الجمعة 19 من شعبان 1434 هــ 28 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46225

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

المطيباتي

بقلم‏:‏ محمد جبريل
أطال الناس تأمل كلمات قصائدك‏,‏ بدت مستغلة‏,‏ راجعوك في المعني‏.‏ تشككوا في المقصد‏.‏ قلت إن التباس الناس فيه‏,‏ لاغلاق قصائده عن ذوي المعرفة المحدودة‏,‏ والايمان غير المتبصر‏.‏

قربي منك, استغراقي في قصائدك, يسر لي معرفة ما قد لا يفطن إليه أحد, هذا رأي الاخرين في كلماتك, نياتهم في صوتك, التغني بالصداقة والجيرة تضمر الحقد والرغبة في الاستيلاء.

الظلال تلف حتي الشيخ الذي خصك بحمايته, استبدل بها العداء لمن أخلصوا لقضية الانشاد, لا أحد يعرف أصله ولا فصله, وأفراد طريقته من خارج بحري.
لماذا آثرك شيخ الطريقة الميدانية بحمايته, ومن حوله منشدون بلا قيمة؟
رويت حكاية عن الدور الذي تؤديه في خدمة الطريقة الميدانية. ليست من الطرق التي نعرفها, أدوار شيوخها مشبوهة كما الزوزني في حياة الحاكم بأمر الله.
أجدت الانشاد الصوفي والابتهالات والتواشيح والمدائح النبوية.
تبدأ بالتهليل والتكبير والصلاة علي النبي. لا تؤدي في إنشادك إلا كلام الصوفية: المقطعات والقصائد والرقائق وغيرها. ترفض أداء الكلمات الداعية إلي اللهو والمخالفة وإهمال الحدود, تثير الشجن في نفوس الحضور, تحرك العواطف, تستغرق المشاعر. تعلو بهم في عالم الروح والصفاء, يتعالي التهليل والتكبير والتسابيح والأدعية.
إذا أعدت حكاية, فأنت تحورها, تبدل أحداثها, تضيف إليها, وتنقص منها, تنتهي ـ بتعدد الروايات ـ إلي غير الحدث الذي مثل البداية. لا تكتفي برواية ما جري, بل تضيف من الوقائع المؤلفة ما يحرك أخيلة الحضور, يستوقفهم جزء مما ترويه, تعلو الاسئلة والملاحظات والآراء المؤيدة والرافضة, والروايات المكذوبة, ربما طلب البعض إعادة الموقف بوقائع غير التي رويت بها, تقاطعه آراء تجد فيما قيل الكفاية. حتي الاوراد والاذكار والادعية التي يتوارثها المنشدون, تنشئ عليها, تبدل وتحور وتحذف, وتضيف, لا تتقيد الموروث ولا بالوارد, إنما تنشد ما تميله اللحظة, ما تفرضه الواقعة أو الرأي.
اللحن واضح يسهل ترديده. وإن ظلت الكلمات خافتة, أو مدمغة يصعب فهمها. يقتصر أداؤك علي مقام الراست, مقام انفعالي, لا يجتذب محبي الانشاد الجميل.
تؤدي جميع المقامات دون عناء. يعلو الصوت وتتعدد مقاماته, يمتد وقت الاداء فيزداد الصوت جمالا وعذوبة, لا يصيبه وهنا ولا تعب.. أذهلني أن يحترقالمنشد عمله, يقدمه سلعة, يصدرعن حنجرته وطرف لسانه, لا يعبر عن يقين.
لم يعد إنشادك يقتصر علي المقامات التي يرددها كل المنشدين, تخترع وتفتش في قراراتك عما يستقر معناه في النفس ويبقي, لا تؤدي بقدر توصيل اللحن والكلمات, ومدي التأثير الوقتي علي الحضور.
راع الرجل ما قلته في إنشاد عن أولياء الله. سحب الميكروفون, وقال في لهجة غاضبة:
ـ ليست الولاية بالكلمات الجميلة, بل بالافعال الجميلة.
لم أتابع بداياتك منذ عملت مؤذنا في مسجد تربانة. حدث الناس أنفسهم بأن الصوت الذي أعقب رفع الاذان, هو لسيدي أبو العباس, ميزوا قوله في هذا السحر: حرام أن يبتعد هذا الصوت عن الانشاد!
قيل عن صوتك مالم أكن أعرفه, ولا أفهمه, أنه صوت صادح, في مساحة ديوانين. تحسن علوم التجويد: المد والتفخيم والترقيق. قيل إن الاذان في مساجد بحري كان يخفت في تعالي الاذان ـ عبر الميكرفون ـ من أبو العباس, لكن أداءك كان يصل إلي المنطقة المحيطة بمسجد تربانة, يميزونه بالصوت القوي, والنبرات الواضحة, والمعاني المثيرة للتأمل, والالحان المتصاعدة في أجواء علوية. ترفض مصاحبة الالات, أو التقيد بإيقاع محدد. ربما اقتصر ضبط الايقاع علي آلة موسيقية واحدة, أو طبلة صغيرة.
ترددت علي الموالد التي أنشدت فيها بما بلغني من تتلمذ الكثير من مشايخ الانشاد علي طريقتك, يجلسون اليك, يطلبون الخبرة, وما ينبغي أن يقال, وكيف يقال.
حين عاودت عرض نفسي عليك, نصحتني أن أكتفي بدور المطيباتي, أقف وسط الناس, أو في مسافة قريبة. يعلو صوتي بعبارات الاعجاب والاستحسان وطلبات الاعادة. تعطيني راتبا بسيطا, وتدبر احتياجي من مأكل ومشرب
غابت عني شروط المنشد كما وضعتها أنت: المساحة الصوتية الواسعة, حلاوة الصوت, النطق الصحيح للحروف, تجويد القرآن الكريم, الإلمام بقواعد الموسيقي, إتقان الترتيل والتسبيح والتهليل والنغم, وما تيسر من القراءات العشر.
حرصت علي ما طلبته أنت تماما. الانشاد فن له أصوله وضوابطه وأشكاله وقوالبه وإيقاعاته والاصوات التي تؤديه, انفقت من وقتي لدراسة تعريفات الوجد والسماع.
صحبتك في المساجد, تؤدي ابتهالات شهر رمضان,تكبيرات العيدين, وتواشيح ما قبل خطبة الجمعة. أجلس في نهاية السرادقات, خارج المساجد, أطمئن إلي وضع السماعات والميكروفونين أول السرادق ونهايته, أتأكد من وضوح الصوت: واحد, اتنين, تلاتة, أربعة.. حتي الرقم عشرة.
تنقلت ـ أتبعك ـ بين الحضرات, والمولد النبوي, وموالد الأولياء, والسرادقات, والخيام, أنصت إلي إنشادك في المناسبات, وفي حلقة الذكر, تقتصر كلماتك علي العشق الإلهي ومدح الرسول, تنشد لابن الرومي والفرزدق وابن الفارض وابن عربي وابن سبعين, يرافقها إيقاع الربابة والناي والأرغول والدف والطبلة والرق, ربما اعتمدت في إنشادك علي التخت والعود والقانون والكمان, تقرأ أوراد الشاذلية والخلوتية. اقتصر معظم إنشادك وقراءاتك علي مواضع بعيدة عن الساحات ومقامات الأولياء وسرادقات المتصوفة, حضورها من غير أبناء بحري, وربما من غير أبناء الإسكندرية كلها. أهم المناسبات: رأس السنة الهجرية, ليلة المولد النبوي الشريف, ليلة أول رجب, ليلة الإسراء والمعراج, ليلة أول شعبان, ليلة النصف من شعبان, ليلة رؤية رمضان, عيد الفطر, عيد الأضحي, بالإضافة إلي الموالد, والحضرات, والزواج, وحفلات الطهور, والسبوع, والعودة من الحج, ووفاء النذر, وتحقق كرامة الولي, وليالي رمضان التي تأخذ الشهر كله. حملة السيوف والعصي, والإبر المغروسة في الوجنات والآذان والشفاه والأنوف, وأكل الزجاج, وابتلاع النار, وقذف الشفاه شرائط قماشية ملونة, واللعب بالحيات والثعابين.
أرافقك حتي عندما تنشد في موالد الأقطاب وكبار الأولياء, تنشد في المدائح النبوية وآل البيت وفضائلهم, تجاوز إلي الموال والابتهالات والأدعية والتسابيح. أعاني اختراق الزحام إلي خلفية السرادق, تدافع الناس للوقوف في مكان قريب من منصة الإنشاد. أكتفي بالسماع والإعجاب, بيني وبين نفسي, يضيع ما كنت أقوله بين هتاف مريدي الولي ومحبيه.
يردد البطانة لازمة الموال الذي تبدأ به الإنشاد, كلمات قصيرة, سهلة المعني. لم أناقش قصر انتسابي عني دور المطيباتي, أظهر الإعجاب, وأطلب الإعادة. دور البطانة يقتصر علي تكرار المذهب, اللازمة, أو الوقفات, اختار الكلمات والعبارات, أرفع الصوت بالتنغيم أو أخفضه, أضيف إلي جو الإنشاد. يتخلل الخدر أرواح الناس, يحلقون في أجواء علوية. تأخذهم حالات الوجد والشوق والتوق والجذب والسكر. رافقتك إلي موالد سيد الشهداء, وأم المعاطي, والحارث, والطواب, وحشيش, وابن تميم, وأبو مسلم, وعواد, وشبل, وحسنين, والمرصفي, والعارف, والفرغل, وأبي الحجاج. والبيارق والإعلام والذكر والمدائح النبوية والابتهالات والتسابيح والإنشاد والأراجوز وصندوق الدنيا وعروض الملاهي والألعاب السحرية, باعة الفريسكا والعسلية والسمسمية والمشبك وحب العزيز والحمص وحلوي الشعر وسكر النبات والأرز باللبن.
حتي مولد الشاذلي رددت كلمات الإنشاد في وقفتي خلف السرادق. لا أمل ولا أتبرم, ولا أنسي طلباتك واحتياجاتك, وألزم الوفاء لك دوما.
لك هيبة, صنعها الجسد الطويل, الممتليء والعينان المكحولتان والذقن البيضاء التي أحاطت بالعنق.
أضفت إلي عملي إفساح الطريق للصييت. أسبقك بخطوات, أخترق صفوف الواقفين خارج السرادق, لا أنصرف حتي تستقر فوق الكرسي المذهب, في نهاية السرادق. أنفذ من انفراجة إلي المساحة الطولية المتبقية من الشارع, وقفتي لترديد عبارات الإعجاب بإنشادك تتغير في كل وقفة.
أجيد حفظ ما تعد لإنشاده. أعرف متي يعلو صوتي بالإعجاب, وما ينبغي أن أقول. قصص الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم ويونس ويوسف وموسي وعيسي, لمحمد وقفته التي ربما استغرفت الليلة كلها. تتضمنها الأناشيد والتواشيح وفن القول والابتهالات والأغنيات والمواويل وفن الواو والمربعات وقصائد المتصوفة. حكايات الأميرة ذات الهمة, عنترة بن شداد, تغريبة بني هلال, السيرة الظاهرية, السيد البدوي وفاطمة بنت بري..
أذكر أني سألتك:
ـ لماذا تقل قصائد ابن الرومي في إنشادك؟
قلت:
ـ أفضل ابن الفارض.. شعره أجمل!
أتي إليك الناس من مناطق بعيدة, للاستمتاع بجمال الصوت, وطريقة الإنشاد. أحب الناس أداءك في قصائد ابن الفارض, في التائية والميمية وغيرهما. تعني في إنشادك بفنون البديع من تورية وجناس وطباق, تتفاعل مع الكلمات والألحان بما يجتذب تفاعل الحضور. تأخذهم إجادتك استخدام الإيقاع, يتمايلون مع الإنشاد, وتلوين الصوت, وتنغيمه, وتفخيمه, وترقيقه, وقدرتك علي التطريب. يستبدلون التصفيق بالأيدي, وتنغيم الأصوات الإيقاع الموسيقي. الموسيقي العادية نستمع إليها بآذاننا, أما موسيقي الصوفية فإنها تخاطب الروح, تسمو بها, وتعلو, تنقلها إلي آفاق علوية.
يضج الناس بالوجد, يهملون نذور الفول النابت والشاي والقهوة والقرفة والينسون والزنجبيل, يفقدون القدرة علي التحكم في انفعالاتهم, تطرب الآذان, تتمايل الأعناق, تصفق الأيدي, تسري النشوة في النفوس. ربما طوح أحدهم بعمامته, أو خبط رأسه في جدار, حتي القصائد الغامضة, كان الناس يعون معانيها ومراميها, ويكررونها في مجالسهم, مشفوعة بتخريجات تقدر الدين, تعطيه حقه, وإن لم يكن المعني هو ما يقصده المنشد. وجد الناس في إنشادك ما يرقي بنفوسهم إلي عالم الروح, يتقربون إلي الله بالسماع والغناء.
ما يردده المنشدون واحد, الكلمات هي هي, أو تشبهها, الألحان لا تتغير, طريقة الأداء كأنها النسخة المنقولة.
تلجأ إلي كل ما يجتذب الإنصات: الحكاية ذات المعني والتأثير, الموال, المربع, تبديل المقامات, لم يعد يقتصر علي قصائد الإنشاد الديني, صارت أغنيات محمد الكحلاوي وعباس البليدي ومحمد طه ــ بالتحوير وتغيير الإيقاع ــ إنشادا لا يختلف عما اعتادت الآذان سماعه, والإنجذاب إليه: الحب والصبر والفناء والبقاء والأصل والكرامات والمكاشفات والخوارق والمعجزات.
ما تكاد تنشد مصراع البيت, حتي يستعيده الحضور, يأخذهم الوجد والحال, يدفعونك إلي تكراره مرة ثانية, وثالثة, قبل أن تنشد المصراع التالي.
يتواجد الصوفية ــ والناس العاديون ــ ويشطحون, علي معاني الإنشاد وموسيقاه, يتمايلون بالنشوة والطرب, يستعيدون الكلمات والألحان.
إنشادك هو أنت في كلماته وألحانه وأدائه, تحاكي, ولا تقلد, تدرك فنون التجويد وأحكامه, وأسرار مقامات الموسيقي العربية. تحرص علي التعبير عن الأشواق والأحوال والمواجيد. ترافقك إيقاعات الدف والمزهر والطبلة الدهلة والرق المطعم بصاجات.
لاحظت في قصائدك الأخيرة ما أدخلته فيها من تبديل وإضافة وحذف برقت عيناك بفهم ما أقصده:
ــ أن ننطق كلمة شيطان, فذلك معناه أننا نؤمن بوجوده.
وحولت نظرك بعيدا:
ــ نحن نستعيذ بالله دوما, فنصد الشيطان عن حياتنا!
عانيت ارتباكا في ترديد كلمات إنشادك, ما تحمله يدعو إلي التأمل, غابت المعاني التي اعتدت لحاقها بعبارات الإعجاب, لا أفهمها, أو أستغرب معانيها.
كيف أثني علي ما أقتنع به, علي ما لا يبلغ حد المحرمات مجاهدة الشيطان شاغل الصوفية, يتجه إليهم الإنشاد, يعبر عما يشغلهم: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين, أقرأ السور والآيات في معظم صلواتي.
سألتك: لماذا لم تعد ــ في إنشادك ــ تشتم الشيطان, عدا جمال الصوت, فقد ميز الناس اختلافك عن بقية المنشدين بشتم الشيطان في سياق الإنشاد, ما يتوقعونه يأتي في لحظة تحسن اختيارها, ترتفع الأصوات بطلب الإعادة, وترديد الكلمات منغمة.
نطق الغضب في ملامحك:
ــ من ذهب إلي أن الشيطان موجود أولي به أن يهمل إنشادي!
قهرني الخذلان حين اتجهت إلي الناس الذين ضاق بهم الميدان, تشير بمعني:ارفعوا الأصوات, علا صوتك بالإنشاد, بلغ صداه ما بعد الميدان, تعالي الإيقاع, وانتظم و امترجت الأصوات في لحن واحد. غلب الوجد, غرق الناس في نورانية اللحظات, كأنهم نسوا الدنيا, وما فيها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق