الجمعة 30 من جمادي الآخرة 1434 هــ 10 مايو 2013 السنة 137 العدد 46176

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

‏جرائم الشرف‏...‏ تخالف الشريعة الإسلامية

تحقيق‏:‏ محمود عبدالعاطي‏-‏ هند مصطفي عبدالغني‏:‏
في ظل الانفلات الأمني الذي تشهده مصر والضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية‏,‏ تمتلئ صفحات الحوادث بجرائم العنف الأسري ووقائع قتل الزوجات تحت مسمي الدفاع عن الشرف‏,‏ والتي تحولت إلي ظاهرة حقيقية أزهقت أرواح كثير من النساء العفيفات البريئات بمجرد الاتهام أو ترديد الشائعات والأقاويل المرسلة‏.‏

وإذا كانت الشريعة الإسلامية نصت علي حق الإنسان في الدفاع عن سمعته وسلامة عرضه وجعلته من المقاصد والقيم العليا, وحرمت وجرمت الزنا والقذف, فان الشريعة أيضا كفلت حق الإنسان في الحياة, وحرمت الاعتداء عليها واعتبرت القتل بغير الحق من الكبائر وشرعت القصاص في الإسلام لرد أي شكل من اشكال الاعتداء علي الحياة الإنسانية, وتوعد الله تبارك وتعالي فاعله بالغضب واللعنة في الدنيا والآخرة, ولم يكتف الإسلام بالتحريم بل تعدي ذلك إلي التجريم, قال الله تبارك وتعالي: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.
وفي ظل غياب تقارير الأمن العام حول الحجم الحقيقي لهذه النوعية من الجرائم تبقي كل الإحصائيات مبنية علي التحليلات الاجتماعية, المعتمدة علي رصد الظاهرة التي تؤكد زيادة معدلها بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة, وجاءت دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية لتكشف عن أن92% من جرائم القتل الأسرية التي وقعت في الفترة الأخيرة تندرج تحت ما يسمي جرائم الشرف, وتحذر من شيوع مثل هذا النوع من الجرائم.
ونحن نتساءل: ما موقف الشرع من جرائم الشرف وظاهرة قتل النساء بدافع الشرف؟ وهل تخالف الشريعة الإسلامية؟ وكيف حارب الإسلام الشائعات وحذر من الانسياق خلفها؟ وماذا يفعل الزوج حين يشك في زوجته؟! ولماذا بدأت جرائم الشرف في التزايد والارتفاع المستمر من سنة إلي أخري, خاصة في الدول العربية والإسلامية, تحت مسميات مختلفة مثل غسل العار, وتطهير الشرف؟!
إحصائيات مخيفة
كشفت دراسات وتقارير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية, عن أن92% من جرائم القتل الأسرية التي وقعت في الفترة الأخيرة تندرج تحت ما يسمي بجرائم الشرف, وهي الجرائم التي يرتكبها الأزواج أو الآباء أو الأشقاء بدافع الغيرة علي الشرف وغسل العار, وأوضحت الدراسة أن70% من هذه الجرائم ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم و20% ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم بينما ارتكب الآباء7% فقط من هذه الجرائم ضد بناتهم أما نسبة الـ3% الباقية من جرائم الشرف فقد ارتكبها الأبناء ضد أمهاتهم.
وأخطر ما جاء في الدراسة هو تأكيد أن70% من جرائم الشرف لم تقع في حاله تلبس, وإنما اعتمد في ارتكابها سواء كان الزوج أو الأب أو الأخ علي الشائعات وهمسات الجيران والأصدقاء حول سلوك المجني عليها, كما كشفت الدراسة عن أن تحريات المباحث في60% من هذه الجرائم أكدت سوء ظن الجاني بالضحية وأنها كانت فوق مستوي الشبهات, وأن52% من هذه الجرائم ارتكبت بواسطة السكين أو المطواة أو الساطور وأن11% منها تمت عن طريق الإلقاء من المرتفعات, نحو9% بالخنق و8% بالسم و5% نتيجة إطلاق الرصاص و5% نتيجة التعذيب حتي الموت.
ليست من الإسلام
وحول رأي الشرع في مثل تلك الجرائم, يقول الدكتور رأفت عثمان, عضو هيئة كبار علماء الأزهر وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق, إن جرائم الشرف مبنية في المقام الأول علي الستر, لأن الكلام فيها وإظهارها بشكل كبير قد يؤدي إلي استهواء الكثير من الشباب الذين ليس لديهم خلفية دينية أو تستهويهم الرغبات الخاطئة, ولهذا كان من الأحكام الشرعية أن الإنسان رجلا كان أو امرأة لو ارتكب خطأ فإن عليه أن يتوب ويندم علي ما فعل ويستر علي نفسه, فلا يكلم احدا فيما فعل, وفي كتب السنة النبوية ما يبين هذا المعني, فعندما ذهب رجل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم, واعترف أمامه بالزنا, قال له الرسول لعلك فعلت كذا, وقال له كلمات لعله يرجع عن إقراره بذلك الفعل, فلما أصر الرجل علي اعترافه كان لزاما علي الرسول صلي الله عليه وسلم أن ينفذ حكم الله فأمر بمعاقبته, وهنا يؤكد الإسلام فكرة تطبيق العقاب لكل من ارتكب الخطأ وعزم علي التوبة النصوح.
قتل بالظن
ويؤكد الدكتور محمد الشحات الجندي,عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعه حلوان, أن القتل بالظن أو حتي القتل كجزاء( قتل الشرف) هو قتل غير جائز شرعا, لان الشريعة الإسلامية رسمت طريقا محددا لمن يرتكب هذه الجريمة, وذلك بان يقدم للقضاء لتحقيق العدالة وتحدد له العقوبة بعد التحقيق في الجريمة, وعرضها علي القضاء ويثبت فيها القاضي أنها وقعت بالفعل وانه لا شبهه فيها.
وأضاف: لا يجوز مطلقا للأب أو الأخ أو الزوج لو تبين له أن قريبته أو زوجته أو ابنته أو من هي من دمه أو من أقاربه أنها تفعل الخطيئة تنفيذ جريمة بقتلها جزاء علي عملها تحت مسمي الشرف أو( غسل العار) لان هذه المهمة تترك للقضاء فقط لأنه المسئول عن ذلك, ولا تبرر الشريعة الإسلامية هذا العمل تحت ادعاء صيانة العرض أو الطهارة أو العفاف, ومن غير الصحيح أيضا أن تمر الجريمة دون محاسبه حقيقية, فالمحاسبة لها شروط ومعايير وضعتها الشريعة, وهي دائما تكون من خلال الحاكم أو القضاء بعد التحقق من شروطها وأركانها ثم إصدار الحكم عليها) وهذا ما نصت عليه النصوص سواء في القرآن او السنة, كما يشترط الفقهاء في الجريمة ان وقعت ولم يؤت بالشهود او اختلف الشهود فيما بينهم هنا تنتقص الجريمة ولا يوجه أي اتهام للمرأة, والهدف الأساسي هو إشاعة الثقافة الإسلامية الصحيحة, ولا يقدم الإخوة أو الآباء أو الأزواج علي الانتقام من المتهمة لما يقال عنها وغاية الأمر ينبغي عليهم الستر وان رأوا انه لم يأت بالنتيجة المرجوة فالقضاء هو من يتولي الأمر بالتأكد من الجريمة والتحقق منها ثم إصدار الأحكام بعد ذلك. فالقاتل لو كان لديه الدليل لا يمكن أن يكون خصما وحكما في الوقت نفسه وهذا غير جائز شرعا لان من المهم أن يتعلم الناس أن يلجأوا إلي القضاء والقول الفصل يكون للقانون ولا مبرر لكي يأخذ الإنسان حقه بيده, والمنوط بهم ذلك هم أولياء الأمر من الحكام وليس الأب او الأخ, وهم لهم ولاية ولا يمكنهم تنفيذ الحدود وغاية ما يفعلونه هو اللجوء للقضاء وفقا للقوانين المطبقة
وطالب الدكتور الجندي بتغيير الثقافة المغلوطة تجاه جرائم الشرف, وعدم ترك المجتمع دون ضوابط تحكم الجريمة والعقوبة, ففي جرائم الشرف يكون الرجل هو القاضي والمنفذ في الوقت نفسه, وهذا يتنافي مع أصول الشريعة الإسلامية, كما طالب وسائل الإعلام والدعاة بنشر الفكر الإسلامي الصحيح حول أصول الجريمة والعقاب, وعدم الخلط بين العاطفة وما ينبغي أن يكون.
الشرف له ضوابطه الشرعية
من جانبها تقول الدكتورة آمنة نصير, أستاذة العقيدة بجامعة الأزهر, إن مسألة الشرف في تقاليدنا الخشنة وموروثاتنا الظالمة للمرأة تتسع مساحتها في أوقات الضيق أو المشكلات وهي قضيه قديمة متجددة, وتجددت في الآونة الأخيرة بشكل كبير رغم أن الإسلام يؤكد دقة هذه القضية التي تتعلق بالشرف لأنها لا تؤخذ بمجرد شائعة أو سمعة أو مغرض, أراد تشويه سمعه إنسانة معينة وفي هذا الأمثلة كثيرة جدا.
وأوضحت أن الإسلام وضع ضوابط شديدة الوضوح لهذه القضية فلو جاء رجل واتهم امرأة في شرفها, عليه أن يقسم4 مرات كشهادة منه أما الفعل وهو الذي لابد من رؤيته حيث الشهادة فيه تتطلب4 شهداء عدول ولا يتم أخذ شهادة الزوج إذا كذب أو ادعي علي زوجته فعليه بالقسم4 مرات والخامسة لعنه الله عليه, والخلاصة أن الشرف وحماية الأنثي له ضوابطه الشرعية الشديدة لكن مجتمعنا بكل أسف يستدعي من موروثاتنا الجهل والأمية وفي الأزمان السابقة قبل الإسلام كان يتم ذبح البنت معنويا أو جسديا وهذا يخالف صحيح الشرع والشريعة.
أخذ الناس بالظاهر
من جانبه يقول الدكتور أحمد عمر هاشم, عضو هيئة كبار علماء الأزهر, عن موقف الشريعة الإسلامية من جرائم الشرف سواء ما يتصل بالمرأة أو العمل أو المنصب أو الجاه, بداية إن الإسلام قد وضع قاعدة معروفه في باب النهي عن المنكر وهي التأكد من حدوث الخطأ في قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبقلبه وهذا اضعف الإيمان, صدق رسول الله. ونلاحظ أن حديث الرسول بدأ من( رأي) والذي يتصدي لأمر من الأمور يراه, يجب أن يكون قد رآه رأي العين, حتي لا يقع الناس في مخزون من الشائعات ترمي فلانا وتتهم علانا وما أكثر الأبرياء الذين انطلقت شائعات عليهم وقدمت ضدهم شكاوي كيدية وحبسوا ثم ظهرت بعد ذلك براءتهم وأخلي سبيلهم, وهؤلاء كثر ليس في الداخل فقط ولكن علي مستوي العالم والسبب في ذلك اخذ الناس بالباطل, فما دمت لا تري شيئا لا تتكلم عنه, وإلا فإنك تشيع الفاحشة بين الناس ومن يشيع الفاحشة له عذاب أليم في الدنيا والآخرة, فواجب الناس ألا يأخذوا بعضهم بعضا بالشائعات وعليهم ان يتيقنوا.
الإسلام حرم الشائعات
واذا كانت الشائعات هي المحرك الأساسي لارتكاب جرائم الشرف, فإن الدكتور حسين سمرة رئيس قسم الشريعة بكلية بدار العلوم, يؤكد أن الإسلام حرم الشائعات تحريما كبيرا جدا, في قوله تعالي: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وأضاف: الشائعات حيكت للأنبياء فسيدنا يوسف تمالأت عليه امرأة العزيز وادعت انه أراد الفاحشة بها واتهمته زورا وكذبا بأنه راودها عن نفسها ثم ظهرت براءته, أيضا حادثة الإفك في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم, والتي أصابت النبوة بخطر عظيم عندما ادعي المنافقون أن السيدة عائشة ارتكبت الفاحشة ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات في قوله تعالي:إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم سورة النور. فكم هدمت الشائعات من بيوت وكم فرقت من جماعات, والشائعات خطر عظيم علي المجتمعات يجب اجتنابها, لأنها تفعل فعل النار في الهشيم وتشوه صوره المجتمع وتتهم البراء من الناس وتحطم أعراض أناس طاهرين, ويجب ان يعلم الجميع ان عرض المسلم حرام, كما جاء في قول الرسول صلي الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا. وهناك قاعدة قانونيه تنص علي أن المتهم بريء حتي تثبت إدانته, والشك يفسر لمصلحة المتهم فليس كل متهم مجرما وقد يكون الإنسان ماثلا للمحاكمة وهو بريء وعرضه طاهر.
القضاء العرفي ليس بديلا
وفي ظل تأكيد الفقهاء علي حرمة ارتكاب جرائم القتل دون اثبات الجريمة وفقا لما نصت عليه الشريعة الإسلامية, فان خبراء القانون يؤكدون أن مرتكبي تلك الجريمة يجب القصاص منهم, يقول المستشار تامر البتنوني, رئيس محكمة استئناف المنصورة: لإثبات جريمة الزنا أركان وشروط يجب أن تتحقق, وأولها أن يكون المتهم او المتهمة في وضع الزنا, فالزنا ليس مجرد تواجد رجل وسيده في شقه أو حجرة, حتي يكون متفقا مع أحكام الشريعة الإسلامية, ولكن شهادة الشهود تؤدي دورا كبيرا فالمسألة ليست ادعاء زوج علي زوجته ولكن لابد من إحضار الشهود, والعلة من هذا الشرط هو خطورة جريمة الزنا لأنها تمس سمعة أطراف الأسرة خاصة في حالة وجود أطفال بين الزوجين, فالشائعات لا تكون سببا في رفع قضايا طلاق بين الزوجين فلابد أن تكون هناك ضمانات قضائية
وحول لجوء بعض الأسر في حالات شبيهة إلي المجالس العرفية, والتي تقوم في كثير من الأحيان بدور الأجهزة التنفيذية والتشريعية في تطبيق القانون, قال المستشار البتنوني إن المجالس العرفية تتم علي غرار التصالح وفقا لما يحدث بين اي طرفين متنازعين يقومان بالتصالح وفقا للقانون ودفع الدية تحقيقا للمصلحة العامة فالمجالس العرفية يكون لها دور كبير في النزاعات الفردية البسيطة وتسهم بشكل كبير في تخفيف العبء عن المحاكم.
جرائم تدعو إلي القلق
وفي النهاية يحذر خبراء الاجتماع من تفشي العنف الأسري وجرائم الشرف مؤكدين أنها تهدد امن واستقرار المجتمع, وقال الدكتور محسن خضر, أستاذ ورئيس قسم أصول التربية بجامعة عين شمس, ان جرائم الشرف هي التعبير السلبي عن مكانة قيمة الشرف في المنظومة القيمية لدي المصريين المتمثلة في الأرض والعرض والدين.
وأضاف أن جرائم الشرف تعتبر تعبيرا سلبيا لأنها تبدو دفاعا عن الشرف, ولكنها جريمة قتل وإبادة وحكم بالإعدام علي إنسان بمجرد الشبهات دون أن يتاح له فرصة الدفاع عن النفس, وما اقسي أن يتحول الأب أو الأخ أو العم إلي قاض وجلاد معا, أما عن ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع المصري وخاصة ما يسمي بظاهرة جرائم العنف الأسري فهي تدعو إلي الخوف لان معدلها في ازدياد والذي يشير إلي تآكل الرابطة الأسرية القوية التي تميز مجتمعنا المصري المعروف عنه قوة روابطه. وقال ان تغيير الخريطة الاجتماعية إلي خريطة عادلة وإنتاجيه من شأنه أن يحد من ظاهرة العنف الأسري وجرائم الشرف.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق