أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
أعمال فتحية العسال المسرحية
17 فبراير 2015
كتب:محمد بهجت
فتحية العسال

الكاتبة الراحلة الكبيرة فتحية العسال، شديدة الشبه بما تكتب من أعمال فنية عميقة ومناضلة تحض على الثورة، وكسر المألوف.



كنت أجدها فى كل مرة أزور فيها مبنى وزارة الثقافة بالزمالك فى أثناء تحريره من حكم وزير ثقافة الإخوان الدكتور علاء عبدالعزيز، كنت أزور المكان وأمضى فيه بعض الوقت ثم أنصرف إلى بيتى وأنام فى سريرى، بينما فتحية العسال ـ التى هى فى مقام الأم بالنسبة لى تقيم داخل المبنى اعتصاما كاملا، وبرغم الجسد الضعيف المنهك تشتعل عيناها بالحماس والإصرار على استرداد الثورة من خاطفيها، وإذا تحدثت تتحول الضوضاء فى المكان إلى سكوت وإنصات لما تقوله.



وقد أسعدنى كثيرا أن أجد أعمالها المسرحية مجموعة ومنشورة ضمن إصدارات المجلس الأعلى للثقافة، وبتقديم من الناقدة الكبيرة د. نهاد صليحة، التى تعد هى الأخرى قيمة فنية كبرى فى حياتنا النقدية، وترصد د. نهاد فى مقدمتها موقف كاتبات المسرح من النساء، وقلة الاهتمام النقدى بهن حتى منتصف القرن العشرين، بل وحتى الآن بالنسبة للعالمين الغربى والشرقى على حد سواء، وتقول: «تتصدر القلة النادرة من كاتبات المسرح المصريات المناضلة دوما فتحية العسال، وهى لا تحتل هذه المكانة استنادا إلى حجم إبداعها المسرحى فقط مقارنة بزميلاتها، بل أيضا بسبب تميزها الفنى الواضح، فقد بدأت فتحية العسال مشوارها مع المسرح عام 1969 بمسرحية «المرجيحة»، وتبعتها عام 1972 بمسرحية «الباسبور» التى قدمت على مسرح الجمهورية، وكتبت فى الثمانينيات مسرحيتين هما: «نساء بلا أقنعة» التى عرضت على مسرح السلام بعد أن حذف الرقيب كلمة نساء من العنوان، وكأن الكلمة عورة!، ومسرحية «البين بين» التى لم تعرض حتى يومنا هذا، وبعد تجربة الاعتقال السياسى خرجت علينا فتحية العسال بمسرحية جديدة فى التسعينيات هى «سجن النساء» التى عرضت على خشبة المسرح القومى تحت قيادة المخرج الواعى عادل هاشم، وكان قد أخرج من قبل للكاتبة نفسها مسرحيتها السابقة «بلا أقنعة».



وتستمر الدكتورة فى طرح رؤية نقدية شديدة التكثيف والجاذبية لمختلف أعمال أستاذتنا فتحية العسال مع التركيز على مسرحية «سجن النساء» باعتبارها من أنضج التجارب وأكثرها جدة وغرابة، وهو ما أدى بكل تأكيد إلى نجاح العمل عند تحويله إلى مسلسل تليفزيونى حمل العنوان نفسه مع الاعتراف بوجود اختلافات كثيرة، ودور مميز لكاتبة السيناريو مريم نعوم التى استلهمت من النص المسرحى نسيجا دراميا عريضا للشخصيات، واستحدثت بعض الأدوار والخيوط الدرامية التى يتطلبها مسلسل طويل دون الإخلال بروح العمل الفنى الأصلى لمبدعته فتحية العسال. صدر الكتاب المهم فى جزءين كبيرين، ضم الأول مسرحيات: سجن النساء، وليلة الحنة، والخرساء، وضم الجزء الثانى مسرحيات: بلا أقنعة، والبين بين، والمرجيحة، وكلها مسرحيات طويلة من فصلين عدا المرجيحة من ثلاثة فصول، وحملت إهداءات النساء لمسات رقيقة تعبر عن طبيعتها الحنون برغم الغضب الثورى المشتعل فى جديتها وكتابتها، كان الإهداء الأول لرفيق الحياة الكاتب المسرحى الكبير عبدالله الطوخى تقول له: «إلى عمق النهر وسماحته.. إلى عبدالله الطوخى عِشرة العمر الجميل».. وكان الإهداء الثانى لمسرحية بلا أقنعة للفنانة الموهوبة صفاء الطوخى تقول لها: «إلى غدي.. مستقبلي.. حريتي.. ثورتي.. إلى صديقتى وابنتى صفاء.. واحدة من جيل موجود قادم فى مجتمع حر لاشك يجيء.. لم أرشد عن أمى قيودها.. وإليك هذه المسرحية حتى لا ترثين قيودي».



وآخر إهداء لمسرحية «البين بين» ونحن نعيش فترة فنية وثقافية أصدق توصيف لها هو «البين بين»، وتقول فيه كاتبتنا الكبيرة: «إلى عشقى الذى أود أن أهبه ما تبقى من عمر كى أعبر به عما مضى من هذا العمر.. إلى المسرح».



وهكذا كان آخر إهداء وآخر وصية للفن الذى عشقته وأعطته حياتها، وبقى أن يقدم لها ما يدل على الوفاء والتقدير.