الخميس 9 من شوال 1440 هــ 13 يونيو 2019 السنة 143 العدد 48401

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدبلوماسى

عنوان هذه المقالة هو اسم المجلة التى تصدر عن النادى الدبلوماسى المصرى منذ عام 1992 والتى أسسها السفير مصطفى العيسوى ويرأس تحريرها حالياً السفير رضا الطايفى، وتتميز هذه المجلة بأنها تمثل معيناً لا ينضب لخبرات النخبة الدبلوماسية المصرية التى تضم مجموعة من خيرة أبناء مصر، أتيحت لها الخدمة فى مجال السياسة الخارجية المصرية سواء فى دوائر وزارة الخارجية أو فى السفارات المصرية بالخارج، فشاركت فى كل التفاعلات المهمة وراكمت خبراتها بحيث أصبحت قادرة على التقدم بمبادرات مفيدة لتطوير سياسة مصر الخارجية أو للتنبيه لقصور ما أو للتحذير من نُذُر يمكن أن تمثل تهديداً للمصالح المصرية، وقد كان رأيى دائماً أن هذا الدور هو أثمن ما يستطيع الدبلوماسى أن يساهم به فى صنع السياسة الخارجية، لأن طبيعة هذه العملية تجعل اتخاذ القرار بيد المستوى القيادى الأعلى إلى حدٍ كبير، غير أن عين الدبلوماسى الثاقبة فى الميدان يمكنها أن تلفت إلى المعلومات الأساسية المطلوبة للقرار الرشيد والبدائل المختلفة له، وتاريخ مصر الدبلوماسى حافل بنماذج مشرفة عديدة كم تمنيت أن أجمعها يوماً فى إطار تحليلى يُنَظر للدور الحقيقى والفعال للدبلوماسية فى صنع السياسة الخارجية، وقد تابعت طويلاً هذه المجلة وبالذات منذ تولى السفير القدير سعد الفرارجى رئاسة تحريرها ولاحظت كيف أنها تنقل فى العدد الواحد خبرات أجيال متنوعة من دبلوماسيى مصر ليس فقط فى مجال تخصصهم وخبرتهم الدقيق وإنما فى مجالات ثقافية متنوعة، فضلاً عن أنها تستضيف كتاباً متميزين من فى موضوعات عامة.

وقد راودتنى كثيراً فكرة الكتابة عن المجلة ومحتواها الثرى غير أن تدافع الأحداث كان يحول بينى وبين تحقيق هذه الرغبة إلى أن انتهزت فرصة عدم وجود أحداث خارجة عن المألوف فى الأسبوع المنصرم واطلاعى على عدد مايو من المجلة للكتابة عن هذا العدد الذى ضم ثمانية وعشرين موضوعاً، منها ثمانية بأقلام غير دبلوماسية، كتبت فى قضايا وطنية وتاريخية واقتصادية وتعليمية ودينية، وقد احتوت المجلة على أربع مقالات متنوعة عن إفريقيا، وثلاث عن قضايا دولية مهمة تتعلق بمبادرة الحزام والطريق وحلف الأطلنطى والإرهاب الدولى، وموضوعين يتعلقان بقوتين إقليميتين مهمتين بالنسبة لمصر هما إسرائيل وتركيا، وفى كل هذه المقالات يجد القارئ تحليلاً شاملاً وثاقباً لأبعاد الموضوعات كافة على النحو الذى يجعلها مرجعاً للباحثين وليست مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات. خاصة أن بعضها اهتم بتوثيق مصادره كمقالة السفير الدكتور عزت سعد عن حلف شمال الأطلنطى فى عيده السبعين. أو احتوى بيانات رقمية مهمة ومفيدة كمقالة السفير جمال بيومى عن الاستثمار فى إفريقيا.

ولا يسمح الحيز المتاح للمقالة للأسف بالإطلالة الواجبة على مقالات المجلة كافة، ولذلك سوف أختار أكثرها اتصالاً بالفكرة التى أثرتها فى بداية المقالة بخصوص دور الدبلوماسى فى صنع السياسة الخارجية وإدارتها، وهى المقالة التى كتبها السفير عبد الرحمن صلاح آخر سفير لمصر فى تركيا قبل تخفيض التمثيل الدبلوماسى معها بعنوان: أردوغان الأخ الأكبر للإخوان المصريين، والمقالة تقدم شهادة واقعية ثاقبة عن الطريقة التى كانت السياسة الخارجية المصرية تُدار بها فى السنة الكئيبة التى حكم الإخوان المسلمون مصر فيها، ومن الأمور بالغة الدلالة ما رواه السفير عن زيارة اسطنبول التى قام بها عصام الحداد مستشار رئيس الجمهورية للشئون الخارجية، فعندما تلقى برقية من رئيس ديوان رئيس الجمهورية تبلغه بالزيارة، تصور وفقاً للعرف أنها تكليف بالإعداد لها، وبعد أن قام بالفعل بكل ما يمكن فى هذا الشأن واتصل بالوزير لإبلاغه بما تم وبتوقعاته من الزيارة إذا بالتعليمات بألا تكون له أدنى علاقة بالزيارة رغم أنه أوضح أن الجانب التركى سوف يشمل كل المختصين، ورغم طلب السفير من الوزير ومن رئيس الديوان الرئاسى مراجعة الأمر إلا أن الإصرار على انفراد المستشار غير المتخصص (طبيب بالمهنة) بفاعليات الزيارة كافة كان مطلقاً، بل لقد امتد الأمر إلى تعليمات للقنصل المصرى فى اسطنبول (السفيرة وفاء الحديدى) بألا تكون فى انتظار المستشار أصلاً، وهكذا تمت الزيارة دون أن يتصل المستشار بالسفير أو يطلعه على مادار فيها، وهو ما يؤكد أن الدولة كانت تُدار بعقلية التنظيم السرى، غير أن سفيرنا النجيب استطاع أن يعرف التفاصيل كافة مستغلاً أن الجانب التركى لا يمكن أن يتصور غياب أدنى علاقة له بالزيارة، فطلب فى اليوم التالى لها مقابلة وكلاء الوزارات التى شارك وزراؤها فى الاجتماع، موحياً لهم بمعرفته مضمون مادار فيه وأنه يتولى متابعة النتائج، وبهذه الطريقة علم تفاصيل ما جرى ووافى وزارته بالخلاصة، وهنا تظهر المأساة المترتبة على الجهل وعدم التخصص فقد اتصل به وزيره سائلاً بطريقة مواربة عن دقة المعلومات التى وردت فى برقيته لتتضح المصيبة وهى أن المستشار الهُمام قد أبلغ رئيس الجمهورية أن الأتراك وعدوه بتقديم مليارى دولار نقداً كمساعدة لا تُرد أحدهما فوراً والثانى فى مطلع العام الجديد، بينما الحقيقة أن العرض كان قروضاً مُيَسرة منها مليار يُصْرَف نقداً قبل نهاية2012 والثانى فى2013 كتسهيلات ائتمانية لشراء معدات تركية أو لتمويل مشروعات تركية فى مصر، وتذكرت الواقعة الشهيرة لمهمة وزير الحربية المصرى فى موسكو قبيل عدوان1967 وكيف عاد ليُخْبِر القيادة بأن السوفيت سوف يتدخلون مباشرة فى الحرب لو وقع العدوان، وقلت لنفسى إن عواقب الجهل واحدة.

ليس هذا سوى غيض من فيض فى هذه المقالة الممتعة كباقى المقالات، ولا أدرى هل تصل هذه المجلة إلى القراء العاديين؟ وهل تُرسل إلى السفارات العربية فى مصر أو السفارات المصرية فى الخارج؟ لكن المؤكد أنها وسام على صدر النخبة الدبلوماسية المصرية وشهادة حق على دورها الوطنى.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: