عمـر سـامي
عبد الناصر سلامة
عن اللغة والفكر‏..‏ والذات الحضارية
25 ديسمبر 2013
أحمد هريدى

مثل ابن رشد الذي بلغ درجة عالية من العمق في التفكير والسماحة في الأفكار هو من نحن في حاجة إليه الآن حاجة ثقافية وحاجة فكرية في آن واحد بحسب قول المفكر المغربي الراحل‏'‏ محمد عابد الجابري‏'...‏


 ومثل ابن رشد المفكر الحر الملتزم الذي يرفع شعار الحقيقة هو من نحتاج إليه في مجتمعاتنا العربية المعاصرة أكثر من أي شخص أو فكر آخر, لأن من يقرأ ويفهم فكره وإبداعه في سياق الحضارة العربية الإسلامية لا يمكن أن يكون متطرفا أو متعصبا.

كان القرآن الكريم يجري علي لسان ابن رشد المفكر والمجدد في الفقه بتلقائية في كل المناسبات والأحوال, ويستحضره في الفلسفة والجدل وفي كل ميدان من ميادين بحثه في الثقافتين العربية الإسلامية والأوروبية اليونانية اللتين كانتا حاضرتين معا بدون تنازع في فكره, ولم يكن يشعر بأي تناقض بين أن يكون فقيها مجتهدا ومجددا ملتزما بجميع ما يفرضه الدين عقيدة وسلوكا وبين أن يكون شارحا لأرسطو ومتجاوزا له في نفس الوقت.

ثمة هم عام كان يشغل المفكر العربي المغربي' محمد عابد الجابري' فمن رأيه أن مدار الأمر كله هو البحث عن الاستقلال التاريخي للذات العربية.. أن تكون مستقلا برأيك أمام أصحاب النظريات والأفكار الحديثة وأن تكون أنت أنت في مواجهة العولمة وصدام الحضارات وهذه النظرية أو تلك في الفكر العربي والفكر الإنساني عامة.

يتحدث الناقد للعقل العربي' محمد عابد الجابري' مؤكدا علي حاجتنا الشديدة إلي تجديد ثقافتنا وإغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الكاسح الذي يمارسه المالكون للعلم والتقنية والمسخرون لها لهذا الغرض.. وحاجتنا تلك يضيف الجابري لا تقل عن حاجتنا إلي اكتساب الأسس والأدوات التي لابد منها لممارسة التحديث ودخول عصر العلم والتكنولوجيا دخول الذوات الفاعلة المستقلة.

يتساءل الجابري.. أوروبا تتحدث اليوم حديث الخصوصية والأصالة عن الهوية الأوروبية من منطلق تعزيز سيرها الجدي علي طريق تشييد الوحدة بين شعوبها وأفكارها بخطوات عقلانية محسوبة في إطار من الممارسة الديمقراطية الحقة.. فهل بذلك تقدم أوروبا لمستعمراتها القديمة من أقطار العالم الثالث نموذجا صالحا للاقتداء به بعد ملاءمته مع الخصوصيات المحلية؟

في مجتمعاتنا العربية الآن من ينعت اللغة العربية بالضعف والتقهقر وبأنها لغة الأبواب الموصدة بخلاف اللغات الأخري التي يرونها لغات المستقبل والأبواب المشرعة علي مصاريعها... تؤكد الكاتبة المغربية' إكرام عبده' أن العيب ليس في اللغة العربية حاملة العلوم والآداب والفكر طوال تسعة قرون والتي كان يمتلكها' ابن رشد' واخترق بها الآفاق, بل العيب في أهلها الذين لم يكونوا حضنا رءوما لها يراعونها ويطورونها.

في نقاش دار بين الجنرال' ديجول' وبين بعض الساسة الفرنسيين حول كيفية الحفاظ علي الجزائر المستقلة داخل التأثير الفرنسي, قال له البعض: يتم ذلك بالإبقاء علي قواعد عسكرية, وقال له البعض الآخر: يتم ذلك بإبقاء الاقتصاد الجزائري مستقبلا مرتبطا بالاقتصاد الفرنسي, لكن الجنرال' ديجول' أجابهم: لا هذا ولا ذاك فقط حافظوا علي وضع اللغة الفرنسية تحافظون علي الجزائر المستقلة داخل النفوذ الفرنسي.

يكتب' الطاهر بن جلون' الروائي المغربي رواياته باللغة الفرنسية متحدثا عن نفسه وتمزقها بين مكانين ولغتين وثقافتين ومتحدثا عن المهاجرين من الجنوب المغربي الفقير والمهمل إلي فرنسا أولئك المقتلعين والمنفيين في آن معا الذين يعانون الاغتراب الثقافي واللغوي والروحي.. في روايته' العينان الخفيضتان', يكتب' الطاهر بن جلون' بالفرنسية عن تغريبة المغاربة في بلاد الفرنجة, وعن عنصرية فرنسا التي تتمثل في مصرع الفتي المغربي' جلالي' عندما اجتاح رجال الشرطة الحي المغربي في باريس, وعن مدام' سيمون' التي تشعر بالخجل لأن بعض الناس في فرنسا اعتاد احتقار من ليسوا مثلهم ولا ينتمون إلي الدين نفسه.. بالفرنسية يكتب الروائي المغربي' الطاهر بن جلون' عن مأساوية الصراع بين الانتماء إلي المكان الأول' المغرب' وبين الغرق في متاهة المكان الثاني' فرنسا', بين الحياة الراهنة والماضي, بين باريس وتلك القرية الفقيرة المهملة في الجنوب المغربي.

في رأي الكاتب اللبناني'عقل العويط' أن جزءا من النفس الداخلية لبطلة رواية' الطاهر بن جلون' لا يزال معلقا في شجرة القرية في جنوب المغرب, وأن جزءا آخر من نفسها الداخلية في الوقت ذاته يتهجي حروف اللغة الفرنسية ويتشرب روح وثقافة فرنسا.. إنها الهوة الهائلة في القلب المغربي التي تدفع بطلة الرواية إلي أن تعلن عن رغبتها العميقة في أن تتم القطيعة بداخلها بين المكانين واللغتين والثقافتين.

'الطاهر بن جلون' الذي يكتب بالفرنسية متهم بأنه يكرس لهيمنة الثقافة الفرنسية علي كتاب المغرب العربي ولمحاولة استقطابها له ككاتب يقدم المجتمع المغربي للقراء الفرنسيين بشكل فولكلوري يدعو للرثاء.. هل هي حرب تشنها فرنسا منذ أكثر من أربعين عاما علي العربية في أقطار المغرب الأربعة؟.. يتساءل' عثمان سعدي' رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية.

هل المسافة الروحية بين المشرق العربي والمغرب العربي في الزمن القديم لم تكن كبيرة وشاسعة كما هي الآن؟.. في كتابه' في التراث' فرق المفكر المغربي الدكتور' محمد عابد الجابري' بين عقلانية فلاسفة المغرب العربي ولا عقلانية فلاسفة المشرق العربي, وقال إن' ابن رشد' و'ابن باجة' و'ابن طفيل' هم المدرسة العقلانية في التراث الإسلامي, وإن ابن سينا' و'الغزالي' ومتصوفة المشرق هم المدرسة اللاعقلانية.

في رأي الكاتب المشرقي' محمد الأسعد' أن هذا النوع من التصنيف قام علي أساس تجاهل عدد من الوقائع, أولها أن' ابن رشد' لم يكن إلا تلميذا' للفارابي' المشرقي, وكذلك الأمر مع' ابن طفيل' الذي لم يترك الأمر غامضا في مقدمة كتابه' حي بن يقظان' حين أشار إلي فضل' ابن سينا' علي أطروحته. ويؤكد' محمد الأسعد' أن هذا التداخل والتشابك الطبيعي في إطار ثقافة واحدة لها جوانبها العقلانية واللاعقلانية ما كان يمكن أن تنتج أطروحة المشارقة والمغاربة لولا تجاهل أن هؤلاء هم نتاج إطار حضاري واحد وجغرافية بشرية واحدة, وأن تصنيف العقل الجمعي علي أساس نزعات فرد ظهر في المشرق أو في المغرب فيه من المغالطة الشيء الكثير.