الخميس 9 من شوال 1440 هــ 13 يونيو 2019 السنة 143 العدد 48401

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كاد المعلم أن يكون رسولا!

كشفت دراسة حديثة للبنك الدولى حول دور التعاون فيما بين المؤسسات التعليمية، من خلال تبادل الخبرات والتجارب والأفكار، فى تطوير المنظومة التعليمية عن أن هذا النظام أثمر نتائج جد إيجابية فى دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ مكن من تحسين جودة التعليم على عدة مستويات.

واعتبرت الدراسة أن التعاون بين المؤسسات التعليمية خيار فاعل وغير مكلف للتطوير المهنى للمعلمين إذا نظم تنظيما جيدا، خاصة أن الاهتمام يتجه بشكل كبير فى مجال التعليم إلى تنمية الرأسمال البشري. فأى مدرسة لا يمكن أن تنهض إلا بجودة معلميها، كما أن جودة التعليم والتعلم تعتمد على فاعلية المعلم، وهو ما يوجب أن يكون تحسين مستوى المعلم مسألة ذات اعتبار فى أى عملية تحسين للمدارس؛ غير أن كسب تطوير قدرات المعلمين ليس بالأمر الهين، إذ تشير دراسة البنك الدولى فى هذا الإطار إلى أن التحدى الرئيسى لتحقيق هذا المبتغى يكمن فى تعريف المعلمين على طرق جديدة ومختلفة للتدريس، ورؤيتهم وهم يعتمدونها بنجاح ليصبحوا أكثر فاعلية.

وتكمن صعوبة كسب هذا التحديد، وفق نفس الدراسة فى أن المعلمين الذين اعتادوا على القيام بالأشياء بطريقة معينة لبعض الوقت لا يمكن أن يتعلموا القيام بها بطريقة مختلفة إلا إذا توافرت لهم الأدوات اللازمة والدعم المؤسسى الكافي. ويشير البنك الدولى إلى أن أهمية التعاون بين المؤسسات التعليمية تكمن فى كون كل نظام تعليمى توجد به مدارس جيدة، يدرس بها معلمون جدد، وعندما يحدث التعاون تنتقل المعرفة بفاعلية بين المعلمين؛ وهو ما يفضى إلى تجويد النظام التعليمى كله، وهو ما نجحت مدينة دبى فى تحقيقه.

وما نجحت دبى فى تحقيقه لا تزال تتخبط فيه مجموعة من الدول العربية الآخرى، التى تعانى الكثير من المشكلات فى قطاع التعليم، العمومى خاصة، وعلى رأسها الاخفاق فى استقطاب شباب ذى كفاءة علمية عالية، يتم تكوينهم وتدريبهم باستمرار، ويتم تحفيزهم واعادة الاعتبار لدورهم التربوى واحترام كرامتهم وتحسين ظروف مزاولتهم للعمل من اجل تحقيق النهوض بأداء المدرسة بمختلف مكوناتها وتحسين مردوديتها وإنجاح إصلاحها.

وفى الواقع فأغلب من يتم توظيفهم، فى التعليم العمومي، لا يخضعون لتكوين كاف يتناسب مع طبيعة وأهمية دورهم فى إعداد الاجيال (فى المغرب مثلا يخضع المعلم لتكوين لمدة سنتين دراسيتين بعد تخرجه من المرحلة الثانوية) ولا يستفيدون من تدريب مستمر لتحقيق مقتضيات التطور فى المهارات، وتعزيز الخبرات، وتنمية أفقها وقدرتها على توظيف أساليب التدريس الحديثة فى المدرسة، بل هم فى الغالب يفتقرون اللتدريب والدافع والامكانيات اللازمة، ومنهم من يعتبر وظيفته مجرد فرصة للحصول على مصدر أجر شهرى بأقل مجهود ممكن.

لكن مع التغيرات السريعة، خلال العقود الأخيرة، فى مجالات التقدم العلمى والتطور التكنولوجي، وكل ما واكبها من تغيرات مذهلة فى وسائل الإنتاج، لم يعد إصلاح التعليم وتأهيل المعلم ترفا، بل أصبح ضرورة حتمية لمواكبة التغيرات فى العالم، بعدما أصبح الهدف من التعليم ليس فقط تلقين التلميذ المعرفة، بل تعداه إلى ضرورة إكسابه المهارات والقدرات والاعتماد على الذات ليكون قادرا على التفاعل مع تحولات عصره. ومن ثم فقد تغيرت وظيفة المعلم وأصبحت تتطلب ممارسة القيادة الواعية، والبحث والتقصى وبناء الشخصية المبتكرة والمبدعة، كما باتت تتطلب منه قدرات ومهارات فى فن التدريس والإرشاد.

فالنظرة التقليدية الى المعلم باعتباره ناقلا للمعرفة قد تغيرت وتحولت الى دور أعمق كميسر ومرشد للعملية التعليمية وطاقة إنسانية قادرة على تهيئة بيئة التعلم للمتعلم والانتقال من عالم التعليم القائم على التلقين والحفظ الى عالم التعلم القائم على التعلم الذاتى وتنمية قدرات المتعلم نحو الإبداع والابتكار والسعى لتحصيل المعرفة من خلال مصادر التعلم المختلفة.

لا بد من الاقرار بأن أى جهود تبذل لإصلاح أى جانب من جوانب المنظومة التعليمية لا يمكن ان تأتى بالنتائج المنشودة ما لم تبدأ أولا بإعداد جيد وتكوين يليق للمعلم. فالمعلم هو حجر الزاوية، فى أى مساع لإصلاح وتطوير التعليم، وهو الركيزة الاساسية فى تطوير المنظومة التعليمية وتحقيق خطط التعليم، ورسم السياسات المؤثرة فى مسار تطور وتقدّم العملية التعليمية برمتها، وتحقيق بيئة تعليم تفاعلية، وتنشئة أجيال مهيأة فكريا وعلميا، وهنا تكمن أهمية تدريب هذا المعلم باستمرار والاستثمار فيه، وتطوير ادائه وإمكاناته ومهاراته المهنية.

اذا كنا نؤمن فعلا بأنه أفضل أداة يمكننا من خلالها رسم مسارات حيوية جديدة لأوطاننا ومجتمعاتنا٬ وأن له مكانة مركزية فى مسيرة بناء كل الدول، إذ يمثل منطلقا وقاطرة لكل المشاريع والبرامج التنموية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فالتعليم فى اغلب بلداننا العربية يحتاج، اليوم واكثر من أى وقت مضي، الى كوادر تربوية مؤهلة وملهمة للطلبة، تمكنهم من امتلاك مهارات العصر، وتكون قادرة على تحويل التحديات إلى فرص لإنشاء جيل مبدع ومبتكر.


لمزيد من مقالات وفاء صندى

رابط دائم: