الجمعة 21 من رجب 1434 هــ 31 مايو 2013 السنة 137 العدد 46197

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

أوراق اللب

بقلم: عبد الرحمن فهمي
كانت قاعة محكمة عابدين تموج بالبشر من كل نوع.. البعض يهوي سماع مصائب الناس.. والبعض ليس له عمل، فهو كالذباب، يرتاد أي مكان.. والبعض له علاقة ببعض المتهمين أو الحراس أو الموظفين.. ووسط هؤلاء جلس المحامي الشاب »صفوت عبد العظيم« وامامه شنطة منتفخة ليس فيها قضية واحدة، بل عشرة دوسيهات مليئة باوراق الكراريس القديمة، التى أخذها من بائعي اللب والفول السوداني.. وعندما نودي علي قضية سرقة «شركة بيع المصنوعات» تقدمت فتاة جميلة صغيرة لم تتجاوز التاسع عشر ربيعا، وسط دهشة كل الموجودين.. حتي القاضي مال إلي الأمام وسألها باشفاق :

ـ أنت المتهمة !!
قالت بانكسار وحمرة الخجل في وجنتيها : «نعم»
القاضي : «هل أنت آمال محمود عثمان»..
ـ نعم....
ـ خل أخذت ادوات الزينة وشرابات حريمي دون أن تدفعي الثمن ؟
ـ انهم يتهمونني بذلك.. وهذا غير صحيح...
طلب القاضي من الحاجب أن ينادي علي الشاهد الوحيد في القضية وهو السيد «حسن العجوز» مدير عام المحل.. فأقسم اليمين.. وأخذ يسرد الوقائع.. «لقد لفتت هذه الفتاة  نظري وهي تأخذ من أدوات الزينة ( الميكياج) وتضعها في جيوب البالطو الواسع الذي كانت ترتديه، فأثرت أن أتبعها، فوجدتها تأخذ عشرة شرابات حريمي وتضعها في الجيب الثاني.. ثم ..
وكان القاضي يتنقل بعينيه بين وجه الفتاة الجميل البريء وبين فم الشاهد الذي كان كفوهه المدفع المليء بقذائف الاتهام.. كان الجو العام في القاعة في جانب الفتاة الضعيفة.. وفجأة قاطع القاضي الشاهد قائلا :
ـ لحظة واحدة من فضلك.. من محامي المتهمة ؟؟
ران صمت غير متوقع علي القاعة.. وتلفت صفوت عبد العظيم حوله فلم يجد أحدا ينهض لهذه المهمة.. فأراد له قدره أن ينتفض وقفا ويقول : «أنا يا سيدي القاضي.. صفوت عبد العظيم المحامي.. أثرت أن أقبع بعيدا لكي استمع للشاهد بكل تركيز لأدون ملاحظاتي إلى أن استجوبه :
ـ حسنا... حسنا.. تفضل..
وتلفت القاضي فجأة فوجد علامات الدهشة والتعجب علي  وجه الفتاة فاعاد القاضي السؤال علي المتهمة «أليس هذا محاميك».
فبادر صفوت القاضي قائلا منقذا نفسه من هذا المأزق
ـ سيدي انها لا تعلم.. والدتها إتفقت معي أول أمس لكي أقوم بالدفاع عن ابنتها.. وهي لا تعلم..
وعاد الشاهد يدلي بشهادته التفصيلية.. بينما دار الحوار الهامس بين المتهمة والمحامي :
المتهمة : «من الذي دفع لك الاتعاب ؟»
المحامي : والدتك سيدة فاضلة.. سيدة فاضلة بحق..
المتهمة : لقد توفيت منذ سنوات !!!
ابتلع المحامي المفاجأة بأعصاب غريبة وقال : نعم أعلم ذلك ومن أجل هذا حضرت.
المتهمة : كيف ولماذا ؟؟
المحامي : لانك يتيمة ولابد أن أقف بجانبك
المتهمة : ولكن والدي حي يرزق.. أنا لست يتيمة
المحامي : نعم نعم .. اعلم ذلك ولكنك في حكم اليتيمة.. والدتك متوفية وأبوك لا يعيرك أي اهتمام.. انت يتيمة فعلا..
وضرب القاضي بقبضته علي المنضدة.. قائلا :
ـ هل يريد المحامي استجواب الشاهد ؟
فقال المحامي صفوت بلهجة الواثق المتهكم المتحفز :
ـ أنا منتظر هذه اللحظة منذ امس سيدي القاضي.. ( ويبلع المحامي ريقه ويلبس نظارة بلا زجاج في منظر يلفت النظر متعمدا لكي يصرف نظر القاضي والشاهد عن حقيقة ما يقول ) ثم يستطرد المحامي ؟ وهو يلوح بملف كبير في يده قائلا :
ـ سيدي القاضي.. هذا ملف هذا المتهم !!!.. أنتم تسمونه شاهدا وأنا أسميه متهما.. وسترون ..
ويخيم السكون علي القاعة.. وتكتم المتهمة ضحكات متلاحقة في حلقها أنها لم تر هذا المحامي من قبل، ثم امها ماتت منذ سنوات، وأبوها بعيد عنها تماما.. ماذا يجري في هذه القاعة ؟؟...
وصفوت عبد العظيم المحامي الشاب الذي تجاوز الثلاثين منذ عام أو ثلاثة، كان سييء الحظ في امتحان الثانوية العامة، فلم يكن مجموعة يؤهله لأكثر من كلية الحقوق جامعة اسيوط !!ثم انتقل الي جامعة القاهرة بعد سنوات من الرسوب والنجاح بالعافية.. وعندما تخرج في الملحق بعد سبع سنوات لم يكن أمامه إلا أن يعمل محاميا، ولكنه كان محاميا من نوع فريد.. كان محاميا بلا موكلين!!!... لم يطرق بابه أحد قط، سواء كان له قضية أو حتي شكوي أو مجرد مشكلة... ولكن صفوت لم يضع هذه السنوات العجاف في خمول.. بل طرق كل ابواب الحظ... رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب في اسيوط باعتباره كان زعيما لطلبة كلية الحقوق هناك. وكان يقف فى سرادق ما ليعلن أنه مرشح الحكومة، ويقف في سرادق آخر ليهاجم سياسة الحكومة ثم سقط بكل المقاييس.. ولكنه لم ييأس وجد كل الناس تلتف حول جهاز التليفزيون مساء كل يوم فقرر أن يطرق بابه.. كيف ؟؟.. بحث في كرار منزل والده فوجد كتبا قديم، في احدها مسرحية لكاتب مغمور. فنقل المسرحية علي الآلة الكاتبة، وقدمها لقطاع الانتاج بالتليفزيون باعتبارها من تأليفه، فتم وضعها في الدرج !!.. فلم ييأس..  وجد الكل مشغول بكرة القدم ومبارياتها فذهب الي رئيس أحد الأندية ليعرض عليه أن يتولي مسئولية الفريق باعتباره مديرا للكرة. لأنه كان لاعبا مرموقا، ولكن رئيس النادي لم يسمع عنه من قبل، فطلب منه أن يكتب تاريخ حياته الكروي ليعرض الطلب علي مجلس الإدارة.. فكتب صفوت تاريخا لا يملكه محمد لطيف أو محمود الخطيب.. فظهر كذبه.. وتقرر رفض طلبه !!..  حاول الزواج من ممثلة مشهورة..  رغم فارق العمر بينهما ـ فكان كالفراشة التي احترقت عندما اقتربت من الأضواء.. فقد أخذ علقة في احد الاستديوهات لن ينساها في حياته.
مر شريط حياته سريعا في ذاكرته.. وهو يقف أمام المنصة ليستعد للترافع في قضية لا يعلم عنها أي شيء .. يترافع بلا توكيل، وبلا نقود، ولأول مرة بلا ابتغاء الشهرة .  فالمتهمة مغمورة والقضية لم تفكر صحيفة أو مجلة نشر أي شيء عنها، لأنها أقل من العادية.. بدأ يترافع وهو الذي لم يقرأ أوراق القضية، ولا أية أوراق أخري في حياته التعيسة..
مر شريط حياته علي ذاكرته، وهو يفتح الشنطة، ليسحب دوسيها مكتظا مليئا بأوراق كراريس التلاميذ، ومليء بحبر المدرسين الأحمر !!!... المهم أن الاهتمام كان باديا عليه للغاية.. وينظر من خلال نظارته الخالية من العدسات ـ ينظر إلي الشاهد ويتوعده وهو «يسحب ورقة ما، قائلا في صوت خفيض :
ـ أنت المتهم الحقيقي..
والشاهد متعجب.. وبعد حرب أعصاب سريعة بدأ المحامي يستجوب الشاهد بطريقة الواثق من نفسه.. فقال :
ـ أنت أسمك حسن العجوز أليس كذلك ؟
ـ نعم  هل العجوز اسمك الحقيقي أم أنها صفة التصقت بك.. فاصبحت اسما لك ؟؟
ـ انني من عائلة العجوز في الشرقية.. ثم ما صلة هذا بالقضية ؟؟..
ـ ارجوك احتفظ بأعصابك.. لأن هذه هي القضية.. هذا هو لب القضية.. أنت ايها العجوز الذي امسكت بالفتاة البيضة المسكينة ولما..
ويفقد الشاهد أعصابه ويصيح مقاطعا :
ـ لما أيه ؟؟
ويدلي المحامي بالنظارة التي بلا زجاج فوق انفه لينظر من فوقها وهو يقول :
ـ مهلا مهلا ايها العجوز.. انت تتهم الفتاة المسكينة الشريفة الآن رغم أنك قلت كلاما غير هذا بالمرة لرئيسك المباشر عقب الحادث..
ـ رئيسي المباشر؟؟؟ (باستنكار شديد).. أنا لم أقل شيئا لأحد..
ـ اذن رئيسك المباشر كاذب.. ارجو اثبات ذلك في محضر الجلسة.. هذه الورقة (ويلوح بورقة مليئة بالدوائر الحمراء لمدرس متعصب صحح درسا لتلميذة بليدة !!!)... هذه الورقة فيها اعتراف من رئيسه المباشر.
ـ أي رئيس مباشر.. أنا ليس لي رئيس.. أنا رئيس الفرع كله..
ـ وفروع شركة بيع المصنوعات المتناثرة في كل انحاء مصر أليس لها رئيس له مقر.. في شارع... (ويدس المحامي رأسه في الورق).
الشاهد : «جمال بك سليم المدير العام لم اقابله منذ شهور طويلة..
المحامي : نعم نعم.. أعلم ذلك.. ولكن في صبيحة الحادث عندما تأخرت عن عملك لمدة ساعتين وسأل عنك تليفونيا وتحججت بانك لم تنم طوال الليل من وخز الضمير..  و..
ـ إنني لا اتذكر شيئا من ذلك قط..
ـ ضعف ذاكرتك ليس مبررا لأن تتهم رئيسك بالكذب.. ارجو اثبات ذلك في المحضر...
وارتبك الشاهد وبدأ يجفف عرقه، ووضح أنه لم يعد قادرا علي التفكير السليم والرؤية الواضحة.. وانتهز المحامي صفوت الفرصة فقال للشاهد
ـ اعتقد انك تريد الآن أن تقول للمحكمة أن كل ما حدث كان محض اختلاق.. والمتهمة بريئة ؟؟
الشاهد مرتبكا : «لا.. لا.. لا أريد أن أقول ذلك
أخفي المحامي صفوت خيبة  امله بمجهود خارق، وعلي الرغم من عدم توقعه هذا الرد، فقد احتفظ بثباته.. وعاد يحاول من جديد.. فقال :
ـ هل رأيت المتهمة بنفسك وهي تضع الاشياء واحدة واحدة في جيوب البالطو.. أم أن هذا تم اكتشافه مرة واحدة ؟؟
ـ رأيتها بنفسي وهي تضع ادوات الميكياج قطعة قطعة..
ـ حسنا .. حسنا.. أنت مدير محل أم رجل أمن ؟؟
ـ هذا من صميم عملي..
ـ المحل فيه مئات الزبائن.. لماذا لم تر إلا هذه الزبونة لتتبعها ؟؟
قبل أن تجيب يجب أن تعلم أن حياتك الشخصية لها دخل بهذا الموضوع.. لقد حصلت أمس فقط علي كل اسرار حياتك الخاصة وهذا يفسر لنا لماذا لفتت هذه الفتاة البريئة نظرك.. ولفقت لها التهمة.
وساد القاعة همسات وهمهمات وانتفخ المحامي صفوت ليتحول الي طاووس، واخرج نظارته الثانية ليضعها فوق الأولي بحركة لا إرادية .. وأخذ ينظر الي اوراق اللب والسوداني التي أمامه، والتي لا تصلح لاكثر من قراطيس، ولكنه كان يشير باصابعه إلي بعض السطور التي كتبها تلاميذ فاشلين.. ثم يشد ورقة ويقول : «ها هي»..
ثم يستطرد : «قل لي يا استاذ العجوز.. كم مرة تزوجت ؟؟
ـ مرة واحدة..
ـ هذه حقيقة.. وأنا أعلمها.. ولكن لماذا انت عازب الآن .. ارجو أن تروي للمحكمة تفاصيل ترك زوجتك للمنزل..
ويصمت الشاهد.. فيعود المحامي صائحا :
ـ لماذا تركت زوجتك المنزل ؟؟
ـ لانها ماتت !!
ولو كان أي شخص آخر مكان المحامي صفوت لسقط علي الأرض من شدة خيبة الأمل، ولكن صفوت كانت له أعصاب من حديد.. فقال للشاهد :
ـ لن ادخل في تفاصيل موتها.. تحت يدي كل شيء.. ولماذا كنت تريد التخلص منها.. اعلم كل شيء ولكن ليس هذا موضوع الدعوي.. اريد فقط  معرفة..
فقال الشاهد مقاطعا :
ـ سيدي .. زوجتي ماتت وهي تلد أول طفل لي.. لقد مات الاثنان معا في حجرة العمليات.
ـ نعم.. نعم.. معي شهادة من المستشفي فيها كل التفاصيل.. الشاهد مقاطعا : لم تكن مستشفي بل مستوصف الحي..
ـ هذا هو بيت القصيد.. لانك لم تكن تريد لا الزوجة  ولا الطفل.. علي العموم هذا ليس موضوعنا.. المهم أنك عازب منذ مدة.. وهذا يبرر لماذا تتبعت هذه الفتاة الجميلة البريئة بالذات..
ـ أنا لم اتتبعها..
المحامي صائحا : «اكتب عندك.. انت لم تتبعها فكيف رأيتها وهي تسرق ؟؟»
ـ لقد لفتت نظري..
المحامي صائحا : «عظيم.. لقد لفتت نظره.. الرجل العجوز .. الأعزب لفتت نظره الشابة الصغيرة الحسناء.. ألم أقل لكم انه ليس الشاهد بل المتهم.. واليكم هذا الدليل الدامغ..
ويسود الصمت علي القاعة.. ويرتبك الشاهد اكثر واكثر.. ؟ يزداد عرقه في عز البرد.. ويضرب المحامي علي الحديد الساخن فيقول للشاهد :
ـ قل للمحكمة.. هل المتهمة لفتت نظرك قبل أن تأخذ الاشياء وتضعها في جيب البالطو أم بعد ذلك ؟؟
الشاهد : لا قبل ولا بعد.. رأيتها اثناء سرقتها الاشياء
ـ هذا غير منطقي.. المنطقي أن الفتاة لفتت نظرك.. فنظرت لها فوجدتها تأخذ الأشياء التي تدعي أنها سرقتها.
ـ يجوز
ـ هذا هو المنطق.. هذه هي طبيعة الأشياء.. أنت لست كاميرا تليفزيونية تلتقط الاحداث.. انت بشر.. انت رجل كبير في السن بلا أولاد.. أعزب.. لفتت فتاة جميلة نظرك..
الشاهد مقاطعا وقد تملكه الغضب لاقصي حد
ـ ارجوك.. سمعتي.. ارجوك..
لا  تقاطعني.. قل لي .. بفرض انها أخذت الأشياء ألم يكن من المحتمل أنها اخذتها بقصد الشراء لا السرقة.
ـ لا.. لقد همت بالخروج بهذه الأشياء..
ـ أرجو أن تكون دقيقا.. لقد قلت في محضر التحقيق أن الفتاة لم تكن قد خرجت من المحل عندما أمسكت بها وادخلتها حجرتك.. علي فكرة.. ما الذي جري بينكما في حجرتك ؟؟
وتعلو همسات وهمهمات في القاعة.. ويزداد ارتباك الشاهد الذي يصمت.. ثم يتهمه.. ثم يتلعثم .. ثم يقول :
ـ لا شيء لا شيء.. لقد استدعيت فورا رجل الأمن
ـ ما الفارق الزمني بين دخول الفتاة حجرتك وحضور رجل الأمن ؟؟
ـ دقائق لا تذكر
ـ ما الذي فعلته خلال هذه الدقائق ؟؟
ـ لا شيء لا شيء.. ارجوك..
ـ لقد قالت لي موكلتي كل شيء.. ولكن حفاظا علي اسمك  وسمعتك لن ابوح بذلك وسأترك هذا لفطنة المحكمة
ويصيح الشاهد :
ـ المتهمة جلست في ركن من الحجرة بعيدا عني لحين يحضر رجل الأمن الخاص بالمحل ... بينما كنت انهي بعض الأعمال المعلقة التي كانت تنتظرني
المحامي بكل هدوء.. لا تسبق الحوادث.. تعطيلك العمل لارضاء نزواتك والجزاء الذي وقعه رئيسك عليك.. وتركك مكتبك باستمرار بحثا عن الجميلات كل هذا سيأتي دوره في السؤال.. لا تتعجل
الشاهد مختنق.. سيصاب بشيء من الجنون.. والمحامي بكل هدوء يقول :
ـ لهذا الآن نساير خيالك المريض..
ـ انا لا اسمح لك .. انا رجل محترم..
ـ محترم جدا بدليل ملف الخدمة الذي تحت يدي.. علي العموم انت قبضت علي الفتاة داخل المحل.
ـ «نعم» لان خارج المحل لا استطيع ـ في الشارع لا أملك سلطة الامساك بأحد
ـ عظيم.. لكن الفتاة قالت لك في الحجرة أنها كانت في طريقها إلي الخزانة لدفع الثمن وأنت قبضت عليها للمساومة..
الشاهد يفقد اعصابه : أنا لا اسمح.. المساومة علي ماذا ؟؟
المحامي بهدوء غريب : لن أخوض في أشياء تلمس الحياء العام وتخدش السلوك والقاعة مليئة بالسيدات.. سأقدم ملف خدمتك بالكامل للمحكمة.
ـ ماذا تقول ايها المحامي ؟
ـ أقول أن محضر التحقيق معك تحت يدي..
ـ أنا لم يحقق معي أحد قط..
ـ الانكار لا يفيدك.. ولكن المهم من أين علمت أن هذه الفتاة المسكينة البريئة لم تكن ستدفع ثمن هذه الأشياء علي فرض انها اخذتها فعلا ولم تدسها أنت لها في جيوبها !!
الشاهد يصيح بأعلي صوته : «ايها المحامي الغريب.. أنا لم أدس شيئا في جيب أحد
المحامي بكل هدوء موجها كلامه للقاضي : «سيدي القاضي .. أريد أن اتكلم عن وقاحة اصابع الشاهد الاعزب العجوز وهي داخل جيوب بالطو هذه الفتاة الجميلة البريئة.. فهذا متروك لفطنة المحكمة..
الشاهد يضرب يدا علي يد.. ثم يضرب يده علي جبهته.. ويصيح :
ـ أنا لم أفتش الفتاة.. رجل الأمن قام بالمهمة.. أنا بريء..
المحامي بكل هدوء : لا.. كما قلت في البداية .. انت متهم ولست شاهدا.. علي العموم قل لي اين بالضبط امسكت بالفتاة ؟
ـ داخل المحل
ـ أعلم ذلك.. ولكن الفتاة لم تكن قد وصلت بعد الي مكان الخزانة.. فمن اين علمت بأن الفتاة لن تدفع ثمن هذه الاشياء..
لا.. الفتاة تجاوزت الخزانة ولم يبق لها سوي خطوة واحدة وتترك المحل كلية..
ـ سيدي القاضي الخزانة عند باب المحل تماما.. ولو كانت الفتاة تجاوزت الخزانة لاصبحت في الشارع.
ويصيح الشاهد : «بين الخزانة والشارع خطوة واحدة»
المحامي ببرود شديد : «آه،، وضحت الجريمة».
ثم يرتفع صوت المحامي مستطردا : «لقد اعترف الشاهد الآن بجريمته كاملة يا سيادة القاضي.
ويترنح الشاهد ويمسك بالسور الذي يفصله عن المحكمة وإلا سيقع من طوله.. وهو يقول :
ـ اعترفت بماذا؟؟ أية  جريمة ايها المحامي ؟؟
المحامي دون أن يلتفت الي هزيان الشاهد :
ـ الفتاة جميلة.. راقبها العجوز الأعزب.. تتبعها.. لم تسأل فيه.. حاول معاكستها دون جدوي.. الفتاة ستغادر المحل.. الصيد الثمين سيفلت من الصائد.. السمكة ستعود الي بحر الشارع بعيدا عن سنارة العجوز الاعزب.. فليعترض طريقها في الخروج بطريقة وقحة.. ولما تلتحم معه في عراك يأخذها لحجرته بتهمة ملفقة..
خلال هذا الكلام قسمات وجه الشاهد تتغير وتتبدل والعرق يملأ جسده كله.. ثم يصمت.. ويتيقن المحامي أن الشاهد كالملاكم الذي يمسك بحبال الحلبة قبل السقوط فيقول له :
ـ هل بينك وبين جمال بك سليم المدير العام ضغائن سابقة
ـ أبدا ابدا..
ـ إذن لماذا قام بتفتيش مكتبك أكثر من مرة ؟؟
الشاهد يصيح : «لم يحدث ذلك ولا مرة..»
المحامي بهدوء : «حينما تم العثور علي زجاجات خمر.. انت متعود أن تحتسي الخمر مساء كل يوم.. أليس كذلك !!
ـ هذه مسائل خاصة ولا علاقة لها بالقضية
ـ آسف.. انت منحرف.. لان هذه الخمور تأتيك هدية
ـ أحتج بشدة علي هذه الإهانة
ـ قل لي كم مرتبك وما ثمن زجاجة الخمر الواحدة ؟؟
ـ هذه الامور لا دخل لها بالقضية..
ـ بل هي القضية بعينها...
ويمسك المحامي بورقة من قراطيس اللب التي أمامه ويصيح :
ـ قل لي ايها الشاهد لماذا تم توقيع جزاء عليك يوم 24 ابريل عام 1985 !!.. ما هي التهمة التي وجهت اليك.. قلها قبل ان أفضح كل شيء..
ويرتبك الشاهد.. انه لم يوقع عليه أي جزاء في حياته. ثم هو لا يشرب الخمر إلا نادرا في المناسبات.. ثم ما هو يوم 24 ابريل 1985 ..
ويصيح المحامي :
ـ ما ذكري تاريخ 24 ابريل 1985 عندك ؟؟؟
ويصمت الشاهد ويتعجب ويكلم نفسه..
ويعود المحامي صائحا :
ـ ماذا حدث يوم 24 ابريل 1985 ؟؟
ويبتلع الشاهد ريقه بصعوبة ويقول للقاضي :
ـ التمس التأجيل لأنني أريد أن احضر للمحكمة شهادة من عملي أنني حسن السير والسلوك وانني...
المحامي مقاطعا وصائحا مثل الملاكم الذي طرح خصمه أرضا وبدأ يعد عليه.. فيقول :
ـ انه سؤال واحد.. ماذا حدث لك يوم 24 ابريل 1985
الشاهد لا يستطيع أن يرد.. فيطلب منه القاضي ان يتكلم فيقول متوسلا :
ـ سيدي القاضي.. لا في هذا التاريخ ولا في اي تاريخ آخر تمت محاكمتي أو مساءلتي أو توقيع أي جزاء علي..
ويعود المحامي مؤكدا :
ـ أريد أن أعرف.. ماذا يعني تاريخ 24 ابريل 1985 بالنسبة لك أيها الشاهد.
العرق ظهر علي الجاكته نفسها التي يرتديها الشاهد، فضلا عن الاعياد وزغلله في العين.. ولا يتكلم.. وكأن الحكم أنهي العد القانوني علي الملاكم المطروح أرضا ليصيح المحامي قائلا :
ـ هذا يكفيني...
ويقف ممثل النيابة ليقول للشاهد بأسي وأسف :
ـ إن 24 ابريل 1985 هو تاريخ وقوع حادث الفتاة.. ثم يستطرد ممثل النيابة قائلا :
ـ يبدو أن الشاهد ليس علي مستوي المسئولية والنيابة العامة تفوض الأمر للمحكمة.
فتصدر المحكمة قرارها ببراءة : المتهمة آمال محمود عثمان فورا.. ويسقط الشاهد من الاعياء.. ويصبح الشاب المغمور المغامر محاميا مشهورا..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق