الجمعة 30 من جمادي الآخرة 1434 هــ 10 مايو 2013 السنة 137 العدد 46176

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

عنبر الأكياس "2"

بقلم‏:‏ سعيد سالم
يا غبي أنا خبير بفتنة النساء‏,‏ وصوت البنت وحده يؤكد علي أنها بطة بالصلاة علي النبي ـ باسم الله ماشاء الله‏..‏ يا أخي إن بعض الظن اثم ـ بعد قليل سنعرف كل ما نجهله

ـ تري هل تبوح الافعي بسرها؟
صلي عيسي ركعتين في مسجد المصنع ثم توجه الي خديجة, وفي الطريق اليها قال لنفسه أن ما هو مقدم عليه ليس بذنب عظيم كما تصور من قبل, وأن الغيب يخفي له أملا نديا لم يكن في الحسبان. قال لخديجة:
ـ تشجعي يابنتي فحظك عظيم
ـ ألا تأتي معي ياعم عيسي؟
ـ من الافضل أن تكوني بمفردك وألا تعصي له أمرا
ـ اني خائفة
ـ حذار من مجادلته. لاتجيبي عليه الا بحاضر ونعم
*****
مرت ساعة كأنها دهر حرق عيسي نصف ما بعلبته من سجائر. عادت خديجه وعلي وجهها غيم وبنفسها كدر بدت وكأن عمرها قد ازداد. سنين. سألت عيسي في عتاب حزين غاضب:
ـ اكنت تعلم؟
ـ ماذا حدث؟
ـ اجبني ياعم عيسي. اكنت تعلم بنيته؟
ـ ماذا طلب منك؟
ـ انت تعرف. ولو اخبرتني من البداية ما ذهبت
ـ اعصيت اوامره ياسمره؟
بكت خديجة. كتم عيسي انفعاله وقد تذكر واقعة الاجهاض والشيخ الفاعل. قال لها بخبث غلفه بحنان زائف
ـ لست وجه ونعمة
ـ كأنك تعلم وتوافق
ـ يا خديجة كوني عاقلة, فالقيامة لن تقوم قبل موعدها لو اجبته الي طلبه
ـ انت لاتفكر الا في مصلحتك
ـ لاتسيئي بي الظن ياسمرة. انا في مقام ابيك
ـ او ترضي لابنتك بما رضيته لي؟
ـ أف.. عليك اذن بانتظار ما سيحيق بك من ظلم واضطهاد. انه رجل كافر
ـ ليس هناك ظلم واضطهاد أكثر من وجودنا علي قيد هذه الحياة
ـ سوف ينتقم منك ومني وسوف ترين
جن جنون عيسي. ترضي بالشيخ العجوز وترفض سيادة المدير؟.. ياعجبي من عقلية النساء وعواطفهن الغبية. ذلك آخر ما كنت تتوقعه ياعيسي بعد أن رضيت لنفسك بالمهانة والقيام بذلك الدور الحقير. رضينا بالهم والهم لم يرض بنا. أيتجزأ مفهوم الشرف أحيانا ويصير كلا في أحيان أخري؟.. عموما ليس الذنب ذنبك. هو الذي طلب وهي التي رفضت. صحيح أنك لم تقم بالدور اياه بشكل مباشر ولكن الأعمال بالنيات. طول عمرك تحمل أطيب النوايا تجاه الناس. تعيش عمرك بين بقايا آدميين ورائحة كريهة وعمل قذر. يطحنك الفقر. يعشش الظلم علي حياتك وحياتهم. من المسئول عن ذلك كله؟ الارض أم السماء؟.. لامفر من مواجهة الحقيقة فأنت مسئول وكل هؤلاء الجبناء مسئولون بمن فيهم عادل وجمال. انظر الي مجموعة المشايخ. أنهم لايكفون عن النميمة والتهامس. وصوتهم يعلو ابدا وكأن كل ما في الدنيا من ظلم وجبن وسخرية قد تعنكب في نفوسهم بنسيج معقد في أركان هذا العنبر الكئيب
تساءل العاملون بالاقسام الاخري في المصنع:
ـ ماذا جري لعم عيسي؟
ـ عمره ما كان هكذا؟
ـ يوقع الجزاءات علي عماله بالجملة
ـ انه بدأ يضربهم بلا رحمة
ـ العجيب أنهم لايقاومونه
ـ ان تأثيره عليهم لعجيب
ـ لقد رفع مذكرة الي الادارة العليا يطلب احالة معظمهم الي التقاعد واحلال عمال اصحاء محلهم
ـ لعلها بوادر الجنون بالعدوي
ـ قالوا في الامثال من عاشر القوم اربعين يوما صار منهم
ـ لم يقدر علي الحمار فقدر علي البردعة
راح عيسي يتأمل ما وقع حوله. شعر بفقدان واضح لتوازنه الداخلي والخارجي, فقرر أن يحصل علي إجازة ريثما يسترد انفاسه ويستعيد ثبات جأشه. قال ان ما فعله بعماله لن يقدم ولن يؤخر, وفسر انفلات زمامه منه بأنها حالة انتفاخ ذاتي عارضة وان حملت في أحشائها ثمرة عمل عظيم ينبغي أن يقوم به, لكنه رفض ان يسمح لنفسه بالتفكير في أسباب هذا العمل أو نتائجه.
ركز علاقته ـ بعد انتهاء الاجازة ـ بجمال عوض الله تركيزا مكثفا. تودد اليه مسح علي رأسه اعفاه من الاعمال الشاقة. طلب له أكوابا عديدة من الشاي علي حسابه. منحه بقايا عديدة من سجائره قبل أن يكتمل احتراقها. مرة اخري منحه سيجارة كاملة ثم قال له:
ـ كيف أحوالك ياجمال؟
ـ زفت.. مراتي عند امها ومعها العيال
ـ لماذا؟
ـ قالت لي إنني حيوان فضربتها بخشبة علي رأسها ونزفت كثيرا
ـ حلو.. يمكن اذن ان نلتقي اليوم في بيتك بالمساء
ـ لم؟
ـ لاني اريد محادثتك في أمر هام
ـ خلاص.. نتقابل عند طق الليل
ـ بمنزلك أفضل يا جمال
ـ قلت لك إنني لا اسمح لأحد بدخول منزلي حتي لو كانت امراتي غائبة
ـ اذن فبمنزلي
ـ ألم تسمع ياغبي؟ قلت لك عند طق الليل في جنينة محطة مصر
لافائدة. مصمم علي مابرأسه الخرب.. وينتهي بك المطاف ياعيسي الي السهر مع مجنون في وكر رجل مشبوه ـ حتي من اسمه ـ بصحبة مجموعة من المخنثين ومحترفي الشذود يصفقون له ويرقص لهم.. ثم أنا غبي أيها العبيط؟! ياسبحان الله.
ـ موافق ياجمال. نلتقي عند طق الليل
*****
نزلت ياعيسي وصعدت خديجة, والحال باقية علي ما هي عليه فلتكتب لك السماء نجاحا في محاولتك الجديدة. جمال معتوه رسمي رغم انه يعمل بشركة حكومية مهما فعل فلن يحاسب سيقولون في النهاية مجنون.. ويموت الظلم ياعيسي.. يموت.
*****
تساقط المطر في غزارة. اسودت السحب وخيم علي المصنع صمت غامض. قبع عمال عنبر الأكياس في أماكنهم ولم يغادر أحدهم العنبر الا جمال, صنع لنفسه قرطاسا كبيرا من الورق, وضعه علي رأسه وراح يجري في طرقات المصنع وهو يصيح:
ـ أعوذ بالله من غضب الله. أعوذ بالله من غضب الله
تأمله عيسي بقلب واجف وقد علت وجهه صفرة كالحة. كان غافلا تماما عما يجري بعنبره, فالمشايخ يفطرون الفول المدمس, وخديجة تشرب الشاي مع الجريشي علي الأرض, سكينة القطع متوقفة. أما بقية العمال فمشغولون بثرثرة جوفاء حول الدرجات والترقيات, بوجه عام يكاد يكون العمل في العنبر متوقفا تماما وعيسي هائم في وساوسه الغامضة.
فوجيء المدير بجمال واقفا أمامه بالمكتب ضغط علي زر أمامه فلم يحضر الساعي, ضغط مرة أخري بغضب علي جرس السكرتيرة التي حضرت وقد فوجئت بوجود جمال الذي انتهز فرصة وجود الساعي بدورة المياه واندفع الي الداخل بسرعة البرق. أفهمت المدير باللغة الفرنسية أنها خافت اعتراض طريقه لانها تعلم أنه مجنون. أشار اليها بالانصراف ثم تمالك نفسه وسأل جمال:
ـ نعم ؟
ظل جمال ينظر إليه بنظرته البلهاء دون أن يفتح فمه, فبادره بسؤال آخر:
ـ ماذا تريد ؟
ـ أنا جمال.. ألا تعرفني ؟
تصنع الابتسام وهو يقول:
ـ أعرف يا جمال, لكن لماذا جئت الي هنا ؟
ـ جئت لأقتلك!!
اهتزت مفاصل الرجل وأصابته رعشة فزع من هول المفاجأة, لكن ابتسامة جمال البلهاء أمدته بطمأنينة مؤقتة فاستعاد ثباته وقال وهو يضحك بصوت عال مخفيا خوفه:
ـ يا رجل.. دعك من هذا الهذر.. تفضل. اجلس واشعل هذه السيجارة
علي الفور جلس جمال وتمطي علي المقعد الاسفنجي الفاخر, وضع ساقا فوق ساق باعتزاز شديد فسقط قبقابه الأيمن علي الأرض وبقي بالرجل الحافية مرفوعة في خيلاء. انحني المدير ليشعل له سيجارته فنفخ دخانها في وجهه بسرعة عجيبة, حيت تراجع صاحبنا الي مكتبه متقززا, سادت فترة صمت قصيرة قطعها جمال بضربة قوية بقبضته علي زجاج المكتب قائلا بحدة:
ـ أنا لا أعرف الهذار. سأقتلك يعني سأقتلك
تبخرت طمأنينته مرة أخري وعاد الي حالته الأولي من الفزع.
ـ لماذا يا جمال ؟.. ماذا فعلت بك حتي تفكر في قتلي ؟
ـ لأنك تريد أن تفصل عم عيسي
زاغت عيناه في كل اتجاه, أعمل خلايا مخه بسرعة
ـ أهو الذي قال لك ذلك ؟
ـ بل أنت الذي قلت وأمامنا جميعا
ـ كنت فقط أهدده, لكني لا أوذي أحدا وخاصة عم عيسي
أخرج جمال من جيبه مدية. وضعها بهدوء أمامه علي المنضدة الصغيرة صارخا فجأة:
ـ لماذا لا تصلي معنا في الجامع.. ؟
أخذ الرجل بالمفاجأة مجيبا بما يشبه التوسل:
ـ أنا لا يفوتني فرض واحد يا جمال. وبهذه المناسبة اتحب أن أصحبك معي في العمرة علي نفقتي هذا العام ؟
ـ لا ينفع أن أذهب الي الحجاز مع كافر
ـ سامحك الله.. أنا أحبك يا جمال
ـ كذاب.. أنت تحب خديجة السمرة
امتزج الخوف بدهشة وقد تغلب الغضب علي نبراته المرتعشة:
ـ خديجة السمرة ؟ من الذي قال لك هذا الكلام الفارغ ؟
ـ أتظنني لا أفهم ألاعيبك ؟.. عيب عليك, ألست متزوجا
ـ أمامك صورة أطفالي تحت زجاج المكتب
وقف جمال يتأمل باهتمام شديد صورة المدير مع أولاده الثلاثة. ازدادت ابتسامته اتساعا بينما وضع المدية في جيبه وأطفأ سيجارته قائلا بحرقة:
ـ اوحشني أولادي.. هات سيجارة
استعاد المدير رباطة جأشه وتنفس بعمق. في لمح البصر اشعل له سيجارة محاولا التودد اليه, سائلا في حنان زائف:
ـ وما سبب غيابهم ؟.. ما رأيك في ان نشرب الشاي معا ؟
قال بثقة وهو يبدل وضع الساق فوق الساق:
ـ ماشي.. شاي ثقيل
ضغط علي الزر فحضر الساعي وتلقي منه نظرة غاضبة حافلة بالوعيد والتهديد بعقوبة مؤجلة وطلب الشاي. خرج الساعي مذهولا لهول ما رأي.. قال جمال في حزن وبصوت خفيض:
ـ الأولاد مع أمهم عند جدتهم
ـ هل تحب أن أصحبك معي في عربتي لنعيدهم اليك ؟
ـ وهل تقدر علي اقناع أمهم بذلك ؟
ـ هذا مؤكد
*****
طالت غيبة جمال, كادت ضربات قلب عيسي أن تتوقف حين لمح مدير المصنع قادما الي عنبر الأكياس, مصطحبا جمال, واضعا يسراه علي كتفه, انتهز عادل فرصة الارتباك الذي حدث بالعنبر لدي مشاهدة المدير, فاختطف قبلة من السمرة. ضربته علي قفاه ثم مسحت بقرف معتاد ما التصق بخدها من سائل.
كان المطر قد كف عن التساقط, سار جمال رافعا رأسه في شموخ وابتسامة الظفر تعلو وجهه. يتلفت في خيلاء الي اليمين واليسار ليراه عمال المصنع بصحبة المدير. في رفق وئيد, تسللت خيوط الشمس من بين السحب الداكنة واستشاع في الجو خدر دافيء لذيذ.. لكنه كان واضحا لن يلبث حتي يزول

تمت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    alkatebmeen
    2013/05/10 15:20
    0-
    0+

    احسنت
    قصة جميلة تحلق بنا وتمتعنا
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق