أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
أفكار‏..‏ ومواقف "وحديث عن المازوخية...!"
24 يناير 2014
بقلم‏:‏ د‏.‏ إمام عبد الفتاح إمام

سبق أن تحدثنا عن السادية‏...Sadism‏ وهو مذهب غريب يتلذذ صاحبه بإنزال الألم بالآخرين‏,‏ واشتق اسمه من الكاتب الفرنسي غريب الأطوار الماركيز دي ساد‏-‏


 وإذا كان هذا المذهب هو القطب الإيجابي الفاعل الذي تقوم فيه الأنا بتعذيب الآخر وتشعره باللذة والسعادة من هذا الفعل, فهناك القطب المضاد للسادية وهو مذهب المازوخية..Masochism( ويكتب أحيانا الماسوشية أو المازوكية) الذي يعبر عن حالة الفرد في تقبله لما يمكن أن يقع عليه من ألم أو إيذاء جسمي أو نفسي من شخص آخر واستمتاعه بهذا الألم, وينسب هذا المصطلح إلي الكاتب الروائي النمساوي الذي أرتبطت باسمه هذه الظاهرة وهو ليبولد زاخر مازوخ..LepoldZacherMasoch(1836-1895) الذي ألف الرواية الشهيرة فينوس في الفراء..VenusinFurs. وهي تعبر في بعض أجزائها عن فترات وتجارب من حياة المؤلف نفسه وخاصة في طفولته, والحادثة التي استرعت اهتمام المحللين النفسيين, هي أن مازوخس..Masoch س عشيقا لها بين الحين والآخر, وقد دفعه حب الاستطلاع ذات مرة إلي الاختفاء في دولاب الملابس, ليشاهد ما يحدث بالفعل, بينما كان مازوخ يرصد كل ذلك بحماس واهتمام, بدت منه حركة جلبت الاهتمام إليه, واكتشف أمره. وعاقبته عمته بضرب مؤلم. وهكذا يفسر المحللون قيام ارتباط وثيق بين الألم الذي وقع عليه وبين لذة الإثارة الجنسية التي كان مازوخ يستمتع بها, وبأن هذا الارتباط قد أثر في نفسه إلي حد جعل من الممكن قيام اعتماد متبادل بين الشعور بالألم واللذة. ويبدو أن هذه التجربة قد تكررت مع مازوخ لدرجة أن المازوخيس.

وهكذا ظهر مصطلح جديد أو نظرية جديدة يطلق عليها اسم ز..Sadomasochism التي هي إيقاع الألم بالآخرين, والطرف الآخر وهو المازوخية التي هي علي العكس تقبل إيقاع الألم علي الذات والاستمتاع به, وقد يقصد بهذا المصطلح أحيانا من باب التوسع- تلذذ المرء بما يقع عليه من اضطهاد.

وعلينا أن نسوق هنا ثلاث ملاحظات مهمة:-

الملاحظة الأولي: هي أنه علي الرغم من أن هذين المصطلحين قد ارتبطا في البداية بالجنس واستخدمتهما مدرسة التحليل النفسي في تفسير الكثير من مظاهر السلوك البشري, فإنهما قد انتقلا بعد ذلك إلي علم النفس الاجتماعي, ثم إلي علم الاجتماع, وأخيرا إلي ميدان الفلسفة السياسية وهي التي تعنينا هنا بالدرجة الأولي.

والملاحظة الثانية: هي أن هناك أرتباطا وثيقا بين المصطلحين أو بين النزعة السادية المتسلطة التي تفرض سيطرتها علي شخص أو مجموعة من الأشخاص, وبين النزعة المازوخية التي تستسلم, بل وتستعذب الألم الذي يقع عليها مما يبرر جمعهما في مصطلح واحد هو ما نسميه بالعلاقة السادومازوخية وهي العلاقة التي يكون فيها الطرف الأول قوة مسيطرة متسلطة تفرض إرادتها, في حين يكون الطرف الثاني شخصية مستسلمة خاضعة.

والملاحظة الثالثة: هي أنه إذا كان علم النفس قد نظر في البداية إلي هذه العلاقة علي أنها تمثل انحرافا عن الطريق السوي, فإن معظم علماء النفس يعتبرونها الآن نزعات طبيعية عند البشر رغم أنها قد توجد بصورة منحرفة عند بعضهم, يقول أريك فروم..ErichFromm(1900-1980) أن النزعات السادومازوخية موجودة عند البشر بدرجات متفاوتة في الأشخاص الأسوياء والمنحرفين علي حد سواء.. والعامل الخفي في هذه العلاقة هو تبعية كل طرف للآخر واعتماده عليه. وقد يبدو ذلك واضحا في الشخص المازوخي الذي يمثل الجانب الضعيف الخانع المستسلم, وقد نتوقع أن تكون الشخصية السادية هي علي العكس: قوية ومستقلة ويصعب اعتمادها علي الشخصية الضعيفة أو تمسكها بها, ومع ذلك فالتحليل الدقيق يكشف عن وجود هذه التبعية بين الطرفين أو ما يسمي في الفلسفة بجدل العلاقة بين الطرفين.. فالشخص السادي يحتاج إلي الذي يتحكم فيه ويسيطر عليه إنه يحتاج إليه بشدة مادام شعوره بالقوة كامنا في واقعة أنه سيد لشخص ما, وهو قد لا يعي هذه التبعية علي الإطلاق. ومن هنا فقد يعامل الرجل زوجته علي نحو سادي تماما. وقد يكرر علي مسامعها أنها تستطيع أن تترك المنزل في أي وقت, وأنه سيكون سعيدا للغاية لو أنها فعلت ذلك. وكثيرا ما يعتصرها الألم حتي أنها لا تجرؤ علي مغادرة المنزل. وهكذا يستمر كل منهما في الاعتقاد بأن موقفه هو الموقف الصحيح, غير أن الزوجة لو انتابتها شجاعة مفاجئة جعلتها تجرؤ علي القول بأنها ستتركه, فقد يحدث شيء غير متوقع تماما بالنسبة لهما معا, إذ يصبح الزوج بائسا منهارا يتوسل إلي زوجته ألا تتركه, وسوف يعلن كم هو يحبها...!

وربما كانت هذه العلاقة أوضح ما يكون في حقل السياسة وقد صورها الأديب الأمريكي هيمنجواي بالحاكم الظالم الجبار علي شعبه, فيقرر الشعب ترك المدينة له, والذهاب للعيش في غابة ويستيقظ الحاكم ليجد نفسه وحيدا ويعلم أن شعبه يعيش في الغابة فيذهب إليهم ويلح عليهم في العودة واعدا ألا يعود أبدا إلي الظلم مرة أخري فهو بدونهم لا يكون ملكا ولا حاكما.

وهي كلها أفكار مأخوذة من فكرة هيجل عن جدل السيد والعبد طوال التاريخ وهو صراع انحل مع اندلاع الثورة الفرنسية عندما أصبح الكل سادة وتم إلغاء نظام الرق من المستعمرات الفرنسية أولا ثم من العالم كله بعد ذلك.

أما بالنسبة لاحساس المازوخي بالألم علي أنه لذة فليس ثمة رأي قاطع بالنسبة للشخص الذي يقع عليه الألم أنه يشعر به كألم أم أن الألم يتحول في احساسه إلي شعور باللذة, إذ يذهب بعض العلماء إلي أن احساس الألم في نفس المازوخي يتحول بطريقة ما إلي لذة, وهناك آخرون لا يتفقون مع هذا الرأي. وعلي أية حال فليس ثمة شك في أن المازوخي يشعر مع الألم بشيء من الراحة وأن الاحساس بالألم إذا استمر فقد يصبح احساسا مرغوبا فيه. وهكذا فإن ما يبدو في الأصل شعورا بالطاعة أو خضوعا ضروريا, فإنه قد ينتهي أخيرا بتوفير اللذة لصاحبه ومن شأنه أن يدفع بالفرد إلي البحث عن هذه اللذة حتي ولو كانت عن طريق الألم وتقبله, وقد يدعم هذا الرأي, أن الألم كلما زاد كانت اللذة الناتجة عنه أكثر متعة لصاحبها, وهي ملاحظة معروفة منذ القدم, ولها ما يؤيدها في مفهوم العلم المعاصر.. ولكن سبق أن أشرنا إلي أن السادية من ناحية والمازوخية من ناحية أخري يمثلان ضربا من ضروب الحكم السياسي يقوم علي أساس المتسلط وهو الحاكم والخاضع وهو المحكوم- وقد تستمر فترات طويلة من التاريخ- لكن ذلك يحتاج إلي تفسير طويل وهو ما سوف نعالجه في مقالنا القادم عن خرافة المستبد العادل...!