السبت 17 من جمادي الآخرة 1434 هــ 27 أبريل 2013 السنة 137 العدد 46163
ممدوح الولي
عبد الناصر سلامة
في بلد تاه فيه العقل‏!‏
‏‏
في بلد يقتل فيه الأبناء الأمهات ويذبح فيه الاباء الأطفال بلا رحمة‏..‏ لا أمل ولا خلاص‏!‏ في بلد يخاصمون فيه القضاة‏..‏ ويطاردونهم ويحاصرونهم‏..‏ والقضاء يتوعدون‏..‏ لا أمل ولا خلاص‏..‏

في بلد يضيع فيه الحق ويحلق فيه طائر العدالة وحيدا.. لا يجد له عشا ولا دفئا ولا أمنا ولا ملاذا.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد يطارد فيه الطلبة رئيس جامعة اسمها جامعة عين شمس ويلقونه أرضا ويضربونه بالحجارة ويركلونه بالأيدي ويغلقون أبواب الجامعات باسم الثورة وباسم الحرية.. لا أمل أيها السادة ولا خلاص..
في بلد الخروج فيه إلي الشارع هو الحل.. ورفع اللافتات والصراخ بأعلي صوت هو الخلاص.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد لا يأمن فيه الإنسان علي حياته وحياة أولاده.. في عز الظهر.. لا في شارع ولا حتي في داره بين أولاده.. في أي وقت من ليل أو نهار.. لا أمل ولا خلاص!
في بلد يتصادم فيه الجميع ويتخاصمون ولا يرضي فيه أحد بأحد.. ويتفرقون شيعا وأحزابا.. حتي النهاية.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد يكره فيه الجميع بعضهم بعضا ويتبادلون الشتائم.. أقذع الشتائم في الشارع وعلي صفحات الصحف, وعلي شاشات التليفزيون يوماتي وليلاتي.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد أصبح كل من يزعل من جاره يطلع الفرفر وهو المسدس أو البندقية أو المدفع ويرديه قتيلا بعد أن تسللت إلينا في غفلة منا آلاف الأطنان من قطع السلاح الحديث جدا إلي أيدي الصبية في الشوارع والمتخلفين عقليا والمدمنين وما أكثرهم في الأزقة والحواري في المدن والقري والنجوع.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد تبيع فيه الأمهات أطفالهن خشية إملاق ـ وأنا شاهد علي هذا ـ لا أمل ولا خلاص.
في بلد يتسلل فيه ثعبان الفقر من تحت التراب.. لا أمل ولا خلاص!
في بلد الجالس فيه علي كرسي الحكم كما الجالس علي قطعة من الجمر.. لا أحد يرضي بما يقول وبما يفعل.. ولا هو نفسه قادر علي إرضاء الجميع.. لا أمل ولا خلاص!
في بلد ليس فيه حكومة تعمل.. ولا عامل يعمل.. ولا موظف راض عن حاله.. وكل كام شهر حكومة وكل يوم قرار.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد قامت فيه ثورة عظيمة تخلع حاكما مستبدا قتل الثوار.. لينتهي الأمر ببراءة الحاكم من كل التهم.. وكأنك يا أبوزيد ما غزيت.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد لم يسلم فيه من يجلس علي كرسي الحكم من الشتائم اللاذعة والحكاوي الساخرة القبيحة فلا أحد يعرف أو يدرك أن كرامة رئيس مصر من كرامة مصر., وكرامة مصر من كرامة رئيسها.. لا أمل ولا خلاص.
في بلد يسيطر فيه داء العند والعناد علي العقول.. وكل واحد راكب دماغه.. وكل فريق يتمسك بقراره.. حتي لو خربت مالطة.. وها هي مالطة قد قاربت علي الخراب.. إذ لم تكن قد خربت فعلا.. ونحن عنها لاهون.. في بلد هذا حاله.. لا أمل ولا خلاص!
في بلد تنتشر فيه أقراص الترامادول اللعينة المدمرة حتي أصبحت في أيدي الشباب والكبار والأطفال مثل السجاير الفرط.. وهي مسئولة بالفعل عن أغلب هذه الحوادث الدامية المحزنة إن لم يكن كلها.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد تسرق فيه العصابات المسلحة السيارات بركابها.. يقتلون الركاب إذا قاوموا ويأخذون السيارات.. والشرطة غائبة غائبة.. لا أمل ولا خلاص..
في بلد يتوه فيه طائر الحقيقة محلقا بجناحيه ليل نهار.. لا شجرة يلوذ لها ولا فرع يهبط عليه.. ولا عش يسكن إليه.. ولا أحد يعرف أبدا حقيقة ما حدث ولا حقيقة ما يحدث.. بل الدنيا كلها ضباب في ضباب.. في بلد هذا حاله.. لا أمل ولا خلاص..
...................
...................
قالت لي محدثتي البروفيسيرة آمال متولي المتوكل أستاذة العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا الأمريكية التي استضافتني في بيتها قبل سنوات في ولاية فرجينيا هي وزوجها بروفيسور عثمان معاطي عبدالودود أستاذ الإنثروبولوجي في الجامعة نفسها.. والتي وصلت قبل يومين إلي القاهرة في زيارة سريعة لبضعة أيام: حالكم يا عزيزي يصعب علي الكافر!
قلت لها: من أين استعرت هذا التعبير الرائع؟
قالت: لم أجد عبارة تعبر عن حال مصر وحالكم وحال الفوضي والخراب والخصام واختلاط الحابل بالنابل.. إلا هذه العبارة.. كل ساعة وقفة احتجاج.. وكل يوم مظاهرة.. وكل جمعة مليونية.. وكل أسبوع صدام.. يسقط فيه جرحي وقتلي.. كأنكم تعيشون في عصر الطرشان!
أسألها: ماذا تعنين بعصر الطرشان هذا؟
قالت: لا أحد يسمع أحدا.. لا أحد ينصت لكلام الآخر.. لقد ألغيتم الآخر من قاموس حواركم.. الكل يؤذن في واد.. الكل يتمسك برأيه لا يريد أن يتزحزح عنه خطوة واحدة.. لقد نسيتم أنكم أول بلد عرف الديمقراطية, وعرف أول حكومة مدنية في العالم كله قبل خمسين قرنا من الزمان ويزيد..
أنسيتم أن الله تعالي قال عنكم إنكم ستظلون في رباط إلي يوم القيامة؟
أنسيتم دينكم وشريعتكم, وأن الدين المعاملة.. وعامل الآخرين قبل ما تحب أن يعاملوك به..
أنسيتم قول المولي عز وجل لسيدنا موسي وهو ذاهب إلي مصر ليقابل الفرعون: قل له قولا لينا..
وأنتم طول الوقت تتشاجرون وتتخاصمون وتتقاذفون بالحجارة والشتائم حتي رئيسكم لم يسلم من هذه الشتائم والسخرية سواء علي صفحات الصحف أو في برامج التوك شو.. والغريب أن الكل راض.. الكل مبتسم.. كل واحد يشتم الثاني ويهيل عليه التراب علنا.. وماله.. حتي إنهم يسخرون من رئيسكم.. برضه وماله دي حرية رأي.. معقولة!
قامة الرئيس بقامة مصر يا عالم.. والرئيس نفسه سحب كل بلاغات الرئاسة ضد هؤلاء!
تنظر إلي بدهشة: إيه مالك ساكت صامت لا ترد ولا تصد.. هل أنت راض عما يحدث في مصر؟
قلت لها: يا سيدتي ومن يرضي بهذا الهوان وذلك الانقسام وتلك الفوضي؟
تسألني: طيب وحتعملوا إيه؟
قلت: الحل يا سيدتي في يد حكماء الأمة.. وحتي حكماء الأمة أنفسهم متفرقون.. مختلفون.. حائرون!
................
................
وضعت كوب النسكافيه جانبا دون أن تلمسه.. وقالت لي وعيونها مثبتة في عيوني: شوف يا عزيزي أنا لم أحضر إلي مصر من أجل سواد عيونكم.. ولا أخافتني وأقلقتني تلك الفوضي وذلك الخصام وهذا الصدام.. ولكن الذي جاء بي علي عجل أمران في غاية الخطورة.. ركبت من أجلهما أول طائرة قادمة إلي القاهرة..
1 ـ ذلك الصدام العلني مع القضاء وجها لوجه؟
مهنة القضاء مهنة مقدسة محظور الاقتراب منها.. القاضي لا يجوز عزله أو إقالته أبدا!
وأنتم أول دولة ربما في العالم كله عرفت القضاء والتشريع قبل147 سنة!
2 ـ فوضي التعليم وحصار الجامعات وانفلات الطلبة وكسر حاجز الاحترام بين الطلاب وأساتذتهم, والاعتداء عليهم وسماع دوي طلقات الرصاص وقنابل الغاز داخل حرم الجامعة واحتلال الطلبة لمباني جامعاتهم وضرب رئيس جامعة عين شمس أمام كل الأعين بأيدي الطلاب أنفسهم.!
ياعزيزي دعني اذكرك.. عندما اقترب الجنرال ديجول بجنوده من أبواب باريس في نهاية الحرب العالمية الثانية وجيوش النازي تحتلها,
سأل صديقا له يعيش تحت الحصار النازي: ماذا بقي من فرنسا تم إنقاذه؟
قال له: الجامعات والقضاء..
قال ديجول: الآن تستطيع يا عزيزي أن تنقذ فرنسا!
وأنتم الآن ـ تقول البروفيسورة آمال متولي ـ يهتز بين أيديكم ميزان العدالة.. وينهار فوق رؤوسكم صرح التعليم!
أسألها: يعني إيه؟
قالت: يعني زي ما بيقول أولاد البلد: عليه العوض ومنه العوض!
................
................
ايها السادة في بلد تاه فيه العقل وتحجر الوجدان!
في بلد يضحك من احواله الامم.. لا أمل ولا خلاص.. ودقي يامزيكه!{


لمزيد من مقالات عزت السعدنى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة