الجمعة 28 من ذو القعدة 1434 هــ 4 أكتوبر 2013 السنة 138 العدد 46323

رئيس مجلس الادارة

عمـر سـامي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

كفانا قبحا‏..وجه مصر يناديكم‏!‏‏
هاجر صلاح
جعل منها الخديو اسماعيل باريس الشرق‏..‏ فتحولت‏-‏ علي ايدينا‏-‏ الي جحيم طال عموم المصريين‏..‏ قد لا يدرك البعض ان قبحا عمرانيا تسلل كسرطان في جسد المدن المصرية وأطرافها‏,‏ لكنه بالتأكيد سيشعر ان أمرا ما غير مريح لعينه‏,‏

او ان حركته اصبحت اصعب في شوارع افتقدت لابسط قواعد التخطيط والنظام.. نعم.. ربما لا يستطيع احدهم ان يعرف علي وجه اليقين ما يزعجه في شكل الشارع المصري ومعماره وتنسيقه, وقد يسخر من ينتقد لون عمارة سكنية او مكان لوحة اعلانية علي احدي الواجهات, لكنه بالتأكيد سيتبين كم كان مخطئا اذا تم تصحيح تلك الاوضاع..
المشكلة الحقيقية ليست في العمران القديم الذي نال منه الزمن وتجرأت عليه الايادي لتزيل عنه اي جمال متبق, بل ليس حتي في بؤر العشوائيات التي تمكنت واستحكمت واستعصت علي الازالة او التطوير.. العشوائية اصبحت ثقافة تنتج لنا يوميا المزيد من القبح العمراني الذي لم يسع احد الي وقفه, ولعل تلك المكعبات السكنية من الطوب الاحمر المطوقة للطريق الدائري, والتي تتكاثر بشكل مرعب, مثال حي..
المهندسة داليا السعدني المصممة المعمارية والحاصلة علي جوائز دولية في مجال التصميم قررت ان تكون اكثر ايجابية, وتدعو كل المعنيين من مسئولين تنفيذيين ومجتمع مدني لمساعدتها في تنفيذ تصورها لمعالجة القبح العمراني الذي غزا الشارع المصري تحت شعار وجه مصر.
الفكرة الاساسية لمشروع وجه مصر كما تقول داليا هي خلق شخصية معمارية وعمرانية لمصر بحيث ان من يقع نظره علي صورة من مصر يتعرف عليها مباشرة, وذلك بالطبع المعني الايجابي وليس السلبي كما هو حادث الان, فتقول: لابد ان يظهر عمق وتاريخ بلد بحجم مصر في شوارعها, ومن المحزن ان نري دولا اقل شأنا من مصر بمراحل لكنا تتميز بطابع معماري معروف, ولديها القوانين التي تضمن الحفاظ عليه, اما في مصر, فكله يفعل ما يحلو له دون التقيد باي قوانين او قواعد, وكلنا نري الشرفات المطلية بدهانات ذات الوان مختلفة في عمارة سكنية واحدة, ويتم تركيب أجهزة التكييف في اي مكان وهناك من يغلق شرفة او نافذة ليشوه تصميم المبني بأكمله, اما الشارع نفسه فحدث ولا حرج, وجميعنا سواء من يركب الميكروباص او سيارته المكيفة يصاب بالتوتر والصداع بسبب القبح والتلوث البصري والسمعي, ولم تعد العشوائية مقصورة علي الاحياء البسيطة او الشعبية وانما غزت ما يسمي المناطق الراقية, فالقبح ممتد لان المنظومة العامة لا تمنعه.
داليا تجد في تجربة د.عبد السلام محجوب- محافظ الاسكندرية الاسبق- نموذجا يمكن الاستفادة منه في تنفيذ مشروعها, فتقول: المحافظ طلب من الشركات الموجودة في كل حي المشاركة في بناء ميدان كل في حيه لاضفاء طابع جمالي علي المنطقة, علي ان يتم خصم تكلفته من الضرائب التي يدفعونها للدولة, وهذا لب الموضوع, فلا احد يري ضرائبه في صورة ملموسة وابرزها الشارع النظيف المرصوف, ولو حدث ذلك فلن يتلكأ المواطن في دفع ضرائبه, وهذا ما اود الاعتماد عليه في تنفيذ مشروع وجه مصر, لانه سيساعد كذلك في اعادة الثقة لدافعي الضرائب في أوجه صرفها بطريقة ملحوظة و محسوسة في الشارع.
وتعتقد داليا ان تحقيق فكرة الخروج من الحيز الضيق الي المدن الجديدة لن يتحقق الا اذا وجد المواطن وضعا افضل مما كان يعيش فيه وليس العكس, والدليل ان الجميع يريد ان يعيش في القاهرة حتي لو كان في المقابر مع الاموات.
وتتابع داليا يجب ان نوفر له بيتا اجمل وخدمات أكثر جودة, وبدلا من ان ننفق اموالا طائلة علي ترقيع المناطق القديمة المتآكلة,يجب ان نبدأ في انشاء مدن متكاملة, تهاجر اليها أسر بأكملها, فينخفض عدد سكان القاهرة الي الثلث مثلا.
وتشدد داليا علي ان مشروع وجه مصر لا يعني فقط توحيد الوان الطلاء لواجهات المباني ولن يكون مكياجا سطحيا بل يعنيه علاج اسباب مشاكل التشوه العمراني الحالي من الجذور, وتؤكد ان تطبيق احكام رادعة علي الجميع بلا استثناءات هو المفتاح, وتحذر من استمرار ما وصفته بالكارثة المعمارية علي ساحل البحر المتوسط حيث يتم بناء فنادق ضخمة ذات ارتفاع غير مدروس يحجب الرياح والبحر, وهو ما يعني ان العشوائيات ستكون في كل شبر في مصر في ظل غياب التخطيط, فليس معني ان الارض متوافرة ان يتم توزيعها دون دراسة ليفعل كل مستثمر ما يشاء وفقا لاهوائه ومصالحه المادية.
حاليا كما اعلنت داليا- يتم دراسة تشكيل لجنة من اساتذة الهندسة بالجامعات المصرية المختلفة لتكون المرجع لوضع القواعد التي يتم الاحتكام اليها في كل ما يتعلق بشكل الشارع وما يضمه من مبان وميادين وحدائق ولافتات اعلانية, وتوجه دعوة من خلال جريدة الاهرام لكل الجهات المعنية بالتعاون والتواصل معها عبر الايميل الذي تم تخصيصه للحملة وهو:faceofegypt@de-zines.com
الكلمات التي وصف بها المهندس الدكتور ابو زيد راجح- الرئيس الاسبق للمركز القومي لبحوث الإسكان العمران المصري, ربما تدفع المعنيين لاخذ المشروع السابق علي محمل الجد. يقول ابو زيد: العمران المصري اصبح مشوها ومتدنيا لابعد الحدود ويأكل نفسه بنفسه, و اذا ما أردنا لمصر الاستمرار فلابد لها من منظومة عمرانية جديدة, بعد ان استنفد العمران الحالي اغراضه, ولم يعد يلبي الاحتياجات الجديدة التي فرضها تطور المجتمع وتنوع أنشطته وزيادة عدد سكانه, فالوعاء المكاني الذي كان يستوعب20 مليونا يعيش فيه الان80مليونا, وقد يصل العدد في عام2050 الي150 مليون نسمة.
مظاهر التدني العمراني كما يرصدها ابو زيد تتجلي في تمكن العشوائية من البنيان المصري حتي يمكن القول ان قانون البناء في مصر هو العشوائية, فضلا عن طغيان بؤرة القاهرة علي المدن الاخري ولم تعد القوانين واللوائح الموجودة قادرة علي تلبية النمو العمراني المتسارع, والنتيجة تلوث بصري وسمعي وبيئي, ونشوء ظاهرة تحضر الريف وتريف المدن, فالمدينة غلب عليها الطابع الريفي بسبب هجرة الريفيين اليها, والقرية توارت عنها الصورة الزراعية.
الحل كما يراه الدكتور ابو زيد يتمثل اولا في الخروج من الوادي الضيق الي الحيز الجديد في صحراوات مصر وسواحلها وفي سيناء, بحيث يحدث ما يشبه الهجرة الجماعية للبشر, اما وضع مساحيق التجميل علي وجه المدينة القبيح فلن يجدي.
ويتابع علينا الان ان نترك القديم يتآكل مع الزمن ونوقف حدوث مزيد من التدني ونسعي لفتح افاق عمرانية جديدة ونوسع المساحات الخضراء ونهدم العمران المتهالك, هي بالطبع عملية مكلفة جدا وتتطلب تخطيطا استراتيجيا طويل المدي, ولابد ان يعلم المشرع ان القوانين واللوائح لن تكون حلا مادامت انها لا تراعي المتغيرات والحاجات الاجتماعية للبشر, فيكفي ان نعلم ان70% من الدعاوي المقامة ضد من قاموا بالبناء علي اراض زراعية, حكم فيها لمصلحتهم بالبراءة لان الحاجة الي السكن اقوي من اي تشريع, اما ما يقال عن تراجع الحس الجمالي لدي المصريين والذي ينعكس علي شكل بيوتهم ومنازلهم, فيبدي الدكتور ابو زيد شفقته علي الانسان المصري الذي مازال في مرحلة البحث عن طعامه وبالتالي لا يمكن ان نطلب منه ان يهتم بالجوانب الثقافية في حياته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق