الجمعة 9 من جمادي الآخرة 1434 هــ 19 أبريل 2013 السنة 137 العدد 46155

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

إنه الدم ‏"2"‏

بقلم‏:‏ د‏.‏ نوال السعداوي
سأضطر لتنفيذ القرار‏,‏ سوف تندمين لن أندم‏,‏ كنت ناوية أستقيل من مدة‏,‏ تعودت أن أقرر لنفسي ولا أنتظر قرارات الآخرين‏,‏ كان يجب أن أترك الجورنال من زمان‏,‏

 أنا بصراحة لا أحب الصحافة, لا أشعر فيها بأي متعة, الصحافة ليس فيها ابداع أو تجديد, أغلبها نفاق وكذب, نفخ رئيس التحرير عمودا من الدخان وصمت طويلا, شيء ما يجذبه فيها, ليس كلامها بل طريقتها في التعبير وتحديقة عينيها النفاق طبيعي في الصحافة يا فؤادة, اسمه ذكاء سياسي, والابداع والتجديد ممكن تعمليه في الصحافة, تجارب الماضي وضرورات الحاضر مهمة, العملية الابداعية في الصحافة طويلة بطيئة تدريجية جماعية تقتضي التعاون بين الجميع واحترام رأي الأغلبية, الاحترام غير الخضوع, مش عارف انتي عاوزة ايه؟
عاوزة أعبر عن نفسي, عاوزة أكتب اللي في دماغي أنا عاوزة الحقيقة,يا فؤادة؟
أيوه يا أستاذ
الحقيقة ان دماغك دي عاوزة الكسر, انتي عارفة قيمة قلمك عندي المشكلة دماغك, مطلوب كسرها, احنا بنعيش في دولة فاسدة من قمة رأسها الي تحت, النفاق يكسب في كل مجال خصوصا الصحافة, لا يمكن استمر فوق الكرسي بدون اراقة ماء وجهي, لازم احط مناخيري في الارض, الوزير مناخيره في الارض ليرضي رئيسه, ورئيسه مناخيره في الارض ليرضي رئيسه, ورئيس الكل عارفاه مين؟
ربنا يا أستاذ محمد؟
ربنا يجعل كلامنا خفيف علي قلبه يا فؤادة, اسمعي كلامي كفاية مبادئ وكلام فارغ, شعب ايه وثورة ايه؟ في التاريخ كله النظام واحد في الكون كله, لا يمكن يتغير
ممكن يتغير يا أستاذ
اسمعيني وكفاية عبط ومثالية, افلاطون لم يكن مثاليا, كان يؤمن بالقوة فوق الحق, لا يوجد شيء اسمه حق دون قوة, القوة هي كل شيء أنا أصدرت قرار فصلك تحت ضغط القوة العليا من فوق رأسي, لازم أنفذ الأمر والا أقعد في البيت وعيالي يموتوا من الجوع فاهماني؟
لكن يا أستاذ محمد
أرجوكي لا تقاطعيني أخطر شيء ان العيال يجوعوا, ابويا الله يرحمه جوعنا كلنا من أجل رأيه الحر, أمي اشتغلت في البيوت, وأنا خرجت من المدرسة واشتغلت في ورشة ميكانيكي, كان يضربني في بطني بكعب جزمته, أنا ممكن أضحي برأيي الحر من أجل أولادي, أبويا كان أنانيا يفكر في نفسه في رأيه, وخلاص, أنا أفكر في أولادي, لازم يتعلموا كويس ويعيشوا كويس ويكون لهم كرامة أنا مستعد يا بنتي ألغي قرار الفصل بشرط انك تغيري طريقتك وتمشي في الصف, كلنا ماشيين في الصف, موافقة؟
لأ مش موافقة يا أستاذ محمد
مش فاهم انتي عاوزة ايه؟
عاوزة أعمل الشيء اللي بأحبه
ايه هو؟
الكتابة
شغلنا كتابة في كتابة الصحافة غير الكتابة, عاوزة أكتب أدب؟
أدب ايه يا فؤادة انتي عايشة في الخيال, حاولي تعيشي الواقع, الأدب الحقيقي أو الابداع الحر لا يمكن يوكل عيش, قوليلي اسم أديب واحد عايش علي الأدب, كلهم موظفين في الدولة في الصحف والمجلات, كلهم ماشيين في الصف, فيه ناس تمردوا وكتبوا أدب حقيقي زي مين؟
الكاتبة بدرية البحراوي
بدرية البحراوي كاتبة موهوبة لا يمكن حد ينكر, لكن شوفي هي عايشة ازاي, كان ممكن تكون في قمة الأدب وتعيش في المجد لكن مين يعرف بدرية البحراوي النهاردة؟ اسمها اختفي تقريبا, اسمعي نصيحتي يا بنتي, فكري بعقل, أنا كنت الوحيد في المجلس اللي دافع عنك, كلهم وقفوا ضدك, عارفة أيوه عارفة
الأفضل تغيري طريقتك, موافقة؟
لا,يصمت رئيس التحرير لحظة, يرمقها في صمت, ينفث الدخان من أنفه, يراها تحدق في عينيه
لايري في تحديقة عينيها وقاحة بل ثقة بالنفس ونوع من الأدب, كان مثلها في طفولته قبل أن يضربه الميكانيكي بكعب حذائه في بطنه
كلهم بيتهموكي بالتطرف أو بالجنون, أعذريني لصراحتي معك
اعذرك طبعا
اسمعي, لازم أنفذ قرار فصلك, أنا آسف
انفض الناس عنها بعد فقدانها المنصب, لم يعد اسمها يظهر في الصحف كتاباتها اصبحت ممنوعة, تنشرها في مجلات الشباب غير المعروفة. لايزورها في مكتبها إلا القليل, شابات وشباب متمرد فقير يشق طريقه بصعوبة.
عانت بدرية البحراوي العزلة, اصبحت تكره المدينة وشوارعها المليئة بالقمامة, وجوه الناس المعفرة المرهقة, أكثر ما تكره الوجوه المغسولة في الصحف المنشورة,تجلس وراء مكتبها, الساعة وراء الساعة, اليوم وراء اليوم تمد يدها قبل النوم الي الصحف, تري صورهم داخل البراويز, مع الرئيس والوزير مقالاتهم وقصصهم ورواياتهم منشورة, الكاتب الروائي والمفكر والأديب العالمي تلقي بالصحف في صفيحة القمامة.
قادت فؤادة سيارتها في الحواري المتربة المتفرعة من الشارع الرئيسي, أكوام القمامة تسد مدخل المباني والعمارات, أطفال الشوارع ينبشون فيها مع القطط والكلاب الشاردة, وجوههم تشبه العجائز عيونهم يأكلها الذباب, امرأة عجوز عمياء جالسة ظهرها مسود الي الحائط ذراعها ممدودة يدها مفتوحة, لا ينظر اليها أحد, الكل يجري الي رزقه, ألقت فؤادة في اليد الفارغة قطعة نقود, فانفرجت الجفون المغلقة عن شق رفيع وصوت مشروخ: كتر خيرك يابنتي, ابتسمت, تفعل الابتسامة ما تفعله قطعة نقود.
امام العمارة توقفت, صعدت السلم الي الدور الثاني, فوق لوحة نحاسية صدأة قرأت الحروف المحفورة: بدرية البحراوي, دقت الجرس, فتحت لها فتاة طويلة نحيفة عيناها سوداواتان تلمعان بابتسامة.
الصالة بها عدد من المكاتب الصغيرة, تحمل اكواما من الكتب والاوراق والمجلات والصحف, الرفوف من الارض الي السقف مليئة بالكتب.
في ركن الصالة مائدة دائرية يجلس من حولها مجموعة من الشباب والشابات يتناقشون لم ينتبه أحد لدخولها فجلست في أقرب مقعد وراحت تتصفح المجلات والكتب.
انقضي مايقرب من نصف ساعة, ثم نادت عليها الفتاة الطويلة النحيلة كانت الاستاذة بدرية البحراوي تجلس وراء مكتبها, من خلفها لوحة للبحر ترتدي قميصا واسعا ابيض
اسمك ايه؟
فؤادة
جيتي هنا ليه؟
لأقابلك
ليه؟
كتاباتك
كتاباتي؟
شجعتني
تحملق في الوجه أمامها, حركت الكرسي قليلا لتراها عن قرب
لفؤادة وجود يحسه الآخرون بشكل غامض, عيناها الثابتتان في عيونهم بهذه التحديقة.
انتبهت بدرية فجأة, لم تدرك وجودها الا هذه اللحظة التي تحدق فيها
ماذا تريدين مني؟
أريد أن أعمل معك
أنا لا أعمل شيئا
ألا تكتبين؟
كنت في زمن مضي
لماذا لاتفتحين مدرسة للابداع الأدبي؟
سيغلقونها؟
لأ يا أستاذة
استمري في عملك بعيدا عني؟
ليس لي عمل
كيف؟
فصلوني بقرار وزاري
أصبح عندك وقت أكثر للكتابة,
فعلا
مبروك أنت محظوظة
ابتسمت بدرية, تغير وجهها مع الابتسامة, بدت شابة وليست كهلة صوتها أصبح أكثر دفئا.
أنت لاتصلحين للعمل في هذا الجو الملوث, بؤرة فاسدة, أهنئك علي خروجك منه سليمة, لا يمكن لمبدعة العمل في هذا الجو الملوث, لا يمكن المجرور باكبورت يا استاذة بدرية.
أعرف أعرف, لهذا يفصلون كاتبة مثلك, لايطيقون الصدق لأنه يكشف كذبهم, كالمرآة تعكس صورهم المشوهة
سكتت طويلا مطرقة, تهدلت عضلات وجهها, بدت فجأة مثقلة بالحزن
متي قررت أن تكوني كاتبة؟
كان عمري تسع سنين
في السن الصغيرة دي؟
أيوه
ليه قررتي تكوني كاتبة؟
ماعرفش, كرهت المدرسة, وكرهت البيت, أقول لك الحقيقة كلها؟
قولي الحقيقة كلها
كرهت المدرسة والبيت وأبويا لأنه بيظلم أمي, وكرهت أمي لأنها تقبل الظلم كرهت الدنيا كلها, ابتديت أكتب لأكشف الظلم, كنت باحلم بالعدل
الناس لاتتكلم بهذه الصراحة, أنت مختلفة؟
ـ أيوه
لا أقصد أنك شاذة
ـ نعم
أنت طبيعية لكنك شاذة في نظرهم
أيوه
سكتت بدرية, بدا عليها التعب والضجر
: ثم قالت كأنما تكلم نفسها
أنا قررت العزلة الكاملة عن الناس, لا أريد أحدا منكم يأتي لي, اذهبوا وتمردوا بعيدا عني, لا أريد تحمل مسئولية أحد, أنت لاتعرفي خطورة اقترابك مني, الثمن باهظ لايمكنك دفعه, أنت تسيرين نحو تحطيم نفسك, الأفضل لك ألا تأتي هنا مرة أخري أنا قررت العزلة ولا أريد أن أري أحدا.
مرت لحظة صمت طويلة.
يا أستاذة, نحن في حاجة اليك, لست وحدي, جيلنا كله الشابات والشباب في حاجة اليك, أرجوك افتحي مكتبك وسأعمل معك دون أجر
ومن أين تأكلين؟ الكتابة تأتي بعد الأكل
لا أحد يموت من الجوع يا أستاذة
تطلعت بدرية الي وجه فؤاده, ملامحها طفولية لم تكسرها الحياة بعد, أشفقت عليها من مشقة الطريق الذي تريد أن تمشي فيه.
اسمعي يا ابنتي لاتضيعي وقتك, لا فائدة من التعلق بفكرة مثالية لايمكن تحقيقها, روحك الجميلة لن يستريحوا حتي يحطموها, تملكين العقل المفتوح, لاشيء يثير حقدهم مثل العقل المفتوح لاتكوني صادقة, فالصدق لايفيدك بل يضرك
هل انت يا أستاذة التي تقولين هذا؟ هل أنت كذبت لتحققي ما تريدين؟
بالطبع لا, لكن انتي مش بدرية البحراوي, لا أعني أنك أفضل مني أو أنني أفضل منك, كل منا تختار طريقها وتتحمل مسئولية قرارها.
انا جئت اليك بحريتي ومسئولة عن نفسي
متأكدة من ذلك, لكنني لا أنصحك بالسير في طريقي, ألم يحذرك أحد من هذا الطريق الشاق؟
يا أستاذة كثيرون حذروني, لكنني لا أحترم رأيهم, لا أريد أن اكون مثلهم.
لن تكوني مثلهم, عندك موهبة ليست عندهم, أنا أعرفهم وهم يعرفونني, يحترمون رأيي وان اختلفوا معي, يأخذون من أفكاري ما يشاءون دون ذكر اسمي, يمكنني أن أعطيك خطاب توصية للوزير الجديد, كان يعمل تحت رئاستي وهددته بالفصل, كان يسرق أفكار غيره دون أن يذكرهم, لكنه يحترم رأيي وسوف يعينك علي الفور في المجلة الادبية الجديدة, لن يعجبك العمل معهم لكن سوف تتعودين هل توافقين؟
لا أوافق
أنت لم تفعلي هذا يا استاذة
نعم لم أفعله, لهذا أقوله لك بصدق, لو كنت مثل الآخرين لما قلته لك لكنك مختلفة يا فؤادة, أنت تحبين الكتابة, الكتابة هي حبك الحقيقي, هذه هي اللعنة, الحب الصادق الحقيقي واضح في عينيك, يراك الناس ويخافون من الصدق, ألا ترين الخوف في عيون الناس؟
أنا لا أنظر اليهم,
ألا تعرفين ما فعلوه معي؟
لم تخاف منهم
الخوف يؤدي الي الكراهية
نعم.. أتريدين أن تكوني مثلي؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق