الجمعة 17 من رمضان 1434 هــ 26 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46253

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

ثلاثة أشكال لأبى

بقلم‏:‏ مكاوي سعيد
أخطأت التوقيت‏,‏ كان يجب أن أتسلل في أثناء قيلولته‏,‏ أو بعدها بقليل حين يحضر نفسه لصلاة العصر أو يؤديها‏,‏ شغلتني أمي بإطعام أزواج الحمام بـ العشة‏,‏ وشغلت بمراقبتها وفرز النوع البلدي من الجبلي من الزاجل الذي يتهادي كالطاووس إلي ركنه‏,‏

وحصرت من منهن ترقد علي بيضها أو تحتضن زغلوليها, وراقبت لوهلة الذكور الذين هاجمتهم الرغبة فبدأوا في نقر رءوس وليفاتهم حتي يستكن ويرقدن بوداعة, فيقضون منهن أوطارهم, حتي انساب الزمن من يدي, فعدوت تجاه أسفل سريري لإخراج حذائي, لمحني, ناداني بصوت لم يزل راقدا في أحابيل النوم, صوت عريض أجش, خرجت من غرفتي بسرعة ورباط الحذاء يتدلي علي جانبيه, قال باستياء: هتنزل تلعب مع الأولاد وتكسروا قزاز العربيات والمحلات وتصحوا الناس في بيوتهم ويتنعل ملة أبوكم وإللي مخلفينكم: وتجيبوا لنا النعيلة لحد حجرنا, لم أنطق لكن أمي الجالسة علي الكنبة قبالته قالت له بحدة: النهاردة الجمعة يالطيف شوف إنت عايز إيه من الواد, وخلصه بسرعة علشان يلعب مع أصحابه ويفك نفسه, نظر إليها قالبا شفتيه مستهزئا بكلامها وقال موجها كلامه إلي: إجري هات كراستك والقلم الجاف, هرولت لأحضرهما دون أن أفكر حتي في أسباب طلبه هذا, وعند عودتي وجدته يرتشف من كوب الشاي بالحليب بتلذذ, وهناك بقايا من الشاي عالقة بشاربه الضخم, لم أجرؤ علي الإشارة له بإزالتها, جذب مني الكراسة بغلظة وفتحها عشوائيا, ثم وصف خطي بنعكشة الفراخ كعادته وأنا خافض الرأس أتمني أن تنتهي هذه الدقائق الثقيلة دون أن يلطشني علي خدي او يدفعني بيده فأقع علي الحصيرة, لكني في الوقت ذاته كنت علي يقين أنه لن يعيرني بأني بليد وفاشل في التعليم لانه كان اميا لا يقرأ ولا يكتب, ومتابعته لكراساتي لاتتعدي النظر إلي النجوم الحمراء التي يضعها المدرسون علي الواجب المدرسي, وكنت أضيف أحيانا بالقلم الأحمر نجمة او نجمتين حتي أرضيه, هذه المرة لم يهتم بفحص الكراسة لكنه فتحها علي مصراعيها وقطع ورقة مزدوجة من وسطها, طبقها بعناية ووضع الكراسة أسفلها كمسند لها, ثم ناولني كوب الشاي الفارغ لأدخله إلي المطبخ, كنت أتمني أن أبقي في المطبخ إلي الأبد, أو ينفجر في جسدي وابور الجاز والبستلة المليئة بمياه الغلية التي تبقلل فوقه, سيمليني خطابا إلي أهلنا بالصعيد, ويظل يوبخني علي كل كلمة أكتبها ويقاوح مصرا أني أخطأت, أنا الذي في الرابعة الابتدائية ومدرس اللغة العربية يشيد بنبوغي, يصر أبي الذي لم يدخل حتي الكتاب أصلا علي فشلي في القراءة والكتابة! صرخته القوية جذبتني من المطبخ إلي موقعه في لمح البصر, كأنها آلة شفط عملاقة مركز بؤرتها في حنجرته, ناولني القلم الجاف الذي كنت قد فرحت جدا أنهم سمحوا لنا باستخدامه في هذا العام الدراسي, وهذا الأب القاسي جعلني أكرهه جدا وأراه كثيرا في أسوأ كوابيسي, كان يراقبني وأنا أكتب به, ثم يسألني عن الكلمة التي أنقلها طبق الأصل من الكتاب, وعندما أذكر اسم الكلمة كان يقرب الكتاب من عينه ويتأملها ثم كالجواهرجي المدعي يفحص الكلمة التي كتبتها وينهرني لأني كتبتها خطأ ويشخط في إذا اعترضت, ثم تأتي مرحلة التعذيب وهو يصر علي وضع القلم بيده بين سبابتي وإبهامي ويضم بأصبعيه الغليظتين أصبعي ويجري بهما علي الورقة محاولا تقليد الكلمة, وإذا ما انحرف القلم بيدي وكثيرا ما كان يحدث هذا, كان يضغط علي أصبعي حتي أصرخ من الألم, وتظل آثار ضغطاته تلازمني لأيام, أمسكت بالقلم وأنا أقف في مواجهته تفصلني عنه المنضدة الدائرية الصغيرة غير أنه أومأ برأسه لأقف بجواره وأعتدل قليلا حتي يتمكن من إملائي, كانت أمي قد تربعت علي الكنبة وأزاحت طرحتها البيضاء فبدأ شعرها الأسود الغطيس الطويل جميلا, وأمسكت بمشطها العريض تسوي خصلاته, بينما قال لي بصوت جهير وهو يشير إلي قمة الصفحة: حسن خطك واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. بدأت رحلة العذاب المعتادة وكان قد جعلني في مدي العامين السابقين عندما تأكد من قدرتي علي الكتابة, أكتب له أكثر من عشرة خطابات حتي بت أعتقد أنه أدخلني المدرسة من أجل كتابة رسائله فقط, لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا بعض الشيء كأن الخطاب موجها الي خارج القطر, حيث يعمل خالي ويقيم في دولة الكويت منذ فترة ليست بعيدة, وكان أبي عصبيا فوق عادته لم يركز في كل كلمة, لكن عندما كنت أنتهي من كتابة فقرة كاملة, كان يجعلني أقرأها له ثم ينظر إليها مكتوبة ويأمرني أن أكمل ما يمليه, بعد السلام والديباجة دخل إلي الموضوع مباشرة, وطلب مني أن آكتب له أن الدائنين الذين اقترض منهم أبي من أجل توفير تذكرة سفره ومصروفات إقامته أصبحوا يطاردونه بإلحاح من أجل نقودهم.. وعاتبه لأنه قال إنه سوف يرسل المال بعد أن يقبض أول راتب, وها قد مرت أربعة أشهر دون أن يرسل شيئا, وبينما كان أبي يفكر في فقرات أخري, كنت أختلس النظر إلي والدتي حيث زاد معدل صعود وهبوط مشطها الأبنوسي وزادت كمية الشعر المتساقط حتي حولت لون المشط من اللون البني إلي اللون الأسود, كانت تملية والدي مليئة بالغمز واللمز, وكان وجهها ممتقعا وتكتم غيظها بصعوبة, فأنا وهي فقط نعلم أن والدي يكذب, فلا دائنين ولا يحزنون, والمبلغ الذي سلفه لخالي كان يدخره من أجل شراء محل أكبر من محل البقالة الذي يمتلكه, ويساعده في إدارته عامل أخرس, وكنت أعرف أن أمي تحب خالي مثلما تحبني, فهو أخوها الصغير والوحيد في العائلة الحاصل علي دبلوم تجارة دون سنة رسوب واحدة, وكنت أعجب من إصرارها علي الجلوس كل هذه الفترة تسمع ما يكدرها, لكني الآن أدركت حتمية وجودها حتي لايتمادي والدي ويجبرني علي كتابة سباب فاحش لخالي, انتهي الخطاب أخيرا وقرأته كله دفعة واحدة, وبدا راضيا عن الكتابة ثم طلب مني كتابة اسمه الثلاثي.. لطيف محمد علي, أسهل ما في الخطاب تحول بقدرة قادر إلي أسوأ كوابيسي.. قرب الخطاب من عينيه لمرة أخيرة وقام بنصفه العلوي واحمرت عيناه من الغضب, ارتعش جسدي كله وهو يشير تجاه التوقيع باسمه ويصرخ ويتفتف في وجهي: بتكتب اسمي غلط!.. كان الاسم الثلاثي صحيحا وفق ما تعلمته ووفق ما أرصعه علي أوراق اختباراتي وامتحاناتي, لكنني كنت لا أجرؤ علي الجدال فبدأت أبكي وأكتم صوتي بقدر الإمكان ويهتز جسدي كله, وتركت أمي ما تفعله لحظة وشخطت فيه بضجر: لطيف.. بالراحة إنت خلعت قلب الواد, لم تكن قادرة علي الدفاع عما كتبته فقد كانت أمية مثله, لم يرد عليها وبجبروت نزع من يدي الورقة وتحت اسمه الذي اعترض عليه كتب اسمه كما اعتاد كتابته في أذون استلام البضاعة وعلي فواتيرها, لطيف: كتبها بدون حرف الياء ومحمد: كتبها بدون حرف الميم الثانية, وبفجر ألصق الورقة بوجهي وهو يقول بتحد: كده يابقرة أنا مش عارف بيعلموكوا إيه في المدارس, ثم شطب الاسم الصحيح الذي كتبته ودفس الخطاب في المظروف المعد سابقا, والذي لحسن حظي جعل أحد الزبائن المتعلمين يكتب علي صدره عنوان المرسل إليه حتي لا أخطيء في كتابته ولايروح إلي وجهته, وعلي ظهره عنوان بيتنا واسم الراسل الذي هو والدي بحرف الياء الذي يصر والدي علي عدم وجودها في حروف اسمه, طبعا هو لن يستطيع مقاوحة الأفندي الذي كتب العنوان لذلك سكت, أو ربما هو متأكد تماما أن الأفندي لم يخطيء لذا لم يراجع ماكتبه من بابه, ثم وكأنه جراح أنقذ مريضه وبدأ في حياكة جرحه بمهارة, اخرج لسانه الذي تحول سقفه إلي مايشبه سقف بيت معرض للانهيار, كان اللون الوردي للسان قد تحول إلي أحمر قاتم, ملأت شقوقه صبغة صفراء, من المضغة والشاي بالحليب الذي يدمنه, مسح بلسانه مطوية المظروف, ثم ضغط عليها بيده ولم يكتف بذلك, بل تحسس الرسالة مرة أخري بداخل المظروف, ثم وضعه علي المنضدة علي وجهه, وظل يدق بقبضة يده مثلث المظروف الذي به المادة اللاصقة حتي يثبت اللصق, كنت مندهشا من هذا الاهتمام المبالغ به بهذا المظروف كأن به حوالة مالية أو نقودا, وقبل أن أنصرف من أمامه ناولني المظروف, ثم أخرج حافظته الجلدية الضخمة المهتريء جلدها من كل الزوايا, والمثبتة بسلسلة طويلة في نهايتها حلقة حديدية مزروعة في الصديري, ومن أحد جيوبها بدأ في إخراج مجموعة من الكروت الشخصية الكثيرة التي لا أعرف لماذا يحملها, ثم موس ناسيت وورق بفرة وطابعين, مسح علي ظهرهما بلسانة وألصقهما ودق عليهما بقبضته أيضا, اعتقدت ان مهمتي قد انتهت, لكني كنت واهما جدا, فقد طلب مني أن أحضر الخيشة وهو يخرج ورقة المضغة ووضعها أمامه, ثم أعاد المحفظة إلي مكانها, ومن جيب صغير بالصديري أخرج العلبة الدائرية التي بها ملح النطرون ووضعها بجوار ورقة المضغة, ثم وجدني مازالت واقفا فحدق في وجهي بشدة فاستدرت بسرعة تجاه الحمام, ولمحت أمي تكور شعرها الذي تساقط وتضع بداخله اظافرها التي قصقصتها وتهم بالنزول من علي الكنبة, بداخل الحمام كان هناك مستطيل من الخيش الرديء, مخصص لبصاق أبي وهو يمضغ أوارق دخانه بعد ان يضع عليها قطعة ملح نطرون في حجم حبة السمسم, ثم يركن الدخان في إحدي شدقيه ساعة أو ساعتين, وكلما امتلأ فمه باللعاب كان يبصقه في تلك الخيشة بمعدل مرة كل خمس دقائق, وكانت أمي تنظف هذه القطعة ليلا بفرش البلاط والفنيك, لكني كنت أقرف جدا من المرور بحوارها فما بالك بحملها, وكانت أمي تعرف ذلك لذا لحقتني حتي الحمام, وابتسمت وهي تربت ظهري لما وجدتني واقفا أمام الخيشة دون حراك, ابعدتني قليلا عنها وتفرغت أولا لقذف بقايا الشعر والأظافر داخل المرحاض, ثم دلقت عليهما بستلة ماء كاملة حتي اطمأنت تماما أنهما ذهبا إلي غير رجعة, كان بيتنا جنوبي قح, ارتحل أبي وأمي بمجرد زواجهما إلي القاهرة وأقاما بها, لكنهما حملا معهما كل خزعبلات الجنوب في قفف تجاوز قفف المنين والعيش الشمسي وزلع المش, ممنوع قص الأظافز أو الحلاقة بعد المغرب, البقايا التي تتساقط منك أو تنزعها أنت بإرادتك كقلامة الظفر والشعر يجب ألا تقع في يد عدو حتي لا يعمل لك سحرا, يؤذيك, لاتترك طرفي المقص متباعدين صباحا أو ليلا فهذه علامة شؤم قد يتسبب في خراب البيت, ناهيك عن الضحك بصوت عال دون أن تستعيذ بالله من الشيطان إلي آخره, اطمأنت امي إلي أن لا أحدأ سينالها بسحره واستدارت نحوي وهمست في أذني: معلش أبوك عصبي النهارده اسمع كلامه ومتعارضوش, ثم مدت يدها بمحبة إلي قطعة الخيش التي كنت أحس برغم تنظيفها اليومي أن البصاق مازال ملتصقا بها, خرجت بها إليه وهي تمسكها من طرفها, كنت متوجسا إن يلومها لأنها حملتها بدلا مني لكن يبدو أن الكيف غلبه وماصدق أن القطعة اتفردت علي الأرض, حتي بدأ في البصق بتصويب دقيق, كنت أخشي ألا تستطيع الشمس الصمود, ويهبط المغرب فهذا معناه أن لا ألعب, لذا استأذنته وأنا مطرق الرأس في الخروج, ذكر تحذيره المعتاد بعدم تلويث الملابس ولا التشابك بالأيدي مع الأولاد, ثم ناولني المظروف وهو يقول: عارف صندوق البوستة إللي ورانا, أومأت برأسي, أشار لي بيده لأقترب ثم أكمل كلامه: حتلافي صندوقين واحد أحمر مرسوم عليه طيارة وواحد أزرق مرسوم عليه قطر, تحطه في الصندوق إللي مرسوم عليه طيارة.. فاهم عشان لو مارحش ورجعلنا تاني حاطردك من البيت وأعيشك في الدكان مع الفيران, أمي التي كانت في تلك اللحظة تضع له كنكة القهوة علي السبرتاية اعترضت قائلة: الواد صغير يالطيف مش حيقدر يطول الصندوق, أسكتها مستهجنا: وإنتي كونتي شوفتي الصندوق فين!.. أصغر منه وبيطولوه وبعدين لو عجز يقول لأي حد معدي حيرميله الجواب: حسما للأمر اتجهت برأسي ناحية أمي وقلت بثقة: حاعرف أطوله ياأمي, لكنها كانت عنيدة أصرت وهي ترتفع بتون الصوت درجة: إنت نازل يالطيف بعد شوية إرميه بنفسك, لكن أبي الذي يقلبه العند إلي حجر أصم أشار إلي بالنزول وهو يقول: انزل ياواد وارمي الجواب زي ماقلت لك وبعد متخلص لعب عدي علي علي القهوة.

قدمي كانت تطير فوق الدرج الأسمنت والمظروف تحت إبطي, وعندما وصلت الي باب البيت الخارجي لم أجده بمكانه, صعدت الدرجات مرة أخري وقلبي برتجف, لكن لحسن حظي وجدته علي بسطة الدور الثاني, ياويلتي لو كنت أسقطته بالشارع وعثر عليه والدي اكيد كان سيطلق أمي ويشردني ويرميني في الملاجيء, ومن شدة خوفي من ضياع المظروف أهملت أصدقائي وذهبت مباشرة إلي مقر الصندوقين, كانا فعلا اثنين أحدهما أحمر والآخر أزرق, لكن الألوان اختطلت علي أبي فالأحمر هو اللي مكتوب عليه بريد عادي ومرسوم عليه قطار, والصندوق الأزرق مكتوب عليه بريد جوي ومرسوم علي واجهته طائرة, وكان الصندوقان فعلا عاليين عني, ولن أطولهما حتي لوشببت علي قدمي, لكن يبدو أن أحدا انتبه إلي هذه المشكلة, ووضع حجرا ضخما وعاليا بين الصندوقين, اعتليته ومددت يدي الخالية إلي فتحة أحدهما فوصلت أناملي إلي الفتحة بالضبط كان الحجر مصمما علي مقاسي, لم تلفت نظري الطائري التي ترتفع مقدمتها تجاه السماء, لكن الخطين الطوليين اللذين تتقاطع معهما خطوط متوازية علي هيئة قضبان السكك الحديدية, هما مالفتا نظري بشدة, ثم القطار بعجلاته ونوافذه المرسومة بإتقان أخذا بتلابيبي, وظللت أتاملهم بإعجاب شديد, حتي تذكرت الخطاب ودفعت به في الفتحة التي راقني رسمها, وكانت صندوق البريد العادي! ثم تنبهت إلي بلوتي فجلست علي قرافيصي أمام الصندوقين أبكي بجنون, مر عابر سبيل وعندما استمع إلي مشكلتي هون علي قائلا: مافيش مشكلة يابني... هما كده كده حيفرزوا كل الجوابات في مركز البوستة ويحطوا جوابك في طيارة الكويت, ثم غادرني دون أن يطمئني كلامه ولو بنسبة صغيرة, بعكس كناس الشارع الذي اهتم بما أقوله واستمع باهتمام, ثم طلب مني أن أحضر في الغد في تمام الواحدة ظهرا وأنتظر أمام الصندوقين, وعندما يأتي رجل البريد ليأخذ بريده أخبره بمشكلتي وهو سيحلها بسهولة, ولكي يطمئنني أكثر أكد لي أنه سيوجد في نفس الموعد ليساعدني علي إخبار رجل البريد بما أريده بالضبط, هون علي هذا الرجل المشكلة تماما, ولم تكن هناك عقبة بخلاف أن موعد خروجي من المدرسة في الواحدة أيضا, والمدرسة تبعد مسافة كبيرة عن الصندوقين مما قد يؤخرني عن مقابلة رجل البريد, ولم أجد حلا غير ادعاء إصابتي بمغص شديد والاستئذان في منتصف الحصة الأخيرة من اليوم الدراسي, وقررت أيضا أن أكفي علي الخبر ماجور ولا أخبر أمي, فهي ستحتفظ بالسر يوم أو يومين ثم ستخبره فيجعل أيامي سوداء, ولعبت مع أصدقائي دون روح وتشطفت جيدا في ميضة الجامع خوفا من لفت نظر أبي إلي خطأ بشكلي أو ملابسي فيوبخني, وأجد نفسي وسط البكاء أعترف له بكل شيء.
أبي له ثلاثة أشكال مختلفة علي الأقل, بالكلسون والفانلة والصديري في البيت, وبالجلباب المطلخ بالزيوت وبقع الكيروسين وبقايا الجبن داخل المحل, وبالجلباب النظيف المصنوع من أجود أنواع القماش في خروجاته, أو في جلسته علي المقهي متصدرا الواجهة, وجدته هناك بالضبط عملاقا جالسا بين رفاقه, وصوتا هادرا يخرجه إذا ما لعب دورا جيدا في لعبة الدومينو, وشخطة قوية للمنافسين إذا ماهزموه, كان في تلك اللحظة منتشيا بفوزه, وحريصا علي إكمال اللعب للفوز بأدوار أخري, ناولته كيس البلح الأمهات والجوافة وهو يسألني: رميته؟ أجبته بسرعة: أيوه اكتفي بهذا الرد وانهمك في رص قطع الدومينو وهو يكمل دونما لفتة تجاهي: تروح علي طول وتخلي أمك تجهز العشا نص ساعة وحأكون في البيت.
وصلت هناك قبيل الواحدة كما خططت, لم يكن الكناس موجودا كما وعدني, وقفت بالقرب من الصندوق أرقب الطريق من الجهتين, وأذني متأهبة لسماع صوت المكنسة المصنوعة من سعف النخيل وهي تفرش أرضية الشارع وتزيل أوساخه, وعيناي تمسحان المدي خوفا من مرور والدي مصادفة, حتي اقتحم أدني صوت هادر صادر من تروسيكل يبدو أن محركه مضطرب, توقف التروسيكل أمامي مباشرة ونزل منه راكبه واتجه إلي الصندوق الإضافي الملحق به وسحب منه جراب طويل من قماش الخيام الثقيل, كان راكب التروسيكل هو رجل البريد ذاته, وضع فوهة الجراب, التي هي عبارة عن زاوية حديدية مربعة علي مقاس الصندوق تماما أسفل الصندوق, لمسته من البنطلون برفق, لكنه أبعدني بغلظة وأدار الزاوية في اتجاه معين, فانهال ما بالصندوق داخل الجراب, وضع الجراب بالتروسيكل وأحضر جرابا آخر, لكنني في هذه المرة وقفت أمامه بإصرار فقد كان في طريقه إلي الصندوق الأحمر الذي وضعت فيه خطابي بالخطأ, لفت نظره إصراري فسكن يسمعني, أخبرته بمشكلتي فضحك باستهانة وقال لي بهدوء: ولا يهمك فيه موظفين معينين من الحكومة مخصوص علشان يفرزوا الجوابات متخافش جوابك حيروح الكويت ومش حيضيع, أشرت له علي الصندوق الأحمر وأنا أقول: جوابي جوه الصندوق ده طلعهولي وحطه في الصندوق التاني, سحبني من يدي تجاه الصندوق ووضع الجراب أسفله وأداره كما فعل في الصندوق الأول ثم أخرجه وأراه لي, كان الجراب مغلقا تماما ولم أفهم قصده إلي أن قال: شوفت كده اتبرشم خالص وأنا نفسي ماأقدرش أطلع منه جواب واحد, ثم ألقي بالجراب الممتليء في صندوق التروسيكل بإهمال وهم بإدارة المحرك, لكني لاحقته بقولي: وهما ليه عاملين شنطتين مدام بيفرزوا الجوابات في المركز, ابتسم ابتسامة كبيرة وداعب شعري وهو يدير محركه ويكاد يقسم لي بأن خطابي لن يضيع.
ركبني الهم والغم لأيام وكنت أتلكك يوميا وأمر علي محل أبي عند عودتي من المدرسة, وأرقبه من بعيد, إن وجدته في حالته العادية أقلبت عليه وسألته إن كان يرغب في إرسال شيء إلي البيت, وإن وجدته متكدرا, أظل منتظرا عودته في ساعة الغداء ومتخوفا من أن تكون المصيبة قد حلت وعاد الخطاب إلي عنوان المرسل, الذي هو أبي.
لكن لم يعد الخطاب مطلقا إلينا, الذي عاد بعد شهر تقريبا هو خالي, هبط علينا ليلا بحقائبه وهداياه لأبي ولأمي وبحقيبة مدرسية وقميص وبنطلون لي, فرحت كثيرا وقاسمني غرفتي كما فعل لمدة قصيرة قبل سفره إلي الكويت, كنت أسأله عن موعد عودته إلي الكويت ولكن كان يجيبني بإجابات غامضة, الغريب في الأمر أن أبي وأمي لم يسألاه في وجودي عن الخطاب, وأنا لم أجرؤ علي سؤاله مطلقا, وحين كان غائبا مرة عن البيت وصل إلي سمعي بالصدفة أنه لن يعود إلي الكويت مرة ثانية, كان أبي يقول لأمي ضاحكا ومتشفيا: ماهو صحيح نحس يموت كفيله بعد أربع شهور من سفره, دا لسه ماكملش الست شهور إللي تحت الاختبار, ردت أمي بغيظ: الموت علينا حق يالطيف وبعدين هو رجع لوحده؟ مارجعوا معاه التلاتة إلي كانوا مسافرين وياه, ثم عقبت: إوعي تقل عقلك; يالطيف وتطلب الفلوس... لو كنت محتاج حاجة خد كرداني وتعباني والحلق.. مش عاوزه الواد يتقهر أكتر ويروح مني, جلجل صوت أبي ضاحكا وهو يقول: دهب إيه ياأم دهب.. بقولك إيه حضريلي القرشين اللي كنت باحوشهم وياكي عشان أشتري الأوضة إلي في البدروم وأعملها مخزن للمحل.. عشان ندبر له تذكرة طيران للعراق يمكن نصيبه في الشغل يكون هناك..( فترة صمت طويلة).. ثم هتفت أمي: بتتكلم جد يالطيف؟ تلون صوت الأب المتجهم, حتي بدا أقرب إلي هديل الحمام وهو يقول: وأنا رجعت في كلامي أبدا ياولية؟.. ثم انطفأ النور فجأة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق