليل على أن هؤلاء لا يتبعون السلف, ولا ينهجون نهج أهل الإسلام, ولا يتصور أن يكونوا أكثر فقها وورعا وتقوى واتباعا للكتاب والسنة وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة الفاتحين, الذين تركوا كل ما خلفه المصريون القدماء, والفرس, والكنعانيون, والآراميون, والبابليون.



وأشار الدكتور عبد الفتاح إدريس، إلى أن الفاتحين للدول وجدوا بها آثار الأقدمين, و أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة بالتزام نهجهم, بقوله: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم», فمن يتبع هؤلاء الهمج الذين صدق فى حقهم قول الله تعالي: «وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل», والإسلام بريء من فعالهم ونهجهم.