الجمعة 24 من جمادي الاول 1434 هــ 5 أبريل 2013 السنة 137 العدد 46141

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

ثرثرة راكب سفينة بالدرجة السياحية

بقلم‏:‏ يوسف الشاروني
استمر صديقي الراوي يثرثر وأنا أوافقه علي بعض ما يقول ولا أوافقه علي البعض الآخر‏:‏

لا أدعي أنني سأروي لك ما لم يروه الأولون والآخرون, ولست أحاول أيضا في تواضع زائف فأقول إن ما أرويه روي مثله آخرون قبلي ويمكن أن يرويه آخرون بعدي.. لكني أقول إنني غادرت بلدي لأول مرة.. وكان العملاق طوال هذه الرحلة هو البحر الواسع العريض الضخم اللانهائي.. البحر العذراء الخجول لحظة, ثم البحر الوحش وهو يحاول ابتلاع تسعة آلاف طن أو يزيد لحظة أخري.. مياهه تتلون بألف لون ولون.. بالأزرق علي درجات.. بالأخضر علي درجات.. وبالرمادي الداكن لحظات.. حتي الزبد الأبيض لم يكن أبيض طول الوقت.. وعندما كانت السفينة بركابها الخمسمائة تسير بهم رشيقة شامخة تشق البحر من أمام بينما تترك له ذيلها من خلف, كان هو البحر يحاول بدوره أن يستجمع قوته ويستعيد موجه الذي خاب, فإذا به من جديد يعبث بها كالريشة يقذفها يمينا ويسارا ليقذفنا نحن بدوره من مقاعدنا أو أسرتنا: أرضا وسقفا, ويصير كل منا في مهب رياحه وتلاطم أمواجه.
ستبقي تلك التجربة الأولي حية في العينين وفي الوجدان. وكما أن التجربة الأولي هي التجربة المثيرة من الصعب طمس معالمها.. كذلك كانت تلك الرحلة البحرية الأولي هي تلك الرحلة المثيرة, من الصعب أن تطمس معالمها, مهما مرت الأيام والسنون.
الحكاية إذن أنها رحلتي البحرية الأولي وأن وقعها في نفسي كان كبيرا من هنا نبعت رغبتي أن أرويها لك, ألا تزعجك ثرثرتي ؟
أعترف أولا أننا لم نتعلم بعد كيف نسلك علي ظهر باخرة.. كيف يستلقي الواحد منا علي شيزلونج مستمتعا بجلسة هادئة في الشمس.. لابد أن سبب ذلك يعزي إلي أننا لسنا بالفطرة سياحا.. وعلي وجه التحديد لسنا سياحا بحريين.. هذه حقيقة.. لسنا شعبا بحريا.. وبرغم موانئنا وشواطئنا علي طول جزء كبير من المتوسط فلسنا شعب بحر.. لم يتأقلم سلوكنا بعد مع طبيعة البحر.. لم يزل المزاج الشخصي لكل منا بعيدا تماما عن أن يعرف كيف ينعم ويستمتع بالبحر.. يبدو ذلك واضحا علي شواطئنا.. نكتظ.. نتزاحم.. نتلاصق.. نرغي ونتكلم.. والبحر أمامنا علي بعد خطوات منا.. لكننا لا نراه.. لا ننظر إليه.. أو حتي نتأمله..
وعندما يعلن ميكروفون السفينة أننا سوف نمر بجزيرة ألبا أو كورسيكا الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل.. إلي يمين السفينة أو إلي يسارها.. إذا بكل الركاب الأجانب يهرعون إلي السطح عند الموعد المحدد.. يتخذ الواحد منهم لنفسه موقعا استراتيجيا.. واقفا أو جالسا.. لا يهم.. عيناه علي المكان الذي حدده مكتب القبطان.. فإذا كان الوقت نهارا.. صارت الخريطة في اليد هي الدليل.. والمنظار علي العين هو المرشد.. وسطور من كتاب هي البقية الباقية لكي تكتمل الصورة في الذهن.. بينما يبقي الهدف الرئيسي من الرحلة عند معظمنا المصريين أن نسترخي.. مجرد أن نسترخي ونستمتع بنسيم البحر.. كل الجزر التي تمر بها السفينة واحدة عندنا.. وطالما أن كلا منها قطعة أرض تبعد عن مسارنا.. فلا يهم أن نتطلع إليها.. فإذا تطلعنا إليها لا يهم أن نستفسر عنها.. فإذا استفسرنا عنها لا يهم أن نعرف عنها الكثير.. ليس لدي أكثرنا ذلك الفضول العقلي بالقدر الكافي.. ضاق استمتاعنا فانحصر في الحسيات.. أما أن تتحرك عقولنا لكي تستمع هي الأخري فذلك شئ لم يدخل حياة معظمنا بعد..
تلك حقيقة مؤسفة لمستها عن قرب.. وهي تعكس صورة لنوع من الحياة نمارسه, قوامه ضحالة في الفكر ثم تكثيف مبالغ فيه للحظة المزاجية لكل منا.. يهمنا جدا أن نمنح أمزجتنا ما تريد بينما تظل عقولنا متعطشة إلي أشياء كثيرة لا نحاول أن نمنحها شيئا منها.. ويوما بعد يوم.. تضمر.. تضمر.. إلي أن تقتات علي ما لديها من جدب فلا تحس بعدها أبدا بحاجة إلي الارتواء فتظل أسيرة عطش قاس إلي الأبد دون أن تدري.. يطلب الواحد منا فنجانا من القهوة ليعتدل مزاجه دون أن يعرف بالضبط وعلي وجه التحديد ماذا يقصد بهذا المزاج المعتدل, أو ماذا بالضبط وعلي وجه التحديد أيضا.. سيفعل من الأمور بعد أن يعتدل ذلك المزاج المدلل.. حتي الطاولة وجدت طريقها إلي صالون الباخرة مع أننا علي الأرض قتلناها لعبا وقتلنا معها أعمارنا..
علي أن إدارة السفينة قد وفرت علينا كثيرا من مشقة البحث عن أسلوب نقتل به ساعات نهارنا وأمسياتنا.. فأمدتنا بصالونين للتدخين وبارين أو مشربين ومصرفا لتحويل العملة وسوقا حرة وحوضا للسباحة وصيدلية ثم كافيتريا زجاجية مقفلة بها جهاز للتليفزيون.. ومع ذلك فقد كان المكان المفضل لمعظمنا هو سطح السفينة المطل مباشرة علي مياه البحر برذاذها وملحها.. كانت المقاعد كثيرة متناثرة.. مقاعد خشبية أنيقة للدرجة الأولي ومقاعد بلاجات للدرجة السياحية.. وكنا بطبيعة الحال نفضل أن نجلس علي مقاعد الدرجة الأولي برغم أن مقاعد الدرجة السياحية تصلح أكثر من غيرها لأن ينجعص فيها الإنسان ويغوص فيحس بالراحة والاسترخاء.. لكنها التطلعات الطبقية الموجودة عندنا والدفينة في أعماق كل منا..
أذكر أن إدارة السفينة تركتنا علي سجيتنا الليلة الأولي.. نروح ونجئ في كل ركن ومرفق من مرافقها.. كأنما أرادت أن تمنحنا فرصة أن نتأمل ونتفرج علي هوانا.. غير أنها عندما وجدتنا مصرين علي موقفنا.. مستمرين في تنقلاتنا عبر الدرجة الأولي غير عابئين بالحدود بينها وبين درجتنا السياحية راحت تعلن بالميكروفون أنه علي ركاب الدرجة السياحية أن يلزموا صالوناتهم وباراتهم وكبائنهم, فلما لم يجد ذلك نفعا ولم يوقف غاراتنا نحن ركاب الدرجة السياحية علي صالونات الدرجة الأولي راحت تكرر النداء للمرة الثانية ثم تغلق بعدها كل الأبواب التي تربط بين الدرجتين وهكذا حدث الانفصال.. وربما اتخذت إدارة السفينة ذلك الإجراء من تلقاء نفسها أو ربما اتخذته بناء علي طلب من ركاب الدرجة الأولي أنفسهم.. إلا أنه بعد أيام قليلة والرحلة توشك أن تقترب من النهاية استطاع ركاب الدرجة السياحية أن يغيروا علي مرافق الدرجة الأولي عبر دهاليز ملتوية لابد أن أحدا منهم قد اكتشفها خلال لحظة تألق ذهني أو أن واحدا من طاقم السفينة أو خدمها قد أسر بها إليه في أذنه.. المهم أنه من ساعتها صار العبور إلي الدرجة الأولي أمرا ميسورا نرتكبه كل يوم بل كل لحظة.. والغريب أن ركاب الدرجة الأولي أنفسهم بدأوا يرحبون بنا.. يفتقدوننا.. ثم يأتون هم إلينا وإلي صالوناتنا المتواضعة يلعبون معنا أو مع بعضهم البعض الدومينو والطاولة والشطرنج.. أو يتفرجون علي برامج التليفزيون التي كانت في معظم الوقت يونانية اللغة والإرسال.
ومع أني لم أضق كثيرا بتلك الأبواب الموصدة بيننا وبين الدرجة الأولي وبالتالي لم يهمني الأمر كثيرا عندما عادوا وفتحوا بيننا الحدود إلا أنني ضقت كثيرا جدا بمن راح يحاول من بيننا أن يسئ استخدام ذلك الانفتاح الذي حدث لينقل مقعدا من موقعه الطبيعي إلي موقع آخر بصرف النظر عن نشاز المنظر الذي أحدثه ناسيا أن نوعا معينا من المقاعد والأثاث لا يصلح إلا لنوع معين من المكان.. أو يطلب مثلا فنجانا من القهوة من كافيتريا الدرجة السياحية ليحتسيه بعيدا في صالون الدرجة الأولي.. أشياء صغيرة تافهة.. لكنها تعكس نوعا من الفوضي ونعيشه ونجتره كل ساعة بل كل لحظة في بيوتنا ومواصلاتنا ومقار أعمالنا..
إلا أن أروع ما كانت تقوم به إدارة السفينة من أجل إمتاعنا هو تلك الحفلات الترفيهية التي كنا نسهر بسببها بعض الليالي.. صحيح أنها نوع من الحفلات لم تكن تختلف كثيرا عن حفلات السمر التي تقام في أي مكان آخر لكن قيمتها كانت تنحصر في أنها تبدد كثيرا من ذلك الملل الذي يدلف إلينا كل مساء عقب وجبة العشاء المبكرة الإجبارية التي كانت تقدم دائما بين السابعة والثامنة مساء كل يوم..
لم يكن من بين بنود تلك الحفلات ما يعتبر جديدا أو مثيرا وذا بال.. مجرد لعبات صغيرة معروفة نمارسها كثيرا خلال تجمعات سمرنا ولهونا مثل نط الحبل.. شد الحبل.. الكراسي الموسيقية.. وغير ذلك.. ثم يعقبه في النهاية طمبولا وجوائز..
ومع كل ذلك.. مع كل تلك الوسائل التي تدخل المتعة إلي نفوسنا فقد كانت المتعة الحقيقية بالنسبة لكثيرين منا أن يجلس الواحد علي شيزلونج.. يغوص فيه بينما تتهادي السفينة كعروس.. تتمايل في رشاقة وخفة.. والبحر هادئ.. هادئ أو ناعمSmooth بالتعبير الإنجليزي.. نسيمه يداعب الوجه ويقبله.. ولا شيء يعكر صفو الجلسة.. لا شئ.. تلك كانت متعة حقيقية.. من حظنا أن البحر لم يضن بها علينا ؟؟
غير أن البحر الهادئ.. الهادئ.. لا يدوم.. ولابد أن يرتفع الموج يعلن عن مقدم عاصفة.. حدث ذلك في الطريق من نابولي إلي مارسيليا.. كنا قد أمضينا يوما في كابري.. زرنا مغارتها الزرقاء.. داعبنا النوتي الإيطالي الظريف بلنشه يخيفنا به وعليه في مياه البحر.. ثم عدنا إلي نابولي في المساء.. نستقل الباخرة لتبدأ رحلة ليلية عاصفة نهارا.
بدأت الحكاية عند العشاء.. بعد يوم حافل في كابري رحنا نغتسل لنضع علي أجسادنا ملابس تليق بقاعات الطعام.. ومع أننا كنا مرهقين.. يداعبنا النوم.. غير أن طعام العشاء وهو الوجبة الرئيسية علي الباخرة كان بدوره شهيا وممتعا فتناولناه في مزاج متفتح..
لم تكن السفينة قد تراقصت بعد.. لكن رذاذ الموج وهو يرتفع كان ينبئ عن ليلة يعلم الله سرها.. وعندما انتهينا من عشائنا وراح كل منا يدبر لنفسه مقعدا علي السطح إلي أن يحين موعد نومه.. كان كل شيء قد اكتمل.. الموج قد عصف.. السفينة تراقصت وتمايلت.. لا كعروس هذه المرة.. ولا في خفة أو رشاقة.. لكن كريشة في مهب ريح عاتية لا ترحم.. امتلأت وجوهنا بالرذاذ.. بل تجرأ الموج وارتفع ليلطم بعضا منا.. يلطمه في وجهه وعلي قفاه ليجبره أن يهبط.. يهبط إلي كابينته.. خلا السطح من النزلاء.. خفتت حدة الضحكات.. خرست أجهزة الراديو والتليفزيون.. وران علي الباخرة صمت.. ولم يصل إلي الآذان غير صوت الريح يعلو.. يعلو.. حتي صوت الماكينة لم يعد له وجود.. خفت وراح ولم يعد يصل إلي الأسماع غير العواء.. وأمسك كل منا بمقعد أو باب أو مقبض نافذة.. توقفت جولات الناس.. لاذ كل بكابينته وأغلق الكوة.. حتي الـCrew.. طاقم السفينة.. اختفت تحدياتهم للبحر.. وارتفعت أصوات القئ والشكوي من الدوار.. وتضخمت الزيارات إلي دورات المياه..
حاولت أن أنام.. الغريب أنني استغرقت في النوم.. لم أجهد نفسي في محاولات.. بمجرد أن وضعت جسدي علي الفراش رحت في النوم.. ربما كان السبب نهار كابري الشاق الممتع.. أو ربما كانت حبة الدرامابين قد أدت مفعولها. الشيء الأكيد أنني نمت.. صليت إلي الله أن ينقذنا من غضب البحر أو يفسح لنا إلي جواره مكانا.. تركت له أن يختار.. ونمت.. ذلك لأنني استيقظت علي جسدي كله ينقلب ويوشك أن يسقط.. لولا المسند الخشبي في الفراش والذي صنع خصيصا ليمنع من السقوط في حالة هزات السفينة مع هياج البحر.. أطللت رأسي إلي حيث فراش زوجتي فأبصرتها هي الأخري قد استيقظت علي أصوات أبواب تصفق.. وآهات.. وصراخ... قئ ودوار مختلط بصفير الريح في كوكتيل كريه وغريب.. وظل العازفون المختفون اللاعبون يعزفون سيمفونيتهم.. إلي أن لاح الفجر بين الفتحات..
ومع أني أخاف البحر والماء ولي مع مياه النيل قصة قارب يغرق كنت واحدا من ركابه إلا أنني لم أتقيأ أو أحس بالدوار..
وقمنا نترنح من أسرتنا.. نحاول أن نتماسك.. نلجأ إلي مقبض الكابينة المسمر إلي الحائط.. ونشق طريقنا إلي قاعات الطعام..
وكان نهارا فريدا في نوعه..
أول الأمر لم أصدق عيني.. كانت الساعة تقترب من التاسعة بينما راحت قاعات الطعام.. تخلو من روادها إلا من واحد أو إثنين.. وتساءلت زوجتي.. هل فرغ القوم من إفطارهم أم أن اليوم صيام.. وجاء مانولي الظريف يصب لنا الشاي ويسأل بيونانية عربية أو بعربية يونانية.. لست أدري.. إن كنا سنأكل.. ثم يكشر كأنما يتألم.. مشيرا إلي مكان معدته في بطنه.. فأجيبه أولا ثم أخبره أننا بخير وأننا نعم سنأكل.. وأنه لا ينبغي أن يخشي علينا من شيء.. فيبدأ بصب الشاي لنا وهو ينظر إلي ملامحنا كأنما يحاول أن يستشف منها قدرتنا علي أن نتحمل ذلك الذي يحدث حوله في كل ركن من أركان سفينته..
في هذه اللحظة أحسست أنه يجب علي أن أسرع إلي دورة المياه.. ومع أني لم أكن قد وضعت في فمي لقمة خبز واحدة غير أني أحسست أنه يجب علي أن أفرغ محتويات معدتي.. كل شيء حولي كان يدفعني إلي ذلك.. أصوات القئ خارج قاعات الطعام.. الآهات التي ملأت ردهات السفينة ثم الأدهي والأمر.. تلك الأواني الورقية التي راح كل منا يحملها معه أينما كان حتي علي موائد الطعام إلي جوار أقداح الشاي وأطباق الزبد والمربي والخبز المقدد.
لم نأكل ذلك الصباح كما كنا نفعل كل صباح.. قمنا نغتسل.. ورحت أنا بدوري أدخن سيجارة لعلي مع دخانها الذي أنفثه أستطيع أن أنفث ذلك الذي يحدث حولي.. أعرف أنك تكره التدخين, أنا أيضا أقلعت عنه فيما بعد, إبني الطبيب أطلعني في مشرحة الكلية علي رئة مدمن كل شعيراتها مسدودة بالزفت والقطران, فهي مهلكة للجيوب والأبدان. بعد أن أقلعت عنها عدت إليها, لكن يبدو أنني كنت قد طعمت ضدها, العلبة تظل بلفائفها معي عدة أيام حتي يجف دخانها. فكانت هجرتي الثانية والأخيرة لها.
لا تؤاخذني فقد انحرف بنا- أقصد بي- الكلام, فسطح السفينة لم يشهد ذلك الصباح العدد الضخم من راغبي حمامات الشمس والاسترخاء الذين كان يشهدهم كل يوم عقب الشاي والإفطار بل تفضلت الكبائن واستوعبت الجميع.. مرضي.. متعبين.. هاربين من القئ ودوار البحر..
وأشفقت من كل قلبي علي طبيب الباخرة المسكين..
كان الرجل قد اشترك في الرحلة مثلنا.. قرأ عنها في الصحف مثلنا.. وذهب إلي مقر مؤسسة السياحة ليدفع اشتراكه مثلنا فلما علموا أنه طبيب أشاروا عليه بأنه يمكن له إذا أراد أن ينضم إلي الرحلة مجانا ودون أن يدفع مليما واحدا في مقابل بعض الخدمات الطبية يقوم بها خلال فترة الرحلة.. وراح الرجل يوازن الأمور ويفاضل بينها.. حتي انتهي به أخيرا إلي الموافقة.. صحيح أنه في البداية قد أفادهم أنه يفضل مائة مرة أن ينضم إلي الرحلة مشتركا كسائح دون أن يلزم نفسه بواجب ما.. يكفيه عمله المرهق طوال إثني عشر شهرا غير أنهم سألوه عما إذا كان وهو سائح علي الباخرة.. مجرد طبيب سائح.. سوف يتخلي عن أن يعود مريضا أو متعبا في حاجة إلي استشارته لمجرد أنه سائح وليس مكلفا بشيء.. فأجاب بأن قسم أبو قراط يحتم عليه أن يسعف كل متألم إلي جواره.. ثم قدموا له كابينة بالدرجة الأولي.. مستقلة.. مزودة بكل الإمكانات.. وبددوا قلقه من أن عمله كطبيب علي الباخرة ليس بالأمر المتعب أو المرهق كما يتراءي له أو بصورة خياله.. وحقيقة كان الرجل يجلس معنا كثيرا.. يتحدث.. يضحك.. يبدد وقته مثلنا.. سائحا.. متفرجا.. إلا من بضع لحظات.. لكنه ذلك الصباح.. أكلته الدوامة تماما.. غرق مع أقراص الدرامامين والنوفالجين والبانتوزيم وراح يعود المتقيئين والمتعبين في كبائنهم.. يصعد.. يهبط.. عشرات المرات.. حتي أحسست به هو نفسه.. في حاجة إلي من يعوده ويطببه..
ولم يكن البحر حتي الضحي قد هدأ.. علي النقيض تماما.. كان الموج قد زاد ارتفاعه..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق