الثلاثاء 2 من شعبان 1434 هــ 11 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46208

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

ساق البامبو‏..‏
أو أزمة الجذر المنبت

بهاء جاهين
عن ساق نبات البامبو‏,‏ الذي يضرب جذره المنعدم في الماء المائع‏,‏ فقط ينمو لأسفل وأعلي بين الماء والهواء‏.‏ اسمه أيضا الغاب‏,‏ وقد يصير شجيا إن ثقبته يد خبيرة فصار نايا عربيا مبينا‏.‏

ونايا قد صار, في يد كاتب كويتي شاب اسمه سعود السنعوسي, الذي نال عن روايته ساق البامبو جائزة البوكر العربية. وفيها يتحدث عن أزمة الجذر المنبت, والغربة المزدوجة, في أرض الأم الحنون, التي أعدت ولدها ليكون كويتيا طبقا لوثيقة الزواج وشهادة الميلاد, حيث خرج من رحمها- هي الفلبينية- في الكويت, من شاب رقيق مستنير كان أضعف من أن يصمد في وجه أسرته, التي رفضت زواجه- ومولوده- من خادمتهم الفلبينية.
تلك أزمة الرواية المبدئية, ونتيجة لها تسافر جوزافين أم عيسي راشد الطاروف( الذي يصير اسمه في الفلبين هوزيه الذي هو عيسي بالعربية وjesus بالانجليزية)- تسافر إلي الفلبين كحل مؤقت للأزمة, ولكن تصلها ورقة الطلاق لتعلن أن الأزمة غير قابلة للحل إلا بالاستسلام لطغيان الأم والدة راشد والمجتمع الكويتي الطبقي الصغير الذي يعرف كل شئ ولا تغيب عنه شاردة ولا واردة, لكن راشد يعد بأنه في الوقت المناسب سيستدعي ولده عيسي ليعيش معه.
وتسهب جوزافين في وصف الجنة عند رأس الخليج, وتخطئ في تحضير ولدها ليكون كويتيا كمصير غير قابل للنقاش ولا لأي بديل, ظنا منها أنها بهذا تضحي من أجله وتحرم نفسها منه لكي توفر له النعيم الاستهلاكي والكرامة معا, خاصة أن بيئتها- الفلببين- طاردة وتعاني من فقر مزمن يدفع بعض فتياتها للاختيار بين مرين: الخدمة في البيوت أو الرق الأبيض. وقد اختارت جوزافين الذل الأهون فعملت خادمة في بيئة راقية, وأنجبت ولدا يحمل صك الانتماء لها, فهو كويتي في الأوراق الرسمية, عن أب كويتي أنجبه من زواج شرعي.
ولكن الأمر ليس بهذه البساطة في الواقع. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية, بل وتبدأ الرواية في رأيي, فالكاتب دخل في الموضوع حين وصل بطله هوزيه/عيسي إلي أرض أبيه: الكويت, وتعرض هناك إلي مذلة الرفض والاحتقار, ومعاملة أسرة أبيه له علي أنه كائن حدي يتراوح طول الوقت بين السيد والخادم, الابن والغريب, الكويتي والأجنبي. وضاعف من غربته وانعزاله أنه لا يفهم العربية وإن كنت أتعجب أيها الكاتب المبدع بحق كيف أن بطلك المتلهف بشدة علي أن ينال الرضا والقبول ويذوب في المجموع ويحظي بكرامة الانتماء لعائلته ووطنه اللذين يطردانه, كيف لم يفكر لحظة في تعلم اللغة العربية؟.
ولكن هذا التساؤل ناتج في اعتقادي عن مشكلة يمكن تناسيها لأنها لا تدخل في بنية الرواية. أما الذي أعتبره مشكلة حقيقية فهو أن الكاتب أسهب في المقدمات التي تحكي حياة هوزيه أو عيسي قبل أن يسافر من الفلبين إلي الكويت فتبدأ الأزمة الأم, والبداية الحقيقية. فقد استغرقت المقدمات ثلاثة أقسام( حوالي200 صفحة) من خمسة هي مجموع أقسام الرواية, وكان الأفضل من وجهة نظري, ألا يمر كل هذا الوقت قبل أن تبدأ المتعة الحقيقية ويهيمن الروائي علي قارئه تماما في القسمين الأخيرين.
وبعد, إني أحرضك أيها القارئ-. سادرا في غيي وتحريضي- علي قراءة هذه الرواية, التي تعكس موقفا إنسانيا متعاطفا مع الآخر, دون محاضرات أخلاقية, أو مصطلحات وشعارات أو أفكار مجردة, بل من خلال بشر أحياء, خاصة في النصف الثاني من العمل, حين انتقل الحدث إلي الكويت, فصار للشخصيات التي يرسمها الكاتب حضور حي يتفوق علي شخصيات الفلبين التي عنصر تحضيرها الأساسي هو الخيال. وأفلح الكاتب في أن يترجم تعاطفه الإنساني مع الشخصية الرئيسية المعذبة عيسي/هوزيه إلي تعاطف من القارئ مع الشخصية.. وهذا مقياس نجاح الروائي.
وإن كنت من أصحاب الميل إلي التأمل الفلسفي, ربما لمست يا عزيزي القارئ عمقا آخر لذلك الغريب المنقسم إلي جنسيتين واحدة تدفعه والأخري تلفظه, ليكون موضوع العمل التمزق الإنساني بشكل أعم, وغربة الإنسان بينه وبين نفسه, قبل أن تكون غربة اجتماعية, غربته وتمزقه بين ريح الشرق وريح الغرب, بين الشمال والجنوب. إن كل إنسان منقسم يتعاطف بشدة مع هوزيه/عيسي, وما من إنسان عربي في عصر الحضارة الغربية إلا وهو منقسم ولو بعض الشئ, ما عدا أصحاب اليقين المطلق, وهم نادرا ما يقرأون الأدب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق