الخميس 20 من رجب 1434 هــ 30 مايو 2013 السنة 137 العدد 46196
ممدوح الولي
عبد الناصر سلامة
أزمة القيم بين العولمة والثورة‏!‏
تغيرت العلاقة التقليدية بين الكاتب والقارئ بفضل الثورة الاتصالية الكبري وفي قلبها شبكة الإنترنت‏,

وذلك لأنه نتيجة لإمكانات الحوار التفاعلي أصبح الكاتب قارئا وتحول القراء إلي كتاب.
بمعني أن الكاتب حين ينتهي من كتابة نص مقالته تنتهي وصايته عليه, ويصبح ملكا للقراء يعقبون عليه ويضيفون إليه وينتقدونه بل وقد يقدمون أفكارا تتجاوز في عمقها ما قدمه الكاتب الأصلي للنص! أحسست بهذا تماما بعدما طالعت التعليقات الغزيرة لقرائي الكرام علي مقالات أربع كتبتها تباعا عن موضوع القيم الذي يبدو أنه لاقي اهتماما كبيرا من القراء.
وقد حاولت في المقال الأخير تقديم تحليل ثقافي شامل للأزمة حيث حاولت التمييز بين مستويات ثلاثة في مجال صياغة القيم وتطورها سلبا أو إيجابا, وأعني مستوي الدولة من زاوية المراحل التاريخية التي مرت بها, وطبيعة كل مرحلة من زاوية النظام الدولي وتأثيره علي سياساتها, والمستوي الثاني هو مستوي طبيعة النظم السياسية المطبقة, وهل هي الشمولية أو السلطوية أو الليبرالية التي تعني الإطلاق الكامل لمجالات حرية التفكير وحرية التعبير والتعددية السياسية وتداول السلطة.
بعبارة أخري كل نظام من هذه النظم السياسية له نسق قيمي خاص قد ينشأ معارضا له نسق قيم مغاير, وينشأ الصراع السياسي بين الجماعات السياسية المتعارضة الذي قد يؤدي إلي قيام ثورة شاملة كما حدث في ثورة25 يناير.
والمستوي الثالث يتعلق بطبيعة المجتمع السائد من حيث كونه مجتمعا زراعيا له نسق قيمي خاص يقوم علي الرتابة والتقليدية والمحافظة, أو مجتمعا صناعيا يتسم بسرعة الإيقاع وينحو إلي التجديد والإبداع, أو مجتمعا معلوماتيا وفق النموذج العالمي السائد.
ومن هنا ينشأ الصراع بين طبيعة الباحث العلمي الذي ينزع إلي تأصيل المفاهيم والتعمق في البحث والرجوع إلي المراجع الأصيلة, والكاتب الصحفي الذي يضطر في كثير من الأحيان إلي أن يلمس سطوح الظواهر ولا تتيح له مشكلة مساحة الكتابة النفاذ إلي أعماقها.
كيف حاولت أن أحل هذه المشكلة؟
فكرت في أن أنطلق من ظاهرتين أساسيتين لأبين التفاعل بينهما وتأثيراته الغلابة علي نسق القيم السائد في المجتمع المصري والذي أدي إلي تدهوره. الظاهرة الأولي هي العولمة, والظاهرة الثانية التي مازلنا نعيش في قلب تفاعلاتها المتفجرة هي الثورة!
وبعيدا عن الجدل حول تعريف العولمة أقنع بالتعريف الإجرائي الذي صغته لها منذ سنوات وضمنته كتبي المتعددة, وهو أنها سرعة تدفق المعلومات والأفكار والصور والسلع ورؤوس الأموال والبشر من بلد إلي آخر علي مستوي الكون بغير حدود ولا قيود.
ومعني ذلك أن العولمة بهذه السمات باغتت في الواقع مجتمعنا الذي مر بأطوار متعددة في السعي للانتقال من كونه مجتمعا زراعيا في الأساس ليصبح مجتمعا صناعيا.
ونحن نعرف قيم المجتمع الزراعي, حيث الإيقاع البطئ للزمن, والأنماط الإنتاجية المتخلفة, والعلاقات الاجتماعية التقليدية. وقد حاولت منذ عصر محمد علي إلي عصر جمال عبدالناصر الانتقال من المجتمع الزراعي إلي المجتمع الصناعي بالمعني الحديث للكلمة, غير أن هذا المشروع التاريخي تعثر في نهايات حكم محمد علي حين انقضت عليه الدول الكبري وهزمت جيوشه, وأجبرته علي تصفية المصانع التي أقامها لوقف عملية النهضة الكبري التي بدأها في المجالات المختلفة.
ووصلنا بعد صراعات سياسية شتي في اشتباكنا مع النظام الدولي ومشكلة الاحتلال الإنجليزي- إلي عصر جمال عبدالناصر الذي حاول جاهدا تصنيع مصر لنقلها بالكامل إلي مجال المجتمع الصناعي, الزاخر بالابتكار والحيوية والإبداع والقدرة علي إشباع حاجات الناس.
غير أن مشروع عبدالناصر ضرب أيضا بهزيمة يونيو1967 والتي أثرت سلبا علي مسيرة التقدم و تحول البلاد من نمط اقتصاد اشتراكي حاول تحقيق العدالة الاجتماعية إلي نمط اقتصاد رأسمالي, مشوه بدأ بالانفتاح الاقتصادي العشوائي, وانتهي بالتحول الكامل إلي نمط القطاع الخاص الذي قضي نهائيا علي تجربة القطاع العام.
كان في مصر ولايزال عبر مرحلة التطور الطويلة صراع حاد بين قيم المجتمع الزراعي البدائية وقيم المجتمع الصناعي المتوثبة حيث إيقاع الزمن أسرع, والمنهج العلمي هو المسيطر علي عملية الإنتاج, والتعليم الأساسي هو حجر الزاوية, بالإضافة إلي مؤسسات التعليم العالي والجامعات ومراكز التدريب الصناعية, والأساليب الحديثة في الإدارة, واعادة صياغة الشخصية الإنسانية لتنتقل من عالم البطء والبلادة وعلاقات المواجهة الشخصية المحدودة, إلي آفاق الإبداع والابتكار والإحساس بالذات وبالقدرة علي النمو والتطور.
وسادت قيم المجتمع الزراعي المتخلفة التي تقوم علي أساس العصبية وتغليب مصالح القبيلة أو الأسرة الممتدة علي الصالح العام, بالإضافة إلي فساد النخب السياسية ونهبها لثروات المجتمع علي حساب الأغلبية العظمي من المواطنين في ظل نسق قيم الدولة التسلطية التي تقوم علي أساس القمع السياسي للجماهير.
بعبارة موجزة الصراع الضاري يقوم في المجتمع المصري بين قيم المجتمع الزراعي المتخلفة وقيم المجتمع الصناعة المتقدمة.
باغتتنا العولمة بإيقاعها السريع, وباعتمادها الأساسي علي التكنولوجيا الفائقة التطور, وعلي فتح الحدود بين الدول إلي ما لانهاية, والتفاعل بين الثقافات بلا حدود. ولم نستطع ملاحقتها في إطار ثقافتنا التقليدية المحافظة والتي هي وريثة المجتمع الزراعي المتخلف, ونتاج عصور من الجمود الفكري والتشدد العقائدي والقناعة بشكليات الدين وتجلياته دون مضمونه الحقيقي.
في ظل هذا الفشل التاريخي في مواجهة حقائق التطور في العالم المعاصر وقعنا صرعي التدهور الاجتماعي الشامل والذي كان نتيجة للقمع السياسي والفساد المعمم في عصر النظام السابق. من هنا قامت ثورة25 يناير مطالبة بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية, غير أن هذه الشعارات والتي لم يتحقق منها شئ حتي الآن لا تصلح في الواقع بذاتها لنقل المجتمع المصري إلي آفاق القرن الحادي والعشرين, بعبارة موجزة نحن في حاجة إلي تأسيس نسق قيم جديد يستطيع أن يتعامل مع المستقبل لا مع الماضي.


لمزيد من مقالات السيد يسين

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة