السبت 8 من رجب 1434 هــ 18 مايو 2013 السنة 137 العدد 46184

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

وفقدت مصر‏..‏ عائشة راتب

يخص الله عز وجل في كل أمة أفرادا قلائل من الطبقة المميزة بصفات استثنائية‏,‏ ويكون ظاهرها فيهم واضحا جدا‏,‏ حتي يتصور البعض أن تكون اقرب ما يكون من الكمال الوجودي‏.‏ وأولئك نطلق عليهم‏(‏القدوة الحسنة لقومهم‏),‏

 فيجب أن تفصل صفاتهم للعامة وتدرس ملكاتهم إلي غير الموهوبين, وتمجد قدرة المولي عز وجل في إطرائهم, حتي تصح وتتجلي القدوة بهم, والسير علي سنتهم.
ومن أفضل هؤلاء الأفراد الممتازين فقيدة الوطن والعلم الأستاذة الدكتورة عائشة راتب, وزيرة التأمينات, والشئون الاجتماعية والسفيرة السابقة وأستاذة القانون بكلية الحقوق بجامعة القاهرة. ونـأتي علي طرف من وصف ملكاتها لنبصر الناس ونرشد جيل الشباب الذين يجدون في أنفسهم ميلا إلي الكمال الوجودي, ونوجههم توجيها صحيحا إلي خدمة أمتهم, والذين لا يعرفون سبيلا ليسلكوه لإرضاء هذه الروح الطاهرة, وخدمة أمتهم الأسيفة التي وقف الدهر في طريق سعادتها يختطف منها خلسة كل هاد من هداتها في هذا الطريق المجهول, ويعدمها الوسيلة لنيل حقوقها وسعادتها الكاملة غير المنقوصة بعد جهاد طال أمده إلي أن توج بثورة يوليو ثم ثورة يناير.
كانت الأستاذة الدكتورة عائشة راتب من أسرة متوسطة, لا من جد أمير ولا والد باشا, تربت الراحلة تربية معتادة لأمثالها في مدارس عادية, وكانت ممتازة دائما بحد الذكاء والتفرد بهذه الصفة بين أقرانها في المدرسة والجامعة, فلما أتمت دراستها في كلية الحقوق ارسلت في الارسالية العلمية الي فرنسا, وعادت لمصر لتدخل في خدمة الوطن من خلال التدريس الجامعي, ثم وزيرة للتأمينات والشئون الاجتماعية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وبعدها سفيرة مصر بأوروبا, حتي استوفت حياتها في الجامعة كأستاذة للقانون, وكانت تحاضر في قاعات الدرس حتي عام2012 م, وتتلمذ علي ايديها أكثر منخمسين دفعة من خريجي كليات الحقوق في جميع جامعات مصر, ومنهم علي سبيل المثال وليس الحصر الأستاذ الدكتور مفيد شهاب وزير مجلسي الشعب والشوري السابق والأستاذ الدكتور محمد سامح سفير مصر الحالي باليونسكو وآخرون ممن تقلدوا مناصب رفيعة علي المستوي المحلي والإقليمي والدولي.
ومن يلم بهذا التاريخ المختصر لحياة العالمة الجليلة يجد تاريخا غير عادي مملوءا بالمواقف التي تلازم عادة حياة الكبار(مثل تدخلها وهي وزيرة لتحقيق العدالة الاجتماعية في صفوف مجندي الشرطة برفع مكافآتهم إلي حد الكفاية الإنسانية بقانون, وأيضا إصلاحها لقوانين الأحوال الشخصية بما يحقق إنصافا عادلا لحقوق المرأة), فيستفيدون منها قوة وشجاعة كل ممن تتلمذوا علي يديها أو قرأوا لها, وكانوا يتعلمون من تجاربها ما يجعلهم يفوقون غيرهم في سلامة الحكم علي الأحداث.
وكانت تأخذ العالم مدرسة لها, ترقب فيه كل ما يحيط بها من الأشياء والحوادث والأخلاق وأعمال الناس عظيمها ودقيقها, وتستقريء العوامل التي دفعت الناس إلي القيام بأعمال الخير ومقارفة أعمال الشر وكانت تأخذ من كل مشهد درسا تضم إلي كمالها وتجعلها قاعدة في حكمتها حتي أنها كلفت بصياغة وإعداد كتاب التربية القومية مع عدد من كبار العلماء للمرحلة الدراسية الثانوية الذي كان نبراسا يغرس في شباب الوطن القومية المصرية والقومية العربية.
وكانت الدكتورة هادئة الظاهر مروعا قلبها وعقلها بالغيرة علي العلم والمجتمع من الوقوع في الخطأ وانشغلت بالتفكير في مستقبل مصر وما ستؤدي إليه نتائج التقدم العلمي العالمي, وبماذا تستعد مصر؟
لم تكن عائشة راتب من المفكرين الذين يرونفي الحياة إلا جهاتها المادية كما يفهم البعض من أقوالنا إنما كانت تبني أحكامها علي الملاحظات المادية والسيكولوجية. إن الحديث عن الراحلة لا يتوقف عندي إنما ينحدر انحدار السيل يفيض في القول عنها ولا ينتهي, إلا أني أود أن أؤكد في النهاية,كأحد تلاميذها, أن أمثال عائشة راتب قلما يجود بهم هذا الزمان, رحم الله الفقيدة وجزاها الله عن أعمالها للعلم والوطن أكبر الجزاء واسكنها فسيح جناته.


لمزيد من مقالات د. أيمن رفعت المحجوب

رابط دائم: