ممدوح الولي
عبد الناصر سلامة
أفكار‏..‏ ومواقف خمس صفات لله وحده‏!!‏
2 أغسطس 2013
بقلم‏:‏ د‏.‏ إمام عبد الفتاح إمام

كثيرا ما ألحت علي ذهني فكرة ذ‏-‏ سنة أو سنتين إلي أن أكتبها في بحث أو مقال حسب حجم المعالجة‏.‏ ولقد كنت ومازلت‏-‏ أقول لطلابي في الدراسات العليا ممن يريدون إعداد بحث لدرجة الماجستير أو الدكتوراة في تراثنا الإسلامي‏,‏ لا تختاروا موضوعات سبق أن كتب فيها غيركم بل اختاروا موضوعات جديدة فالبحوث مصابة بفقر دم ونحن نحتاج أن ننقل إليها دماء جديدة‏,‏ إفتحوا نوافذ أذهانكم ليدخل هواء نقي جديد ليتقدم الفكر الإسلامي ولا تخشوا أحدا فباب الاجتهاد لم يغلق ولن يغلق مادمت جادا‏..‏


ولقد ألحت علي ذهني منذ عدة سنوات فكرة وكان ضغطها عنيفا لمدة سنتين حتي كتبتها في بحث عنوانه الزمان.. في القرآن ونشر أكثر من مرة في حوليات كلية الآداب التي كنت أعمل بها أولا ثم في كتاب بعد ذلك.



وفي هذه المرة أيضا تلح علي فكرة قرآنية أود أن أعرضها علي القارئ الكريم لعله يشاطرني الرأي- أو يخالفني فيه- أجرا أو أكثر, علما بأنني لست من المتخصصين, وإنما كل ما أستطيع أن أقوله هو انني قمت بتدريس فلسفة الدين لعدة سنوات ولعبت في رأسي أفكار دينية كثيرة أود أن أعرض بعضها في مقال اليوم وهي باختصار شديد أن القرآن الكريم قد احتفظ لله- وحده بخمس صفات لا يشاركه فيها أحد علي الإطلاق وذلك لأسباب ميتافيزيقية- أي عقلية خالصة- وهذا ما أود من الطلاب أن يفعلوه في رسائلهم لا أن يجمعوا أحاديث أو آيات قرآنية أو حكما مأثورة وعلينا الآن أن نعرض هذه الصفات الخمس:-

أولا: صفة الخلود..

فلا خالد إلا الله, والآيات القرآنية في ذلك كثيرة فهو يقول للنبي بوضوح شديد:

إنك ميت وإنهم ميتون.(30 الزمر).

كل من عليها فان* ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام.(27,26 الرحمن)..

كل نفس ذآئقة الموت....(185- آل عمران).

والسبب الميتافيزيقي أن كل ما عدا الله مخلوق من عدم وهو لذلك يحمل جانبا من الوجود وجانبا من العدم, ويظل جانب العدم ينمو, ويقوي إلي أن يدمر جانب الوجود تماما- كما قال كثير من الفلاسفة والعلماء. وهذه صفة بالغة الوضوح.

ثانيا: علم الغيب

الله وحده هو الذي يعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله ولا أحد سواه يمكن أن يدعي ذلك:

أعنده علم الغيب فهويري؟.(35- النجم)

ز ح الغيب لا يعلمها إلا هو...(59- الأنعام).

ز.. غيب لله...(20- يونس).

ولله غيب السماوات والأرض...(77- النحل).

قل لايعلممن فيالسماواتوالأرضالغيبإلاالله...(65 ذ).

القدرة علي معرفة الغيب للصالحين من عباده. فالآيات أيضا بالغة الوضوح:

عالم الغيبفلايظهر علي غيبه أحدا.(26- الجن)

..وما كان الله ليطلعكم علي الغيب...(179- آل عمران).

ولقد قرأت لبعض العلماء, وسمعت بعضهم الآخر يؤيدون القول بأن الله يطلع بعضا من عباده الصالحين علي غيبه, وفي ظني أن ذلك خطأ فهو لا يظهر علي غيبه أحدا- كما تقدم, حتي ولا الجن!! وفي قصة النبي سليمان وهو جالس يتكئ علي عصاه يراقب الجان وهم يشتغلون أشغالا شاقة, ومات دون أن يعلموا بموته إلا بعد أن سقط علي الأرض, والآيات التي تحكي هذه القصة واضحة: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم علي موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوافيالعذاب المهين.(14- سبأ). وكأني بهذه الآيات موجهة إلي أولئك السذج الذين يذهبون إلي السحرةه والدجالين الذين يسخرون الجان ليأتوا بأنباء الغيب, ما كان وما سيكون من أنواع الأحجبة والأعمال التي لا يعلمها أحد سواهم وذلك كله كذب وافتراء, وضحك علي السذج والبله والغافلين من البشر.

والسبب أننا جميعا الأنس والجن نعيش في داخل الزمن باستثناء الخالق- سبحانه- الذي هو في أزل دائم, ومن يعيش في الزمان كمن يسبح داخل النهر فهو محكوم بمياه النهر لا يستطيع أن يتخطاها, ومن ثم فهو غير قادر علي أن يتخطي لحظات الزمان مع أنك لكي تعلم الغيب وتري المستقبل لابد لك أن تخرج من لحظات الزمان وهذا القول عبث وخلفAbsurd.. كما نقول في الفلسفة ومن ثم فهو مستحيل. الله وحده هو القادر علي أن يوجد خارج الزمان لأنه خالق لهذا الزمان-, وقل الشئ نفسه بالنسبة للمكان] فهو أعلي منهما ولذلك لا معني لسؤالك ماذا كان يفعل الله قبل خلق العالم؟ لأنه ليس هناك قبل وبعد إلا مع خلق العالم- كما قال أرسطو الزمان مقياس الحركة, وهذه الحركة هي حركة المادة, فلا زمان قبل حركة المادة وإلتقاء الزمان والأزل هي أعلي لحظة يمكن أن يدركها الصوفي العظيم( وليس الدرويش أو الأبله)- والصوفي العظيم هو مرحلة أعلي من الفيلسوف العظيم- انظر إلي عبارة عالم الطبيعة الكبير ألبرت أينشتين: من لم يقف تجاه الكون وقفة صوفية ولو مرة واحدة في حياته فهو: حي حكمه حكم الميت!!.

وهذا موضوع بالغ الأهمية ويقع كثير من الناس في أخطاء لا حصر لها بسبب الخلط بين الزمان والأزل- وقد قلت ذلك في دراستنا الزمان.. في القرآن فليرجع إليها من يشاء!.

ثالثا:- العصمة من الخطأ

الخطأ يأتي من نقص في المعلومات, فأنا أقع في الخطأ لأنني أعرف شيئا ولا أعرف أشياء أخري كثيرة أو كما قال الشاعر عرفت شيئا وغابت عنك أشياء... ومن هنا فلابد أن يقع المرء في الخطأ وقال المثل اللاتيني: الإنسان خطاء بطبعه.. أما استحاله الخطأ فهي لله وحده, العصمة لله لا يشاركه فيها أحد مهما علا قدره ومقامه.

ولا أريد أن أدخل هنا في إشكالات مع من يقول أن من البشر من هم معصومون من الخطأ بل أكرر العصمة لله وحده, لأنه يعلم كل ذرة في السماء وكل حبة رمل في الأرض فعلمه كامل ومن ثم استحال عليه الخطأ. أما البشر جميعا فعلمهم ناقص, ولهذا فهم يخطئون أما القول بأن الإمام معصوم أيا كان وضعه فهو تأليه للإمام, أظنه لا يجوز.. ويبقي السؤال المشكل الذي يهز المرء لكن يجب علينا أن نطرحه بقلب سليم, وعقل مفتوح, وضمير صاف وهو: حتي الأنبياء. وأجيب نعم حتي الأنبياء, وأظن أن القرآن الكريم ذكر ذلك بوضوح من آدم:... وعصي آدم ربه فغوي.(121- طه) حتي نبي الإسلام يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك..؟!.(1-التحريم), وهم يعترضون علي ذلك بأن النبي إذا أخطأ فسوف يخطئ في الوحي دون أن يكونوا علي علم بأن لحظات الوحي لا يكون النبي في وعيه وإنما هو مجرد أداة للسماء توصل ما يتلي عليه, ومن هنا أستحال عليه الخطأ لأن الجانب البشري غير موجود أصلا!.

رابعا: الخالق

فعل الخلق من العدم لا ينسب إلا لله وحده, فهو الخالق البارئ المصور. فإذا قلنا أن النجار خلق لنا منضدة جديدة بساق واحدة ولا مثيل لها فذلك قول علي سبيل المجاز وليس خلقا حقيقيا, لأن الخلق الحقيقي لا يكون إلا من العدم الأمر الذي لم يعرفه فلاسفة اليونان ولهذا كان المثل السائد عندهم لاشيء يخرج من لا شيء..ExNihil,NihlilFit ز.. يسمي بالإله الخالق بل بالإله الصانعDemiurge فالمادة الخام بجواره والمثل أمامه وكل دوره أن يجمع بينهما وليس هذا هو الخالق لأن الخالق يعني الذي يخلق من العدم.

خامسا: فعل المعجزة

لا يقوم بالمعجزة إلا الله, أو كما يقول الجرجاني المعجزة فعل إلهي يظهره الله علي يد نبيه لإثبات نبوته.. فالفعل هنا لله وليس للنبي ولهذا نجد القرآن الكريم لا ينسب فعل المعجزة باستمرار إلا لله:

قلنا يا نار كوني بردا وسلاما علي إبراهيم(69 الأنبياء) فالنبي غير قادر بذاته علي أن يقول للنار كوني بردا وسلاما فتكون كما يريد لكن الله وحده هو القادر علي ذلك فواضع القانون هو القادر علي أن يوقفه.. انظر إلي الآية الكريمة الآتية- والحديث الموجه إلي السيد المسيح وتأمل كم مرة وردت عبارة بإذني؟! في كل فعل من أفعال الخلق:

وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتي بإذني(109- المائدة).

وإذاستسقي موسي لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منهاثنتاعشرة عينا..(60- البقرة)

ولا يمكن أن تجد فعلا إعجازيا منسوبا لأحد الأنبياء لأن المعجزة لا يقدر علي فعلها سوي الباري تعالي والسبب بسيط للغاية وهو أن من خلق القانون هو وحده القادر علي إبطاله. وكل من يدعي أن في استطاعته إيقاف قانون من القوانين فهو يدعي الألوهية!

أرجو أن أكون قد وفقت بعض التوفيق لأنال ولو أجرا واحدا!!