الجمعة 10 من رمضان 1434 هــ 19 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46246

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

مناوشات الهزيع الأخير <2>

بقلم‏:‏ محمد إبراهيم طه
لم تطاوعني يدي لأضغط الجرس المجاور لمكتبي‏,‏ وأنا أبحث عن القلم فلا أجده‏,‏ فيما صوت السكرتيرة التي رتبت المكتب قبل قليل يأتيني من الصالة منتشيا مع صوت نانسي عجرم وهي تركب دراجة وتنطلق في جو ريفي مرح‏,‏ وكنت حريصا‏.‏ منذ رأيت نازك‏.‏

علي إدخالها إلي العمل بالتدريج, فلم يكن عليها في البداية إلا استقبال المرضي وتسجيل أسمائهم وإدخالهم حسب الدور إلي غرفة الكشف, وسألتها في البداية إذا كان العمل سيتعارض مع الدراسة, فقالت بحماس إنها ستوفق بينهما, فأشرت إلي مقعدها خلف الكاونتر فجلست ترقب بعينيها القادم من الباب وشاشة التليفزيون المفتوح أمامها.
كانت نازك أقرب إلي طفلة منها إلي آنسة, صغيرة في الحجم والملامح, ولاح لي أن أباها حين أعطيته موافقة, كان يكلمني عن واحدة أكبر منها, ولم يكن بإمكاني التراجع, حتي لو كانت ضحكاتها تنفلت من حين لآخر وهي تتابع التليفزيون, عالية أكثر مما يليق بمكان يرتاده مرضي ومتعبون, أو تسهو فيخرج صوتها بلا احتراز وهي تردد أغنية من دون أن تنتبه, لا يسكتها إلا فتح باب حجرتي للخروج إلي الحمام أو دخول وافد جديد إلي العيادة.
ورغم صغرها النسبي علي العمل في هذا المكان, إلا أنها بدت متحمسة, فرتبت في اليوم الأول المكتب والطاولة المجاورة لي, وفرشت أوراق الجرائد علي ترابيزة الغيار, وغسلت الغلاية وأكواب الشاي والصينية, ومسحت الغبار عن عدة التليفون والمروحة ومصباح المكتب قدر الإمكان, ووضعت بعض الأشياء في غير موضعها الذي اعتدته, فيما كنت أكتفي بضغط الجرس, لتدخل الحالة إلي حجرة الكشف, وتنظر لي بارتباك إذا كنت أريد شيئا آخر, فأومئ لها بالخروج, إذ يعوق وجودها في حجرة الكشف في الأيام الأولي أكثر مما يفيد, لكنني حين انتهيت من فحص المريض الأول, وبحثت عن دفتر الروشتات في مكانه لم أجده, فضربت الجرس.
خفت صوت الغناء حتي انقطع تماما وهي تضغط بيدها أكرة الباب, وبينما كانت عيناها تستفهمان عن سبب استدعائها, انطلقت منها صرخة هلع رهيبة, سرعان ما توقفت فجأة, وتجمد وجهها علي ذهول وصمت. نظرت إلي حيث تحدق, فرأيت ساقا مقطوعة من فوق الجورب والحذاء الأسود مستندة إلي الحائط كأنها قطعت للتو من جسم, وفيما توصل ثلاثتنا في نفس اللحظة إلي سبب الصرخة غير المكتملة, صمتت هي ووضعت يدها علي فمها, ونزل المريض عن السرير, وعثرت علي دفتر الروشتات في غير موضعه وبينما كان الرجل يلبس الساق ويثبتها في الجزء المتبقي من البتر أسفل الركبة بسير جلدي, ظلت هي خلف الكاونتر ساكتة, لم أسمع صوت ضحكاتها, فقط تدخل الحمام من حين لآخر, وكما توقعت, لم تحضر في اليوم التالي, واعتذر أبوها بأنها مريضة, وحضرت كما وعد في اليوم التالي, وظل ينتظرها في الخارج كل مساء, حتي لا تخرج عليها الكلاب الضالة المنتشرة في الطريق.
لا أذكر متي زالت ملامح الألم التي كانت تبدو علي وجهها عند تختين طفل, أو فتح خراج, أو تقطيب جرح, لكنها صارت في وقت قصير جادة وعملية ترد علي التليفون وتحجز المواعيد وتستقبل المرضي وتتعامل معهم, وتعطي الحقن وتعلق المحاليل, وتغير علي الجروح, وتفك الغرز, وتعرف الآلات التي احتاجها في شغلي, وكيفية غسلها وتعقيمها بعد الاستخدام, وتجهزها لشغل جديد, وحين أذكرها بالصرخة والساق الصناعية, تبتسم في خجل, كأنها لا تريد أن تتذكر, هي التي أصبحت دينامو العيادة فلم تعد تحدق في شاشة التليفزيون, أو تترنم بأغنية كما كانت تفعل في البداية, ومنعت أباها أو خطيبها من انتظارها في الانصراف كل ليلة, وحين تحدد موعد زفافها, دعتني لحضور الزفاف, وسألتني في استنكار هتيجي؟ قلت: طبعا فارتسمت علي وجهها ابتسامة كبيرة.
طوال الفرح وأنا أنظر إلي نازك في الكوشة, فأجدها ساهمة, وراسخة, علي شفتيها ابتسامة محسوبة, لم أعرف ما الذي تغير فيها, لكنها لم تعد صغيرة في الحجم والملامح, يدعوها قائد الفرقة إلي الرقص فتعتذر, وحين أجبرتها الفتيات قامت بخجل, وظلت مرتبكة في وسط دائرة من بنات ونسوة وأطفال يرقصن بحيوية وسعادة علي الموسيقي الصاخبة, ترنو بإلحاح إلي المقعدين الشاغرين, وتنقل نظراتها بيني وبين أبيها الذي كان ينظر نحوي في امتنان, فيما كنت أشعر داخلي بغصة.
في اليوم التالي لزواج نازك, كان ثمة ملاك صغير يقف بباب العيادة, في خجل, يطلب العمل مكانها, فسألتها ما إذا ما كانت صغيرة نسبيا علي العمل, فقالت إنها أصغر من نازك بسنتين فقط, فأومأت برأسي في غرفة الكشف كانت تصلني من خلف الكاونتر ضحكات صغيرة, وصافية, تنفلت مع فيلم لإسماعيل يس, وكان ترتيب الحجرة مختلفا عما ألفته مع نازك, وما أن إنتهيت فعليا من الكشف علي المريض الأول, لم أجد القلم في مكانه. بحثت عنه بلا جدوي, فيما كان الصوت بالخارج يترنم بأغنية من ألبوم نانسي عجرم, قبل أن تطاوعني يدي وتضغط الجرس.
(4) أنوار
كانت أنوار راقدة في السرير, بعد حالة من الهياج, بعينين نائمتين, تفتحهما بإرهاق وتحدق في جدران الغرفة بذهول كأنها تحاول التذكر, فلاتستطيع, بيضاء ذات شعر ناعم ومرتبك, وكان الطبيب الذي جاء مهرولا قد تساءل في الهاتف: هل وصل الأمر الي رفع سكين المطبخ في وجهك؟ قلت: نعم, فقال عشر دقائق وأكون عندك وبعد دقائق من وصوله, تحولت الي أنوار أخري, ربما قبل أن يغادر الغرفة أو يفك مساعده الحزام الجلدي عن قدميها, ويخرج الآخر العضاضة المطاطية من بين فكيها.
البنتان اللتان كانتا تبكيان في هلع خارج الحجرة لم تأخذا من أنوار شيئا علي الإطلاق, كأنهما كانتا تقصدان ذلك, حتي لبنها, منذ اليوم الأول رفضتاه, ونشأتا علي الببرونة وبيبيلاك1, فيما لم تراجع أنوار نفسها, أو تحاول معهما, وفضلت أن يرتد اللبن إلي جسمها, فيعود عليها بالزيادة والسمنة, حتي لون بشرتها الأبيض الناصع استغنتا عنه, كما استغنتا عن أشياء كثيرة, كالجلوس علي حجرها, أو النوم بجانبها, وفضلتا منذ الصغر أن تتوسد كل واحدة ذراعا من ذراعي المفرودتين, وتقومان مفزوعتين في بكاء مؤلم لو امتدت إلي إحداهما يدها ولو لتغير الحفاضة, لتؤازرها الأخري بالبكاء, مما يجعلها تنفتح هي الأخري في صراخ وسباب, تنامان من بعده وهما تنتفضان.
لا أذكر علي وجه التحديد متي انفصلتا عن أنوار, لكنني منذ فترة مبكرة كنت أحممهما, وألبسهما هدومهما وأمشط شعرهما, حتي اعتمدتا بعد فترة علي نفسيهما في تمشيط رأسيهما, وتغيير ملابسهما ووضع المتسخة في سلة الغسيل. أديت الدورين, كأب وأم في نفس الوقت بتلقائية, لكنني لاحظت مبكرا ارتباطهما بي, وميلهما الي أصدقائي وأهلي, حتي الأغنيات التي كانتا يسمعانها كانت نفس الأغاني التي أحبها, يخرجهما الأستاذ في الأذاعة المدرسية, فتلقيان كلمة الصباح, بصوت واحد, تتوقفان عند نفس الوقفات, وحين تنتهيان تنظران كل واحدة في اتجاه, فيصفق لهما الطابور والمدرسون بحماس, وكنت أؤدي الدورين بالتساوي, لكن البشرة الخمرية, ورشاقة الجسم, والشعر الأجعد, هو ما جعلهما تنتميان لي أكثر, تسيران في الشارع كفتاة واحدة الي جوار مرآة, نفس الملابس نفس الحذاء, ونفس الحقيبة, فضلا عن الملامح والعيون المتألقة التي تنظر بحيوية إلي الآخرين, وتتفاعل معهم, وخفة الظل التي جعلتهما في كفتي ميزان متقابلتين, حتي في الوزن, في غيابي تنامان متحاضنتين, وفي وجودي, واحدة عن يميني والأخري عن يساري, تناديني إحداهما, فتنطق الأخري بالنداء في نفس اللحظة, حتي اضطراب نبضات قلبيهما, لم أتصور أن يكون متماثلا الي هذه الدرجة, وظن الدكتور بنداري طبيب العناية المركزة أنني أبالغ, حتي انتابتهما النوبة في وجوده, ورأي رسم القلب الخاص بكل منهما, فقال: ظلمتك.
قبل ثمانية أعوام خيرني الطبيب الذي خرج منذ قليل من حجرة أنوار بين أن أطلقها, فأصير أبا وأما لطفلتين في نفس الوقت, أو أعتبر نفسي غير متزوج, وأحتفظ بها كمجسم لأم أمامهما, وزوجة لطبيب نساء في بلدة صغيرة يفضل أهلها ألا يكون عزبا أو مطلقا. اخترت الحل الثاني, فعاجلني: في كلا الاختيارين لابد أن تقوم بدور الأب والأم معا, وفرد كفيه مسلما: بلادة عاطفية, وتحجر في المشاعر, ليست موجهة اليك فقط كزوج, ولا تجاه طفلتين من المفترض أن يتوافر لهما الحد الأدني الغريزي من مشاعر الأمومة, بل تجاه العالم الخارجي, وتساءل:
كيف تكون طبيبا ولم تنتبه إلي ذلك؟
شعرت بغصة ولم أرد, فسألني عن عملها, قلت: مهندسة. ناجحة؟ قلت: يسندون اليها القيام بأعمال إدارية, وبمرور الوقت لم يعد مطلوبا منها أي شيء, قال: وصديقاتها وزميلاتها؟, قلت: تقلصن لدرجة الندرة. وهل تتواصل معهن؟ هززت رأسي بالنفي, فخبط المكتب بيده وقال في لوم: وماذا كنت تنتظر يا دكتور؟.
تبلد عاطفي. واحد من أعراض عديدة لمرض كبير نصحني ألا أذكر أسمه حي لا أسيء الي البنتين, لكنه تجلي عندها في هذا الجانب, وشدد علي أن تناول الأقراص, لا لتتحسن, بل لئلا تتفاقم, قلت: أريد ألا يعرف أحد بذلك, فقال: الأمر يرجع إليك واستبدل بالنقاط الأقراص.
أقف في ركن الغرفة الآن, تغمرني تعاسة مؤلمة, لأنني وحدي الذي كنت أدرك أن فساد علاقتي بأنوار كان مرشحا للظهور منذ أول لحظة, لولا أمل ظل يراودني في أن تتغير, وقطرات من الدواء ظللت أضعها بحذر كل يوم في العصير أو الشراب دون أن تدري, وأتابعها حتي تنتهي منه ولا تتركه للبنتين علي سبيل الخطأ, وبلدة لم تعد قرية ولم تصبح مدينة, تنظر مسبقا بمثالية إلي علاقة زوجية طرفاها طبيب ومهندسة.
يغمرني الآن شعور مؤلم بالتعاسة, وأنا أرتب حجرة أنوار وأخليها من كل ما يثير الريبة, قبل أن أخرج إلي التوءمين, فترتميان في حضني بلهفة وهما تتفقدان وجهي وجسمي, وثيابي التي مزقها الهياج وسكين المطبخ, بينما أحدق في عيونهما ولا أجرؤ علي إخبارهما بأن كل شيء كان مهيئا. ربما قبل عشر سنوات. لأن تسير الأمور في هذا الاتجاه, فالعلاقة بأنوار كانت تحمل هذه البذور من الداخل, منذ بنيت هذا البيت ولم تشارك في رسمه أو تنفيذه, فيما كنت أعتبره كسلا أو تهربا من المسئولية علي أكثر تقدير, حتي خطاب القوي العاملة أسهم في ألا تنكشف الأمور في وقت مبكر, حين جاءها التوظيف في مجلس المدينة, وحملت في سالي وسوسن التوءمين, ثم إجازة عامين لرعايتهما, بعدها اسندوا اليها أعمالا إدارية وكتابية, حتي هذه لم تفلح فيها, فلم يسندوا اليها شيئا, فقط الحضور والجلوس علي مكتب حتي الانصراف, بينما كنت أحاول تعويض الغياب الفادح لغريزة الأموة حتي لا تفسد علاقتها بالتوءمين, باحتضانهما والمبالغة في تدليلهما, والصفح عن تجاوزات ارتكبتاها حتي لا أضيف إلي مشاكلهما مشكلة أخري, بينما أنوار راقدة في السرير, أو تشاهد التليفزيون لساعات طويلة, وأنا لا أجرؤ حتي في لحظات الغضب علي نطق التشخيص.
حين دخلت البنتان الحجرة, اندهشتا, ومالت كل واحدة منهما علي وجه أنوار, تسويان خصلات شعرها, ويقبلان وجهها الناعم والأبيض, بينما كنت أقف خارج الحجرة, في حالة تسليم تام, كخراج فتح للتو من تلقاء نفسه, ولأول مرة أراني غير مكترث بإعادة الصديد الي الجرح مرة أخري, ولا ببلدة صغيرة تجمعت إثر مشادة عائلية, خارج بيت جميل وهاديء من طابقين ظلت تنظر اليه بمثالية, تقف أمامه سيارة المصحة التي نزل منها طبيب ومساعداه, وغير مكترث أيضا وهم ينظرون الي أنوار التي ستخرج بعد قليل لتركب, بعينين ذاهلتين شبه منومة ومن دون مقاومة تذكر, سيارة تماما كما تركب كل يوم سيارة العمل, غير أن هويتها مكتوبة علي الجانبين, وعلي الباب الخلفي.
انتهت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق