الخميس 9 من شوال 1440 هــ 13 يونيو 2019 السنة 143 العدد 48401

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العقل المذهبى والطائفى وأزمات بناء الدولة فى العالم العربى

أحد أبرز إستراتيجيات الهيمنة الرمزية للعقل السياسى المسيطر لدولة ما بعد الاستقلال فى العالم العربى تمثل فى تمجيد الشعب، ووصفه بالقائد والمعلم والسيد وغيرها من النعوت السياسية العامة وشبه الإطلاقية التى تتعامل مع الشعب بوصفه كتلة اجتماعية متجانسة وهلامية وغير محددة التضاريس الطبقية، وذلك لستر عمليات التمييز السياسى بين هذه الكتلة التى يشوبها الغموض، وبين من هُم أعداء الشعب من بعض المعارضات السرية أو العلنية التى يمكن فصلها عن الكيان الكبير المعلم، ومن ثم يتم إخضاعها للمساءلة، والمحاكمات، والاعتقالات والسجون أيا كانت انتماءاتها السياسية، وهو ما حدث فى العراق وسوريا والسودان والجزائر وليبيا، وغيرها من البلدان والأنظمة التسلطية والشمولية التى سادت منذ الاستقلال.

مديح الشعب كان يخفى وراءه التركيبات الاجتماعية الانقسامية، والولاءات إلى المكونات الأولية من القبائل والعشائر والعائلات الممتدة، والنزعات المناطقية، والاختلافات الدينية والمذهبية واللغوية والقومية فى بعض البلدان، وذلك لتسويغ إستراتيجيات بوتقة الصهر من خلال السياسات الأمنية والدينية والإيديولوجية التى رمت إلى فرض شرعية الإجماع القسري، وسيطرة النخبة الحاكمة وأصولها الدينية والمذهبية والمناطقية وقواعدها القبلية والعائلية الممتدة، وذلك فى غالب الحالات المجتمعية التى لم تتوافر فيها الشروط التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التى تشكل نموذج الدولة الأمة، أو شبه الأمة كما فى الاستثناء التاريخى المصرى والمغربي.

من هنا ظل الطابع التحيزى للعقل السياسى المذهبى والطائفى العملى المسيطر فى هذه الأنظمة، يدور حول الانحياز للولاءات الأولية التى ينتمى إليها، فى سياسات التوزيع، وفى بعض تركيبة بناء القوة، وفى عمليات التجنيد لأجهزة الدولة الأمنية، وفى بعض التشكيلات الحكومية, تركيبة الوزارات المتعاقبة, بل وتداخل منطق القرابة الصداقات فى مثل هذه الاختيارات التى وسمت قيادة هياكل القوة السياسية فى عديد من البلدان العربية ما دون الدولة / الأمة، أو شبه الأمة، على نحو أدى إلى فوائض متراكمة من الإحساس والوعى شبه الجمعى بالحيف السياسى والتمييز إزاء المكونات الاجتماعية التى تتشكل منها هذه المجتمعات.

من هنا بدا لدى هذه التشكيلات الأولية أن الدولة/ النظام، تبدو وكأنها بناء رمزى مغاير لها، وأن الدولة ضد المجتمع بجميع مكوناته الواسعة، على نحو ما ظهر فى انقسام السودان إلى دولتين فى الشمال والجنوب، وإلى مشكلات اندماج فى عديد من مناطق الشمال فى دارفور، وشمال كردفان وجبال النوبة، وقبائل البجا فى شرق السودان، وذلك كنتاج للعقل السياسى العرقى والديني, من حيث آليات وعمليات تفكيره السياسى منذ الاستقلال، الذى اعتمد على قواعده الاجتماعية ممثلة فى القبائل السودانية الشمالية الرئيسة: النوبة, الحلفاوين, والمحس وسكوت ودناقلة والشايقية والجعلية والشكرية وتحديدًا قبائل الوسط النيلى التى ترفع لواء الهوية العربية الإسلامية.

نمط من التشكيلات القبلية التى تداخلت فى تكوين النخب السياسية والحاكمة منذ الاستقلال فى ظل ثنائية الحكم المدني، ثم العسكري، وهكذا فى ظل إعادة إنتاج سياسى مستمر للأزمات الهيكلة لسياسة الاندماج الوطني، لاسيما فى ظل إيديولوجيا دينية وسياسية استمرت لمدة ثلاثين عاما ولا تزال، اعتمدت على التمييز العرقى والقبلى والمناطقي، وإعادة إنتاج الانقسامات الأولية، بقوة أجهزة القمع وفشل سياسات التنمية والتكامل الوطني.

انكشف العقل السياسى المذهبى فى العراق مع انهيار الدولة فى العراق عقب الغزو الأمريكي، وبناء نظام المحاصصة المذهبية والقومية الذى أسسه بريمر، وكرس العقلية المذهبية والقومية, سنة وشيعة وأكراد, وأدت إلى تداخلات إقليمية - إيرانية - فى بناء الولاءات المذهبية، وفى تشكيلات القوة الداخلية، وذلك من خلال إعادة إنتاج مجدد للتمييزات الطائفية/ المذهبية والمناطقية، فى عمليات التوزيع والمشروعات الإنمائية.. إلخ.

العقل المذهبى والطائفى السياسى المسيطر فى بعض البلدان العربية، يبدو عقلاً لا تراكمياً يدور حول القوة، وإمكانات السيطرة الفعلية، دون استيعاب لميراث من التجارب السياسية والتنموية الفاشلة، والأسباب التى أدت إلى إخفاقها فى ظل الجمود النخبوي، وأزمات بناء الدولة، والعجز عن بناء التكامل والتوحد القومى من خلال سياسات التنمية والتوزيع والمؤسسات السياسية التمثيلية الفاعلة، التى تعكس المكونات الأولية، وتعبر عن مصالحها ورؤاها، ومن ثم تشكيل موحدات وطنية تتجاوز الانقسامات الأولية، وتعبر عنها فى أطر سياسية جامعة.

من ناحية ثانية: يدور العقل السياسى الدينى والمذهبى والقبلى وسواه حول ذاته دون مراجعات إلا استثناء، ومن ثم لا يتجاوز تمركزه حول الذات الأولية إلى الإقليم والعالم. غالب العقل المذهبى والقبلى والمناطقي، لا يستفيد من فشل الآخرين فى تعظيم أدوات القمع الداخلي. هذا النمط العقلى المذهبى والقبلى والعشائرى أحادى البعد، لا يميل إلى النقد الذاتي، وإلى تجاوز تمركزاته الأولية، ولا ينظر إلى تجارب التنمية الناجحة فى العالم، فى دول ومجتمعات عاشت انقسامات داخلية، وأنظمة قمعية، وتجاوزت مشكلاتها الأساسية، فى الصين، وكوريا الجنوبية.

عقل تابع لتحالفاته الغربية، والإقليمية، ولا يقتصر فقط على السلطات السياسية الحاكمة فى بعض الدول العربية، وإنما يمتد إلى بعض الفاعلين الإقليميين دون الدولة على نحو ما يظهر فى الحوثيين من جماعة أنصار الله اليمنية، وغيرهم، حيث يذهب العقل المذهبى والطائفى إلى اتباع سياسة الحليف الإقليمى من دول الجوار الجغرافى العربي، ورفض أى محاولات للسعى إلى تسوية خلافاته وصراعاته الداخلية مع نمط آخر من العقل القبلى التابع، وتستمر الحرب الأهلية، وشلالات من دماء الشعب التى ينطق باسم شرعية تمثيله له سياسيًا دونما تفويض حقيقى، سوى قوة السلاح والقهر.


لمزيد من مقالات نبيل عبدالفتاح

رابط دائم: