الخميس 18 من ربيع الثاني 1434 هــ 28 فبراير 2013 السنة 137 العدد 46105

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الآتونيــة الجديــدة‏!‏

لست أدري لماذا ألحت علي مرحلة الآتونية في العصر الفرعوني التي ترتبط بحكم الملك أخناتون‏,‏ و أنا أتابع الأحداث التي يمر بها الوطن و موقف الرئاسة منها‏.‏

لكي نقرب الصورة أكثر فقد مرت علي مصر في أوج مجدها كقوة عظمي بالعالم القديم محنة سياسية علي يد ملكها الذي إنساق وراء دعوته الدينية دونما اعتبار للأبعاد السياسية و موازين القوي آنذاك, بل ترك العاصمة طيبة( الأقصر) خلف ظهرانيه ميمما وجهه شطر عاصمته الجديدة في تل العمارنة بالمنيا. لتنقسم مصر إلي قسمين أحدهما يرتبط بالدولة في صيغتها التقليدية, وآخر أعلن ولاءه للنظام الجديد ربما عن اقتناع كامل و ربما أكثر لحاقا بالغنيمة المبتغاة من الاقتراب من سدة الحكم, في حين ظلت الغالبية الصامتة في موضع المشاهدة.
يبدو أن المشهد السابق قد أعيدت صياغته في المرحلة الراهنة بعدما دان الأمر للرئيس مرسي فوجدنا الحرس التقليدي للنظام( أي نظام) يهرول مع المهرولين لحاقا بالركب الذي كانت عناصره تستعد للخروج و التسكين إلي حيث أريد لها من التمكين في أوصال الدولة المختلفة, إعمالا للمبدأ الرئيسي للجماعة سرية التنظيم و علانية العمل, الأمر الذي تؤكده كل الشواهد التالية للانتخابات الرئاسية, بعدما تغيرت الخريطة السياسية ظاهريا ليطفو علي الساحة المئات بل الآلاف من المنتمين أيديولوجيا بما يؤكد أن دعاوي الاضطهاد و السجن كانت في دعايتها و إدعاءاتها أقوي كثيرا من الواقع لا سيما بعد المرحلة الناصرية, و كأنها تتمثل دعايات تاريخية عالمية مماثلة باتت تحتاج معها هي الأخري لمراجعات علمية تفنيدا لدعاواها.
لم تكن الخطورة ممثلة في المنتمين تنظيما قدر ما هي فيمن أطلق عليهم( المتأخونون) الذين شابهوا أولئك المهرولين قديما لتل العمارنة, و لكنهم في وقتنا الحاضر قد تعددت لهم سبل الهرولة بتعدد دروبها الإعلامية منها و النيابية و الميدانية و حتي الإتحادية, الأمر الذي أفرز صورة باهتة الملامح لمفردات المرحلة, و أصبحت المزاحمة سمة لها من طرف يري أنه أحق بالقيادة و أهلها بعدما قدم المغالبة بدعاوي التضحيات علي المشاركة بتفعيل السياسات, في حين ظن الطرف الآخر أن الالتزام الشكلي بالانضواء كفيل بضمان مكتسبات الانتماء. كل ذلك و مجموعة الإنتساب الوطني تتلمس السبيل( أية سبيل) للإيهام بالوصاية علي ما تبقي من أنقاض المجتمع و الدولة, في مشهد يحاول أن يخرج من نشاز النغمات سيمفونية سياسية شجية.
و قد جاء موقف الرئاسة من ذلك المشهد مشوشا بحكم كونها رئاسة ثلاثية الأبعاد, فالبعد الأول منها يرتبط بمؤسسة الرئاسة التي هي لكل المصريين و البعد الثاني للحزب الذي أفرز الرئيس فكرة و ليس شخصا و أخيرا الجماعة التي ينساح فيها البعدان الآخران بلا خطوط فارقة.
الواقع فإن ما وصل إليه حال المجتمع يعود بالأساس فيما نري إلي المهرولين من جانب و الأبعاد الثلاثة من جانب آخر الذين شكلوا وجهي العملة في ضوء غيبة المعايير و لهاث الجميع نحو فرض واقع ليس المهم فيه معيارية الحدود قدر استمرارية الوجود, و بالتالي طغت نبرة أنصاف الحلول في كل مشكلاتنا, بعيدا عن الأدبيات الثورية بفرض شرعيتها أو صناديق الديمقراطية بحكم مشروعيتها. و هكذا ضلت الآتونية الجديدة الطريق لكونها خلطت بين الدعوة و الدعاية و بين الدولة و الوصاية, في مشهد كالسائر للأمام و هو ينظر للخلف بحيث لو استمر في المسير لتعثر و لو تحوط فيه لتوقف. ليصبح دائما هناك طرف غائب في معادلة الوطن و هو الأهداف الحقيقية المراد تحققها, فبات( العيش) بمعناه المجمل عزيز المنال و ظلت( الحرية) منقوصة طالما يحكمها ارتفاع الأصوات لا عقلانية القرارات في حين تناثرت مفردات( العدالة الاجتماعية) و صنوها( الكرامة الإنسانية) في الفضاء السياسي الافتراضي بكل ما يتم عليها من مزايدات.
مما لا شك فيه أن غياب الرئاسة عن المشهد حيث حتمية الظهور أو تواجدها حيث أهمية الابتعاد قد زاد من ضبابية المشهد, لتخرج القرارات إما حدية حيث الأمل في المواءمة أو توافقية, حيث ضرورة الحسم و المواجهة, كما جاءت الإحالات المرجعية فيها غير مسئولة في أحايين كثيرة فتارة تنسب للمعاونين و أخري للمستشارين و ثالثة للتكنوقراط من الوزاريين و رابعة لرموز الجماعة أو قيادات الجبهات, بحيث باتت القرارات في معظمها لا أب لها و لا نسب في طفولة سياسية لا تتفق و مقام الدولة و هيبتها, لتصبح المحصلة شبيهة بمثيلتها في سباق المونديال الشهير( لمن ألقي السمع و هو شهيد) كل ذلك و الغالبية العظمي من الشعب سواء من هرولوا في أماكنهم أو استناموا ليريحوا و يستريحوا, إذا بهم يجدون أنفسهم و قد غرقوا في لجة لا قرار لها. و أنه لزام عليهم أن يدفعوا سفينة الوطن دون معرفة حقيقية بفن العوم أو وجود مجداف, لتعود الشقة أوسع مما كانت مع فارق وحيد أنه من قبل كان الأمل في الخلاص و الآن خلاص و لا أمل, و لتخفق الآتونية الجديدة لكونها لم تستفد من دروس الماضي و علي رأسها ما آلت إليه نظيرتها علي عهد أخناتون, و إن كانت الأخيرة قد حملت من القيم ما خلدها في التاريخ.. فيا هل تري ماذا حملت الجديدة بين ثناياها حتي يذكرها التاريخ.!!


لمزيد من مقالات د‏.‏ حسن السعدي

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة