الجمعة 24 من رمضان 1434 هــ 2 أغسطس 2013 السنة 137 العدد 46260

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

نابغة الميضة <<1>>

بقلم‏:‏ يوسف السباعي
لست أدري ما صنع الله بحارة الميضة في أيامنا هذه فقد مضي علي ما يقرب من الخمسة عشر عاما لم تطأ قدماي أرضها ولا طاف برأسي ذكرها‏,‏ حتي أحسست بها اليوم تدفع ذاكرتي دفعا‏..‏ لمجرد صورة عابرة مرت بعيني‏..‏ فحملتني إلي الوراء خمسة عشر عاما‏,‏ ونقلتني من أحد أركان شبرد فهوت بي إلي حارة الميضة‏,‏ وما أدراك ما حارة الميضة‏!‏

الصلاة خير من النوم.. بهذا القول هتف الشيخ محمد طرطور وقد علا مئذنة جامع السيدة.. رافعا كفه علي صفحة وجهه.. مغلقا عينيه, وقد علت وجهه تجاعيد الإنهاك من الصياح, وبدا كأن ما في جوفه من قلب, ورئتين, وأحشاء وأمعاء, علي وشك أن تخرج من فمه مع صيحته, من فرط ما كان يجهد نفسه في الصراخ. فقد كان يرغب في إيقاظ أهل الحي.. حتي يقوموا لأداء فريضتهم, ويكون بذلك قد أدي واجبه.
ومع ذلك فما سمعه أحد.. فقد استغرق القوم في سبات عميق, وحتي القلائل الذين وصل إليهم صوته.. لم يصعب عليهم إلا أن يقنعوا أنفسهم بأن النوم خير من الصلاة وبأن دفء الفراش واسترخاء النوم, خير ألف مرة من ركعتين وسجدتين, وماء بارد يثلج الأطراف.. وأغمضوا عيونهم وعادوا إلي سباتهم..
وهكذا شمل الحي سكون الفجر العميق, ولم يبد علي الدور الساكنة أن المؤذن قد عني أهلها بصياحه وصراخه. اللهم إلا ناحية بدت فيها علامات اليقظة والحياة, ودل ما فيها من همهمة, ونحنحة, وتمخط علي أن أهلها من أهل الله, وأنهم قد طرحوا النوم من أجفانهم, ونووا أن يؤدوا الفرض ويعطوا ما لله لله.
هؤلاء هم أهل حارة الميضة القائمة عند الباب الخلفي لجامع السيدة, والتي تطل عليها ميضة الجامع, والحارة في حد ذاتها لا تستحق أن يكون لها أهل, فهي لا تعدو المائة متر طولا والعشرة عرضا, يقوم الجامع علي أحد جوانبها وتقوم بضعة حوانيت علي الجانب الآخر, وعلي ذلك فلا محل هناك لساكن ينزل بأرجائها, ومع ذلك فهي عامرة بالسكان غنية بالأهل.
وماذا يضير أهلها.. ألا تأويهم فيها حجرات ؟ وفي قارعتها لهم خير مأوي وخير ملاذ, وما حاجتهم إلي الدور فيها والمنازل, وفي أرصفتها أطيب منزل, وأرحب دار.. أليس في قناعتهم من حارة الميضة بأرائك من طوب وأسفلت, ضمان لهم في الجنة بأرائك من سندس واستبرق ؟!
ومع ذلك فلم تكن الحارة تخلو من بضع مصاطب تقوم علي أطنابها, وترتفع عن الأرض بضعة أقدام, لتتخذ دورا لأولياء الله الثابتين ولست أعني بالثابتين, الثابتين علي دينهم ولكن أعني الثابتين في أماكنهم أو في مصاطبهم.. فهي محل عملهم ونومهم, وأكلهم وشربهم, وقد دعاني إلي تسميتهم الثابتين أن أميزهم عن سواهم من أهل الحارة من أولياء الله المتحركين.. الذين يجوبون الأرض ويضربون في أطنابها نهارا, ثم تأويهم الحارة ليلا, بعد أن يعودوا إليها محملين بخيرات الله.
كان أول أهل الحارة استيقاظا هي الشيخ محمد, ولا تظنوا أن قولي هي نوع من السهو أو الخطأ, إني أقصد بـ هي هي فعلا, فقد كانت امرأة.. اما اسمها الشيخ محمد, فما ذنبي واسمها هكذا.. وما من فرد من أهل الحارة إلا ويناديها كذلك ؟!
استيقظت الشيخ محمد, وإن لم يبد عليها شئ من مظاهر اليقظة.. فهي في سباتها ويقظتها سواء, وارتعش جفناها قليلا, ثم فتحا عن عينين خابيتين ليس فيهما بياض بل صفرة مشوبة بحمرة, ومضت لفترة طويلة قبل أن تستطيع التحامل علي يديها والجلوس علي المصطبة وغطت رأسها وجسدها السمين المرهل بالدثار المكون من آلاف الرقع المشدودة إلي بعضها, والتي قد صبغتها الأقذار بطبقة قاتمة جعلتها تبدو كأنها قطعة واحدة ثم مدت يدها تتحسس الحمصة الموضوعة في ركبتها الغليظة, والتي وضعها لها الشيخ عتريس بعد أن شق ركبتيها بمشرط ودفن فيها الحمصة, منبئا إياها إنها ستسحب جميع الأمراض التي في جسدها..
وأحست المرأة بمكان الحمصة متقيحا ملتهبا, ولكنها طمأنت نفسها متمتمة يضع سره في أصغر حمصة.
ثم بدأ أهل الحارة يستيقظون تباعا, فنهض الشيخ أحمد( رجل في هذه المرة), وكان يرقد أسفل المصطبة.. ثم تحسس سيفه الذي كان دائما يضعه تحت رأسه.. فلما اطمأن عليه, دس قدميه في مداسه, وألقي تحية مقتضبة علي كوم اللحم المغطي بالدثار, وأخذ سيفه بيمينه واتجه إلي باب المصطبة.
والشيخ أحمد من أهل الجهاد لا يغادره سيفه الخشبي, ولا أوسمته التي يرصها فوق صدر قفطانه الرث, وكم له من جولات وصولات, في حواري البغالة وبين عشش الماوردي, يعدو الغلمان وراءه ويجاوبون علي صيحاته بصوت واحد: الله, وهو في عدوه يقف من آن لآخر فيلوح بسيفه ذات اليمين وذات اليسار فينطرح الصبية أرضا, فيعود الرجل إلي سيره تعلو وجهه علامات الانشراح وهو يتمتم نصر من الله وفتح قريب.
ويقال إن الرجل كان في سابق عهده من طلبة الأزهر المتحمسين ومن قواد الثورة, وأنه قد أصابته لوثة فأضحي يجاهد بالطريقة التي تحلو له, ماذا يضيره في ذلك وطريقته في الجهاد لا تكاد تختلف كثيرا عن سواه في هذا البلد ؟!.. وهو في نطاق مداركه يعتقد أنه يجاهد وهم في نطاق مداركهم يعتقدون أنهم يجاهدون, والبلد لا يكاد يستفيد منه إلا بقدر ما يستفيد منهم.
ويعود الشيخ أحمد في نهاية يومه, قرير العين ناعم البال, ليلقي بجسده الواهن من فرط الكر, والفر, أسفل مصطبة صاحبته الشيخ محمد, وليناولها بعض ما أحسن به عليه أهل البر من أرغفة وقروش.
وتكأكأ علي باب الميضة بقية أهل الحارة من أولياء الله الذين وهبوا من البله والعته والعجز, ما يهيئ لهم كل مسببات الولاية, فدلفوا إلي الداخل, وجلسوا القرفصاء صفا أمام الحنفيات, وتصاعدت في الجو أصوات المضمضة والتمخط, نشازا متنافرة, ثم بدأوا يتسربون إلي داخل المسجد.
يا للإنسان العجيب, أكلما سما به الله ورفعه, تسامي علي الله وترافع ؟ أكلما ذكره الله, نسي هو الله ؟!
نظرة منا إلي أولئك المصطفين في المسجد يركعون ويسجدون ويذكرون الله! وإحصاء منا لمراكزهم في الحياة ولما وهبه الله لهم يصيبنا بدهشة وعجب, جلهم من الفقراء والمساكين, جلهم ممن نسميهم الطبقة الدنيا, حتي هذا الأفندي الموظف في وزارة الأوقاف الذي أطلق لحيته, لا يعدو أن يكون بين زملائه الموظفين مجنونا أو معتوها..
هذه حال في دنيانا يجب أن نمعن الفكر فيها, وظاهرة عجيب تحتاج إلي بحث وتمحيص وتحتاج إلي أن تعالج بجرأة, ضعف التقوي وتخلخل الإيمان, كلما سما الإنسان في الحياة واكتمل, هل هو نقص في مسببات الايمان, أو هو التواء في تفكير الإنسان ؟ أنا نفسي أؤمن بقلبي أكثر مما أؤمن بعقلي, فكلما أمعن بي الفكر, رأيت نفسي أكاد أضل, وإذا تركت نفسي لإحساس قلبي ازداد بي الإيمان وازددت احساسا بالله.
وانتهت الصلاة, وعاد من عاد وبقي في المسجد من بقي, كل ذلك وواحد من أهل الحارة لم يغادر مضجعه, ولم يتحرك من مكمنه, بل استمر يغط في نومه, وقد انكمش وتكور, حتي لامست ذقنه ركبتيه ولم يزعجه من أهل الحارة ضجيج ولا صياح, بل استمر في غطيطه, حتي تنفس الصبح وملأ الحارة الضياء..
وبدأت الحوانيت تفتح أبوابها تباعا وازداد الضجيج والحركة فتقلب الجسد المنطوي, ثم تمطي وتثاءب, ونهض من مرقده جالسا القرفصاء, وهو يدعك عينه بيمينه ويهرش رأسه وظهره بيساره, ثم بدأ يفتح عينيه الحمراوين المنتفختين شيئا فشيئا, فوقع بصره علي الصبي كتكوت صبي المعلم عليش صاحب حانوت الفول والطعمية أو كما كتب علي لافتته المطعم الوطني الوحيد, تري من الذي سرق من الآخر لقبه: مطعم الفول, أم الزعماء ؟!
وبعد أن أتم الرجل دعك عينيه وهرش جسده وتثاءب مرة أخري, ألقي علي الصبي التحية:
صباح الخير يا كتكوت..
صباح الخير يا عم ابراهيم..
حضر لي شقة وطعمية..
لم ندق الطعمية بعد..
ودلف الصبي إلي الداخل وألقي بمركبات الطعمية من فول وبصل وخضر إلي الحجر الموضوع في ركن الحانوت والذي قد علته القاذورات والأوساخ, ثم وضع القضيب الحديدي الثقيل في الحجر, وأخذ يلفه المعلم عليش بلاسته وجلبابه مشمرا عن ساعديه, وبصق بصقتين وقال: يا فتاح يا عليم, ثم بدأ في قلي الطعمية في بقايا الزيت الأسود الباقية في الطاسة من ليلة أمس.
كل هذا والرجل الجالس القرفصاء لم يتحرك بعد, وكل ما فعله هو أن مد يده فدفعها في صندوق خشبي بجوار الحائط ثم أخرجها, وقد أمسكت بين أصابعها بعض الدخان, ثم أخرج من أحد جيوبه ورقة سجائر وأخذ في لف السيجارة وتدخينها.
كان الرجل هو ابراهيم العقب ويكاد الرجل يكون أسلم أهل الحارة جسدا وعقلا, فليس به من عاهة, ولا بله, ولا خبل ولذا لم يدخلوه في زمرة أولياء الله, لا الساكنين منهم ولا المتحركين, بل هو يعتبر بينهم من رجال الأعمال, وإن كان لا يغادر مكانه ليل نهار, ولكنه مع ذلك في عمل دائب وشغل مستمر, وهو يدير إدارة واسعة من مكانه في حارة الميضة.. وعندما نقول بإدارته الواسعة.. لا نقولها من باب التهكم أو السخرية بل نعني حقا أنها واسعة.. وأن لها فروعا في جميع شوارع القاهرة, ودروبها, وباراتها, ومنتدياتها.. وله موظفون يتسلمون من بعضهم النوبتجية ليل نهار..
وأكاد أجزم أن القارئ سيظنني أنوي أن أجعل من الرجل بعد ذلك رئيسا للمتسولين أو النشالين أو من شابههم ولكن حاشاي أن أكون هازلا فإن الرجل كان رجل عمل حقا وكان صاحب تجارة: تجارة مشروعة يبيع فيها ويشتري..
كان الرجل هو زعيم لمامي السبارس.. فما من جامع أو جامعة لأعقاب السجائر إلا وهو يشتغل تحت امرته أي يعد موظفا عنده, وحتي لو لم يكن موظفا عنده فإنه يتناول منه أجره فهو عميل لديه وبضاعته مصيرها إليه, وكان عمل الرجل ينحصر في تسريح جامعي الأعقاب نظير أجر محدود علي ألا يقل ما يجمعونه عن عدد معين من الأعقاب, فإن زادت عن ذلك فمليم لكل خمسين عقبا, أما الذين يعملون لحسابهم فيحاسبهم علي عدد ما يجمعونه من أعقاب.
وقد قسم القاهرة إلي مناطق, والمناطق إلي أقسام والأقسام إلي شعب, وليس لأحد أن يعتدي علي مكان قسم الآخر الذي خصص له, وعين لذلك مفتشين ليمروا علي المناطق والأقسام حتي يتأكدوا من سير الحال علي ما يرام..
أما مقر الرجل أو الإدارة فليست أكثر من صندوقين كبيرين وعدة قصعات, صندوق تجمع فيه الأعقاب وصندوق يوضع فيه الدخان الفرط.. أما القصعات فلتفريط الدخان, وبالإضافة إلي ذلك صندوق صغير توضع فيه السجائر التي يلفها ويبيعها بالجملة أولا بأول.
البقية الاسبوع القادم

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق