الثلاثاء 14 من ربيع الآخر 1436 هــ 3 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46810

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بعد فوزه بجائزة «ساويرس» عن مجموعته «البهجة تحزم حقائبها»..مكاوى سعيد: لن نكون بخير إذا رحلت البهجة من حياتنا!

حوار : أسامة الرحيمى
هو أديب يستحق التأمل ربما يظن من لايعرفه، ويراه عن بُعدِ، أنه لا مبال.حيث يمشى متمهلاً، داساً يديه فى جيبيه بكسل، ويتحدث بهدوء وبساطة غير المعنى بشيء، ويبتسم للجميع بذات البشاشة، ويفضل التلميح عادة على المباشرة، حتى لا يسبب حرجاً لأحد.

ومن يقرأ شخصه، وأدبه، سيدرك إخلاصه لفعل التأمل، وحرصه على التلفت، اهتماما بأحزان الناس، وانشغالا بأحوال البلد، وإيمانا بالثورة، فلا تفلت نظراته العميقة شيئا، حتى الشوارد،ويميل بروية لإنصاف الضعيف، ورد المظالم.

وفى إبداعه يولى المهمشين اهتماما كبيرا، ويمعن فى وصف تفاصيلهم، ويلتقط أحاسيس الحزانى وإن ستروها تعففاً.

ويؤمن أن الثورة والفن هما الأفعل، والأفضل لمجتمعنا، وأن الأمور لن تستقيم إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية والحريات، وبغير هذا سترحل البهجة، وستكون حياتنا من دونهما أسوأ.

والتمهل عنده صنو للتجويد، فلا تجتذبه جوائز، فيسارع بإنجاز عمل لأجلها، ولا تغريه عروض النشر مهما كانت، لأن سعادته الحقيقية أن يستوقفه قارئ مصادفة لمناقشته فى عمل له، وهذه من اللحظات التى يراعيها وقت الكتابة، فتحقيق المتعة والمعرفة للمتلقى هدف يستحق المثابرة.. والصبر.

- بمناسبة فوزك بجائزة «ساويرس»، ماذا تقدم الجوائز للمبدع بظنك، هل تُشكِّل دافعا، أم تكون ورطة له بعد تسليط الضوء عليه؟

ما تقدمه الجوائز هو التقدير الأدبى للعمل الفائز، بشرط أن تكون الجائزة مشهودا لها بالحياد والنزاهة، وهذا يتوقف فى المقام الأول على المحكمين، وعلى رسوخ اسم الجائزة وأدائها، وهى تدعم المبدعين ماديا، خاصة أنهم الآن يدفعون آلافاً لنشر إبداعهم، ويفترض ألا تمثل الجوائز دافعاً للكتابة، ومن يكتب لاستهدافها لا يقدم شيئا له قيمة، ونلاحظ الآن أن بعض الكتاب يلاحقون الجوائز بغزارة الانتاج، وهم يخسرون فى النهاية, لأن هذا اللهاث ينتج أدبا متواضعا، ولهذا يكون الفوز بالجوائز ورطة لضعاف الموهبة الذين يلعب الحظ دورا فى فوزهم، وبالمقابل فالجوائز تدفع الأدباء المتحققين إلى التأنى فى الإنتاج.

- «البهجة تحزم حقائبها».. عنوان المجموعة وإحدى قصصها. أود هنا أن أتوقف أمام العنوان, فربما يحلو للبعض اعتباره من تداعيات ما بعد الثورة .. ما سبب رحيل البهجة بتقديرك وإلى أين تغادرنا؟

أغلب قصص المجموعة عن عالم الطفولة، من خلال عيون طفل. وأقسى ما يتعرف عليه هو الموت، حيث يسقط أحد زملائه أمام عينيه من الطابق الرابع، ثم تنتحر أخت صديقه وهو فى مرحلة الثانوية، فقط لأن زميلاتها عايرنها بالبدانة. وهذا ألقى بظلال الحزن والشجن على المجموعة، فبطلها الطفل رأى البهجة تحزم حقائبها وترحل من حياته، خاصة من بيت صديقه الذى كان مفعما بالبهجة، والحقيقة أن الأحداث التى تمر بها بلادنا الآن هى التى شجعتنى على اختيار هذا العنوان فالاضطرابات والمشاكل، والدماء المسفوكة، والتخبط، كلها جعلتنى أشعر أن البهجة فعلا عازمة على الرحيل، وإلى وجهة غير معروفة، لكن المعروف بشكل مؤكد أننا لن نكون بخير من دونها.

- فى قصتك لا أحد يقدر على قهرها نرى فنانة تشكيلية ترسم صورا عارية, وتعانى وهى تجاهد من أجل تحققها،لكنها تجد نفسها فى منطقة مغايرة تماما حين طلبت منها أم شهيد رسم صورة ابنها على أحد جدارن شارع محمد محمود.. هل تظن أن الفن يتحقق إذا ارتبط بالثورة، بشكل ما، وهل تقصد بالثورة الأحداث، أم «حلم الناس» بالحريات والعدالة الاجتماعية؟

الفن فى ذاته ثورة, لأنه إعادة تشكيل للواقع بالمفهوم التقليدي، وجودة الفن تقاس بقدرته على تغيير الناس إلى الأفضل، وجعلهم يثورون على أوضاعهم المتدنية، وتزاوج الفن والثورة ينتج إبداعا مذهلا، لكن بشرط أن يكون الفن حقيقيا، وأن تؤدى الثورة للأفضل من حيث الحريات الأساسية والعدالة الاجتماعية والأمان.

- هل تظن أنه يمكن تغيير الأب المتجبر الذى رأيناه فى قصتك ثلاثة أشكال لأبي يوما ما، ليصبح الأب الطيب الودود، بدلا من تلك الصورة المرتبطة بالجبروت والخوف والعقاب ؟

صورة الأب القاسى بهيلمانه وجبروته فى القصة ممزوجة بالرحمة والحنان فى نهايتها، ونحن على مستوى الواقع نحتاج للأشكال الثلاثة، خاصة فى تربية الأطفال، فلن تستقيم بدون حزم، ولن يؤثر الحزم بلا حنان، ولن يلتزم الطفل بدون خوف من العقاب، فالطيبة والتساهل قد يؤديان إلى التسيب، وهذا مكمن التشابه بين الأب اجتماعيا وسياسيا.

- فى قصتك «لم تترك خلفه وروداً», التى تعرض لأحوال مراهقين، تضع قارئك أمام ألم استثنائي، حيث نجد عاشقا مغرما باصطياد الفتيات اللاتى يعانين الفشل فى الحب من كورنيش النيل، فنرى كم قسوة الضعاف على بعضهم موجعة، ربما هى من تجليات «البهجة تحزم حقائبها»؟

هو عاشق مسكين غير قادر على اجتذاب الفتيات إلا فى لحظات ضعفهن، وهو لا يبنى سعادته على حطام مشاعر الفتيات، بل ربما يخفف عنهن أو يشاركهن احباطهن، أو يقاسمهن الألم الذى أودى به فى النهاية، »فلم تترك إحداهن خلفه وردة«، وقد رحل هو نفسه مع البهجة.

- لك قصة أخرى استوقفتنى فى مجموعتك السابقة «اللامرئيون»،ثم عرفت أنها تحولت مؤخرا إلى فيلم روائى قصير قيد الانتاج، عنوان القصة «صابــرين»، تحققت بطلتها إنسانيا فى الأيام الأولى للثورة، فماذا تفعل الآن وهى وحيدة، وضعيفة، ولا تجد شيئا له علاقة بما كان فى تلك الأيام؟

هى باختصار قصة فتاة شارع تبيع المناديل كوسيلة للرزق، وفى الأيام الأولى للثورة فرَّت مرتعبة، لكن الثورة انتشرت وشملتها كما شملت كل شىء، واحتضنها بعض الثوريات فى الميدان، وعاملنها بنبل فأحبت بالثورة، وأدهشتها السلوكيات التى لم تعرفها من قبل، وعقب تنحى مبارك، وصديقاتها يغادرن الميدان ودعنها بالأحضان، بكت خشية ألا تراهن ثانية، فوعدنها أن يأتين إليها، لكنها عبرت عن تخوفها من ألا يرينها, كما كان يحدث قبل الثورة، والحقيقة أن كليهما تحقق، وعادت كما كانت فى السابق، وأهملها الجميع. ولقد حوَّلت قصتها إلى سيناريو، ووافق عليه المركز القومى للسينما، ويستعد «طارق أبوالعلا» لإخراجه، لكن هناك بطئا فى التنفيذ.

- من بعد «تغريدة البجعة», التى باتت علامتك إن صح التعبير، لم تقدم رواية أخري، مع أنك حدثتنى عن رواية تحت يديك من سنوات، فاين هي؟

لى مفهوم مختلف عن كتابة الرواية، وهو معايشة الموضوع لأطول فترة ممكنة حتى تكتمل خطوطها، ثم تأتى مرحلة الكتابة، وأتركها بعض الوقت ثم أعود إليها. وهذا يستغرق معى زمنا طويلا، والرواية التى حدثتك عنها اكتب فيها منذ ثلاث سنوات، ولست مهتما بتاريخ الإصدار قدر اهتمامى باحترام القراء، وهو ما يعنى ألا أقدم إليهم إلا المتعة والمعرفة، وجائزتى الحقيقية بمناسبة سؤالك عن الجائزة هى حين يستوقفنى قارئ ليحدثنى عن عمل لي، وكنت قد تلقيت عروضا كثيرة ومغرية ماليا وترفيهيا، ومنها عرض باستضافتى بمنتجع سياحى لأنهى الرواية، لكنى أفضل الكتابة على المقاهي، وحين أنهيها تماما وأضع اسمى عليها أطمح لأن تكون علامة للجودة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق