الجمعة 27 من ذي الحجة 1434 هــ 1 نوفمبر 2013 السنة 138 العدد 46351

رئيس مجلس الادارة

عمـر سـامي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

‏100‏ عام علي ميلاد فولتير النيل
ألبير قصيري‏..‏ من الفجالة إلي سان جيرمان

نسرين مهران
ينأي عن الوطن‏..‏ اختار أن تكون مدينته الغربة‏..‏ فألقي الموج بقاربه علي شواطيء

الذكري في صباح يوم بعيد. يعرفه جيدا شارع سان جرمان الباريسي حيث كان يقطن هناك في فندق اللويزيان لأكثر من ستين عاما. عاش وحيدا في عالم غامض ملون بكل فصول السنة.. يطرق نوافذه في ليل الشتاء زخات المطر, وفي الخريف أوراق الشجر. لم يهو في حياته سوي شراء الكتب والزهور.. أسعد أوقاته كانت تلك التي يمضيها في مقهي فلورأو حدائق لوكسمبورج مع أصدقائه: هنري ميلر, ولورانس دوريل, والبير كامو... وحدها سنوات الطفولة والشباب بقيت علي باب الذاكرة. تراه يحدق في نهر السين, وبين أهدابه لا يزال نهر النيل يركض. كل نهر له نبع ومجري.. وأديبنا مجراه تدفق من القاهرة حيث امتدت فروعه إلي حي الفجالة الذي شهد ميلاده يوم3 نوفمبر1913, مرورا بالظاهر حيث درس في مدرسة الجيزويت الفرنسية التي ارتبط من خلالها بكتابات المثقفين الفرنسيين الكلاسيكيين.
كشجرة لا تغادر جذورها, عاش الكاتب المصري الأصيل ألبير قصيري في عاصمة النور باريس منذ1945 حتي تاريخ وفاته2008, دون أن يسعي إلي الحصول علي الجنسية الفرنسية. مصري الهوي والهوية, ظل سجينا لعطر المحروسة الذي تغلغل في نفسه ومنحها دفئا لا يفني, وهو ما اعكس علي أعماله التي اعتبرها الكثيرون النسخة الفرنسية من أعمال نجيب محفوظ, نظرا لنجاحه في تصوير الحياة المصرية بكل تفاصيلها اليومية.
أحيا كتب قصيري إلي الوجود وبث فيها الحياة من جديد الكاتب الصحفي والمترجم محمود قاسم, الذي قام بترجمة الكثير منها إلي العربية.. فأعادها من المجهول, ليستمتع بقراءتها المواطن العربي, بعد أن كانت علي أرفف المكتبات الفرنسية فقط. وكان قد تعرف علي أديبنا الكبير للمرة الأولي خلال زيارة قام بها إلي منزل المخرجة أسماء البكري التي كانت تعد آنذاك أشهر أعماله شحاذون ومعتزون لتقديمها في فيلم سينمائي بعنوان كونشرتو في درب سعادة بطولة صلاح السعدني.. منذ ذلك الحين قرر قاسم ترجمة روايات هذا الكاتب المغترب, الذي أطلقت عليه الصحف الفرنسية المنسي من الجميع.
لغة الذاكرة
لم تشرده الغيوم أو يضيعه ليل الغربة.. طوال رحلته كانت هويته ولغته دائما هي البوصلة.. لم ينس قصيري أصله العربي- أبدا- رغم سنوات الاغتراب الطويلة.. لذا, نجح ببراعته في تصوير الأحياء الشعبية والتوغل في وصف شخصياتها.. كما سلط الضوء بعفوية شديدة علي سمات الشخصية المصرية الصميمة. فتراه مثلا يجسد روح السخرية التي تعد جزءا أساسيا من طبيعة المصريين في مواجهة الظروف القاسية والتحديات. بل إن خفة ظله- التي كان يتحلي بها هو نفسه في الحقيقة- انعكست علي شخصيات رواياته. بقدر إعجابه بسخريته وخفة ظله, لا يخفي محمود قاسم إنبهاره بالفرنسية التي كتب بها قصيري رواياته, وكأنه فرنسي الأصل!!.. فيسترسل قائلا: عند قراءة النص الفرنسي, يمكن أن تشعر للوهلة الأولي أنه مكتوب بإحساس عربي أو إنه رواية عربية تمت ترجمتها إلي الفرنسية, وليس العكس!..فقد كان يختار أسماء الأشخاص ويكتبها مثلما هي في النص الفرنسي.. كان يكتب الأسماء كاملة بالحروف اللاتينية, فيقول مثلا( الست أمينة) بدلا من( مدام أمينة).. أو( أم عبده),( سي خليل),( الخالة).. وغيرها من المفردات الجديدة التي لم يعهدها القاريء الفرنسي بكل تأكيد.. والمستوحاة من البيئة المصرية الخالصة.
في هذا السياق, يشير الكاتب إدوار الخراط إلي أن ألبير قصيري كان ينحو إلي نوع من الغرائبية, وعلي الأخص في تسمية أبطاله الذين يعطيهم أحيانا أسماء يصعب تصديقها!.. أو لم نسمع عنها قط, وكأنها منحوتة من مزيج العامية المصرية والفرنسية. وإذا كان لنا أن نستخلص موقفا فكريا مضمرا عن هذا الكاتب, فلعله أقرب إلي مزاج اليسارية التي تقارب الفوضوية أو العدمية أحيانا. بينما تري دكتورة الأدب الفرنسي د.رجاء ياقوت أن تعبيرات قصيري, شأن القرد في عين أمه غزال أو القسم باسم العيش والملح.. هي خير دليل علي أنه لايزال عربي الهوية والإحساس. وفقا لها, هذه المصرية وصلت أيضا إلي أسماء الأماكن مثل شارع فؤاد, ومدخنة عابدين ثم شارع عماد الدين في رواية كسالي في الوادي الخصيبب.
الكاتب المتمرد
سجين نفسه والحنين, أدمن ألبير قصيري الخيال والنظر إلي الوراء.. يصرخ في غربته لتفتح روحه المتمردة ثقبا في جدار الحلم.. انطلاقا من ديوانه لسعات(1931), مرورا بروايات العنف والسخرية, وبيت الموت المحتوم, وتنابل الوادي الخصب, وطموح في الصحراء, وموت المنزل الأكيد... تجلت هذه الروح المتمردة بوضوح في شخصية البطل في شحاذون ومعتزون: أستاذ التاريخ جوهر الذي تقدم باستقالته من الجامعة احتجاجا علي تفاهة وزيف المناهج. فإما أن يقوم بتدريس مناهج صحيحة أو يمتنع عن مهنة التدريس تماما!.. فقرر أن يعيش جوهر علي هامش الحياة, في غرفة ليس بها من الأثاث سوي ورق الصحف.. وهو رجل يعشق الليل لما به من سكون, ويبتعد عن النهار لما به من حركة وحياة صاخبة. كذلك, جميع شخصيات الرواية لديهم حس وطني عال, لا يتسم بالصياح والزعيق مثلما نري في الكثير من الروايات السياسية.. بل إنهم يتعاملون مع هذه الحكومات المتتابعة بسلبية شديدة لأنها لا تنتبه إلي مشاكل الناس.. أي أن السلبية جزء من تمردهم علي الحياة. يذكر أن هذه الرواية- التي جسدها بريشته رسام الكاريكاتير الشهير لولو- قد حصلت علي جائزة الأكاديمية الفرنسية.
فيما يخص أوجه الاختلاف بين أدب قصيري وأدب محفوظ, يري محمود قاسم أن شخصيات ألبير قصيري أكثر ثورية وتمرد من شخصيات نجيب محفوظ, ولها موقف من الحياة. كما يري أنه تفوق في تجسيد حياة الفقير بصدق, لذا تجد أبطال رواياته هم؟ المهمشون, والمتسولون, واللصوص, وقاطنو المناطق الشعبية والقبور.. أبطاله لا يبحثون عن العيش فقط, بقدر ما ينشدون الحرية والكرامة.. ويضيف قائلا: إن انحياز قصيري إلي الفقراء, لم يكن واضحا فقط في مشواره الأدبي, وإنما كذلك في حياته الشخصية. فقد انضم إلي جماعة أدبية يسارية المنهج والاتجاه عرفت باسم الفن والحرية التي إهتمت بهموم المواطن البسيط.. كان من أبرز أعضائها جورج حنين, وكامل التلمساني ورمسيس يونان. وقد أصدرت هذه الجماعة مجلة أدبية التطور, نشر فيها قصيري ثلاث روايات قتل الحلاق امرأته, ومدرسة الشحاذين, وساعي البريد رجل مثقف.
كذلك, قدم قصيري من بين شخصياته الروائية نماذج عديدة من الكسالي. فتجد عبد العال بائع الشمام وبطل رواية منزل الموت الأكيد, وهو لا يبيع طيلة العام إلا الشمام في موسمه( الذي هو موسم قصير للغاية).. ويظل باقي شهور السنة بلا عمل, يعاني من الفقر والجوع!!.. بينما في روايته كسالي الوادي الخصيب يشير إلي الكسل علي أنه ليس رذيلة! ويري أنه الترياق للإغتراب.. وإنه شكل من أشكال المقاومة ضد غرور واستبداد الحياة. يرجع البعض إهتمام الكاتب المصري العالمي بـالكسالي, ربما لأنه لم ير أحدا من أفراد عائلته يعمل!.. فالجد والأب والأخوة في مصر كانوا يعيشون علي عائدات الأراضي والأملاك.. أما هو فقد عاش من عائدات كتبه وكتابة السيناريوهات. وكان دائما يقول: حين نملك في الشرق ما يكفي لنعيش منه لا نعود نعمل, بخلاف أوروبا التي حين نملك ملايين نستمر في العمل لنكسب أكثر. كعاشق يكتب كل ليلة رسائل حب صوفي للوطن, دون أن ينتظر الرد..بلا عنوان, ظل صندوق بريده فارغا طوال عمره.. يمشي غريبا زاهدا في بلاد الله.. يسأله المارة عن إسمه, فيجهله!.. من بين ألوف الوجوه التي التقي بها لايذكر شيئا غير حبيبته: مصر الأرض والبشر والزمان.. حتي تلاشي.. وتلاشي في الزحام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 4
    احمدعبدالمحسن
    2013/11/01 22:19
    0-
    0+

    القاهره
    شكرا للكاتب على المقاله الجميله وللجريده ولكن القاهره القديمه لها سحرها وناس القاهره لهم سحر خاص فترا وسط اللبلد من شارع سليمان لعدلى وووو فقاهرتى هى ام الدنيا
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 3
    كمال العربى
    2013/11/01 14:30
    0-
    2+

    الشكر والثناء لل أ نسرين مهران فقد كان قلمها الرشيق أداة للتعرف على أديب وروائى نجهل كنهه
    نكرر التقدير والإمتنان لأ نسرين ونطمع غى أن تنشر لنا جريدتنا العضيمه الأهرامبعضا من قصص هذا المصرى المغترب فى ملحق الجمعه
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    asd22
    2013/11/01 12:33
    0-
    4+

    شكرا لكاتبة المقال الصحفيه نسرين مهران
    شكرا جداا لهذه الثقافه و اللكلام المكتوب برقه جميله...ياريت حضرتك تكثرى و تكتبى عن جيل عظماء مصر من بداية 1900 ياريت ....لقد نسينا و لالالالا يعرف الشباب شئيا عن عظماء أحبوا كل حبة تراب من هذا الوطن...هؤلاء الجيال الذى صرخ فى العالم كله فى الثلاثينيات و قال هذه مصر....لؤلاء الخونه و الأغبياء الذين جروا وراء مصالحهم و باعوا مصر من زمان...شكرا و تحياتى...و أنتظر المزيد...شكرا.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    moustafa
    2013/11/01 12:25
    0-
    2+

    السلام عليكم
    اجمل مقال قراتة في حياتي احسنت
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق