السبت 20 من رمضان 1440 هــ 25 مايو 2019 السنة 143 العدد 48382

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الأهرام» يدق ناقوس الخطر.. مقابر «الإمام الشافعى» تغـرق فى «الصرف الصحى»

تحقيق ــ حمادة السعيد
تصوير - أحمد عارف
آثار المياه الجوفية واضحة على جدران المقابر

  • المياه تهدد 38 أثرا تاريخيا مسجلا

  • محافظة القاهرة: بدء مشروع لمعالجة ارتفاع نسبة المياه فى بحيرة عين الصيرة

  • الآثار: نسعى لضم مجموعة من الأضرحة إلى الأوقاف لحمايتها قبل انهيارها

  • الأهالى: كاميرات المراقبة منعت انتشار البلطجية والخارجين على القانون

 

 

تعد منطقة مقابر الإمام الشافعى القريبة من قلعة محمد على من أقدم المقابر فى مصر والمعروفة بـ (القرافة ) الصغرى،حيث تضم بين جنباتها مساجد وأضرحة ومبان قديمة وفى مقدمتها مسجد وضريح الإمام الشافعى، والليث بن سعد، والصحابى الجليل عقبة بن عامر، وضريح أبى ذر الغفارى، ورغم أهمية المنطقة التاريخية إلا أن مياه الصرف الصحى تغرق هذه المقابر، وهو ما دفع عدد من سكانها للبحث عن مكان آخر تاركين أحواشها ..والبعض الآخر من أصحاب المقابر قاموا بتجديدها، بينما يظل الباقى غارقا فى المياه سواء الجوفية أو الصرف، أما رجال الآثار فيسابقون الزمن للحفاظ على المكان وفقا للإمكانات المتاحة.

«الأهرام» قام بجولة بالمنطقة، ورصد مايحدث على أرض الواقع، وتحدثنا مع جميع الأطراف محافظة القاهرة، ووزارة الآثار، والأهالى 00 فماذا كانت ردودهم؟

قبل الدخول فى التفاصيل نشير إلى أن منطقة الامام الشافعى تقع فى نطاق حى القلعة، ومن الغرب نجد منطقتى عين الصيرة والفسطاط، وكما يروى الحاج سيد السودانى - 92 عاما - من أقدم سكان المقابر- يقول : اصطحبنى والدى للقاهرة واتخذ من منطقة السيدة سُكينة مقرا له وكان له هيبته،ومع الوقت صار معلما للقرافة، وبدأنا نتعلم منه حرفة العمل بالمقابر من حفر وبناء، وأنجبت عددا من الأولاد والبنات، ولكن مع تقدمى فى السن أصبحت عاجزا عن الكسب، وأقيم مع ابنتى وحفيدتى معتمدا على معاش الضمان الاجتماعي..وطالب بالتدخل لحماية هذه المنطقة.

مشكلة تسريب المياه

وحول ازمة غرق المنطقة يقول ماهر حماد - 59 عاما - إن المياه بدأت تظهر فى المكان منذ نحو 20 عاما فى بعض المناطق الغربية من القرافة، خاصة بعد التوسع فى بناء منطقة الفسطاط حيث بدأت المياه تعلو فى منطقة المقابر، كما كان يوجد محجر بمنطقة الخيالة يجاور عزبة خير الله الموجودة أعلى الجبل بجوار منطقة المقابر،وبعد التوسع فى البناء وعمل (الطرنشات) بدأت المياه تتسرب داخل الجبل، ومنها إلى المحجر، وبمرور الوقت اجتاحت المنطقة من ناحية الشمال، ثم بدأت المياه تتسرب من منطقة مساكن أبو السعود حتى امتلأت البحيرة الموجودة غرب منطقة المقابر، ورغم وجود صرف صحى بمنطقة عزبة خير الله ومساكن أبو السعود، فإن المياه ظلت فى تزايد،مما يدل على وجود خلل فى الصرف نفسه.

سكان الأحواش

وبحزن شديد يقول فرج: أقيم مع ابنتى وحفيدتى داخل هذا الحوش الذى غمرته المياه بكثافة، فهرولت إلى منطقة الخليفة بحثا عن وحدة سكنية أقيم فيها خاصة أن المكان الذى أقطن فيه معرض للانهيار فى حين أن كثيرا ممن فى مثل حالتى حصلوا على وحدات سكنية أخري.

وأوضح عم فرج أن الحالة التى وصلت إليها الجبانة صعبة للغاية حيث ترتفع المياه لنحو متر، وهناك من يقوم بتجديدها وآخر تركها نهائيا واشترى فى مكان آخر .

اما سيدة محمد- إحدى سكان المقابر- فقد رسم الزمن والمرض على ملامحها كثيرا فتقول أقيم مع أسرتى فى هذا المكان منذ زمن حتى بعد زواجى لأنه ليس لنا مكان آخر وقد تعودنا عليه وصار جزءا منا، ونتنقل ما بين الأحواش بسبب المياه التى أصابتنا بالكثير من الأمراض .

قانون المقابر

أحد السكان - طلب عدم ذكر اسمه - قال إن هناك قانونا عرفيا يحكم العمل بالمقابر،وكل منطقة لها مسئول عنها يعرف بالمعلم، ولا بد من توافر شروط فيه أهمها شبكة المعارف والعلاقات حتى يستطيع أن يفرض سطوته،مضيفا لا يتم البيع أو الشراء للمقابر إلا بمعرفته كذلك حتى لا تستباح حرمة المكان .

من الشخصيات المعروفة فى منطقة المقابر على التربي- 65 عاما - أكد أن كثيرا من سكان الأحواش تركوها لسوء حالتها منهم من سافر إلى مكان آخر واستطاع شراء شقة سكنية، وآخرون حصلوا على وحدات سكنية من الدولة ،ولذلك فمعظم المواطنين تركوها واصبحت مهددة بالسقوط فى أى لحظة، وهناك مقابر مسجلة ضمن الآثار وتغمرها المياه وفى أى وقت ستسقط وبعضها انهار فعلا، مطالبا بسرعة إنقاذ المنطقة كما حدث فى مجمع الأديان بمحيط جامع عمرو بن العاص.

أيضا تقابلنا مع أحمد إبراهيم - 63عاما - قال: أقيم فى هذا المكان منذ نصف قرن تقريبا بعدما تركت قريتى فى بنى سويف، وكنت أتنقل بين الأحواش حتى استقر بى الحال فى أحد الأحواش، لذلك قضيت حياتى كلها فى هذا المكان الذى لا أتخيل أن أعيش بعيدا عنه،كما أن تكلفة الحياة خارج المقابر لا يتحملها أمثالنا، فمن أين نأتى بأجرة سكن ومياه وكهرباء .

إحدى المقيمات بالمقابر أكدت أنها تعيش فى المكان منذ50 عاما حتى بعد زواج أولادها والانتقال الى مناطق أخرى، وتروى معاناتها قائلة : بعد ثورة 25 يناير كانت هناك عمليات سطو على سكان المقابر، وسرقتهم بالإكراه،مما جعلنا نعيش فى حالة رعب،ومع غروب الشمس لا نخرج للشارع بسبب انتشار الكلاب الضالة بصورة مرعبة فى المقابر إلا أن الوضع تحسن كثيرا وقامت الشرطة بتركيب كاميرات للمراقبة بمعرفة السكان منذ 4 أشهر، مما أدى إلى الحد من البلطجة والسرقة.

وتتفق معها أم مريم 65 عاما - وتضيف أعتمد على معاش الضمان الاجتماعى وأسكن فى هذا الحوش مع أولادى منذ وفاة زوجى قبل نحو 30 عاما ورغم ما كنت أسمعه من الناس عن مشكلات المقابر، ومايحدث فيها،لكن لم يحدث لنا أى مكروه.

مسجد الإمام الشافعى مهدد

وفى شارع الغفارى التقيت بخادم المسجد الشيخ سعيد عبد اللطيف - 58 عاما - الذى يقيم فى منطقة مقابر الإمام منذ مولده وقال إن المسجد تم افتتاحه بعد ترميمه منذ 10 سنوات ولكنه يعانى الرشح وانتشار المياه الجوفية ويحتاج لسرعة استكمال مشروع الترميم لمنع تسريب المياه إليه، كما أن الشارع الرئيسى يعانى الضغط الشديد عليه ويحتاج لرصفه وتأهيله بصورة جيدة لخدمة المارين بالمنطقة .

ويتدخل أحد رواد المسجد قائلا : إن مشروع بيارات شارع عقبة بن عامر توقف منذ 6 سنوات،رغم إنفاق ملايين الجنيهات عليه، وتعرضت هذه البيارات للتهدم والردم من جديد مما يتطلب التحقيق فى ذلك .

الأثرى محمد سعيد - مدير منطقة آثار الإمام الشافعى والسور - قال : إن جبانة الإمام الشافعى تضم بين جنباتها نحو 38 أثرا تاريخيا مسجلا فى تعداد الآثار الإسلامية والقبطية، وأول تسجيل كان فى عام 1951 بداية بمسجد وضريح الإمام الشافعى، وهناك مشروع لترميمه ترميما شاملا، وكذلك هناك مشروع منفصل لترميم القبة بتمويل من السفارة الأمريكية، نظرا لوجود عدد من مدارس العمارة فيه وحوله عدد من محبيه وتلاميذه، وكذلك ضريح ومسجد الليث بن سعد، وقد انتهينا من أعمال الترميم وتم افتتاحه فعليا منذ 10 سنوات، وكذلك مدافن عائلة محمد على والمعروفة بمدافن العائلة المالكة وتعرف بين الأهالى بحوش الباشا،وهى تحفة معمارية نادرة، وهناك عدد كبير من الأحواش والمدافن التاريخية لحاشية محمد على وكبار الدولة،وهى فى حوزة وزارة الأوقاف، وهناك محاولات لضمها للآثار لتفردها فى فنون العمارة، وللحفاظ عليها. وأضاف مدير الآثار: ومن أخطر ما تعانيه المنطقة هذه الأيام المياه الموجودة وسببها بحيرة عين الصيرة، خصوصا بعد إنشاء المتحف القومى للحضارة، وكذلك وجود تسريب من منازل الأهالى بعدما تضاعفت أعدادهم بالمنطقة فى الفترة الأخيرة، وهناك أجزاء بالفعل انهارت من ضريح الإمام الطحاوى، والمنطقة تحتاج لمشروع قومى لتخفيض منسوب المياه، تتعاون فيه الوزارات حتى يتم إنقاذها.

انتشار القباب

الأثريان عمرو مصطفى وحجاج بكر المفتشان بوزارة الاثار أكدا أن المقابر كانت ولا تزال مكانا للاحتفالات، حيث تحرص الأسر على الخروج إليها فى الأعياد وهذا من أسباب اهتمام الحكام والأمراء والسلاطين بها، وهناك مشهد الجيوشى الموجود أسفل جبل المقطم وقد أقامه القائد بدر الدين الجيوشى فى العصر الفاطمى فى مكانه كى يتمكن من مشاهدة الناس فى أثناء احتفالاتهم فى الأعياد بالقرافة.

وعن أسباب انتشار القباب فوق المدافن قال مفتشا الآثار: هناك حرص من الأهالى على بناء قبة للإشارة إلى وجود أحد المشايخ أو الصالحين مدفونا فى المكان،اعترافا بفضله ومن هنا جاء المثل المشهور «تحت القبة شيخ».

مشروع للمعالجة

وباعتبار محافظة القاهرة هى المسئولة محليا عن هذه المنطقة يقول اللواء إبراهيم عوض - المتحدث باسم المحافظة- : إن القاهرة بها مشروع يتم تنفيذه على عدة مراحل لمعالجة ارتفاع المياه فى بحيرة عين الصيرة وانعكاسها على هذه المنطقة، وقد تمت المرحلة الأولى بتعلية الطريق الفاصل بينهما، وكذلك تقوم شركة الصرف الصحى بعمل معالجة للمشكلات الموجودة، وبخصوص سكان المقابر فإن هناك مشروعا تم تنفيذ جزء منه لمنح المستحقين وحدات سكنية وهناك من يرفض ترك المنطقة لارتباطها بعملهم.


آثار المياه الجوفية واضحة على جدران المقابر

وأضاف مصدر بالمحافظة - طلب عدم ذكر اسمه - أن المشروع يقضى بنقل سكان المقابر، وتم عمل كل الدراسات اللازمة له بمشاركة كل الجهات المعنية،وبدأ بنقل تدريجى لسكان المقابر عموما، لما تحويه من كنوز أثرية متمثلة فى البنايات والقباب وتصدع بعضها، وكان تسكينهم بمدينة السلام، بينما الباقون عادوا لأماكنهم لقربها من جميع المصالح وارتباطهم بها ومنهم من باع هذه الشقق أو قام بتأجيرها أو تركها لأولاده .

التنسيق الحضارى

وأكد المهندس محمد ابوسعدة رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضارى أنه منذ عام 2010 تم وضع مشروع لإنقاذ الجبانات من خلال عمل دراسة موسعة ومسح ميدانى موثق لمدافن ومقابر القاهرة وطرزها المعمارية، بعنوان «التنسيق الحضارى ينقذ المدافن»، وبدأنا فى دراسة مقابر القاهرة بهدف تحديد ذات القيمة المتميزة منها طبقا لقانون 144 لسنة 2006، والمقابر المسجلة كأثر وفقا لمعايير قانون 117 لسنة 1983، فى محاولة لوضع حدود واشتراطات لحماية مناطق الجبانات ذات القيمة المتميزة بالقاهرة لاعتمادها من المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية حتى يتم حمايتها والحفاظ عليها .

وأشار أبوسعدة إلى أنه تم تقسيم المشروع لعدة مراحل، المرحلة الأولى كانت عبارة عن مسح استكشافى، وتم حصر13 منطقة أعدت لها الصور و قاعدة البيانات، ثم المرحلة الثانية التى تم تصنيف المقابر فيها حسب القيمة المتميزة معماريا أو كونها تخص شخصيات مهمة أو ذات قيمة أثرية ومسجلة كأثر، أو ذات قيمة أثرية وغير مسجلة، وتم وضع نماذج لثلاث مناطق،وهى جبانات الإمام الشافعى والمماليك وعين الصيرة ثم المرحلة الثالثة وجار إعداد كتاب مصور به كل ما تم جمعه من تفاصيل، لإعداد معرض للمشروع يتضمن المادة العلمية المتوفرة لدينا.

وكشف مصدر بالتنسيق الحضارى أن فريق العمل فوجئ بأن الجبانات ليس لها حدود على خريطة القاهرة للتنمية العمرانية، و أن كل منطقة من المقابر لها طابع خاص يميزها عن باقى المقابر مثل العديد من الأضرحة ذات القباب، وأخرى تنتشر بها الحرف اليدوية، وبعضها بها مساكن داخل المقابر، كما لاحظ فريق العمل وجود العديد من التعديات لكنها رغم ذلك تمثل ثروة كبيرة من عمارة الجبانات والمقابر ذات القيمة المتميزة وكثير منها غير مسجل ومهدد بالاندثار.

الدكتور محمد أبو رحاب - رئيس قسم الآثار بكلية الآداب جامعة أسيوط - قال : إنه رغم أهمية المنطقة فإنها تعانى الإهمال وارتفاع منسوب المياه الذى يهدد هذه المبانى العريقة إلى جانب وجود بعض الممارسات مثل تعاطى المخدرات والسرقات التى تحدث لها رغم أن هذا التراث يجب أن يكون موردا ومزارا سياحيا .

وأشار إلى أن قرافة الإمام الشافعى لها أهمية تاريخية وأثرية كبيرة، وضريحه من أكبر الأضرحة فى مصر، فمنذ قدومه مصر نزل عند ابن عبد الله بن الحكم الفقيه المصرى وظل حتى وافته المنية ودفن بمقابرهم .

نشأة الجبانات

الدكتور مجدى علوان - استاذ الاثار ووكيل كلية الآداب بجامعة أسيوط قال: هناك (قرافتان) أثريتان بالقاهرة تحويان كثيرا من الآثار الشاهدة على عصور زمنية من فنون العمارة الأولى،، قرافة المماليك وهى القرافة الكبرى، والمقصود بالقرافة الجبانة الكبرى لموتى المسلمين،وكانت القرافة من معالم الفسطاط، أما الأهالى فظلوا يدفنون موتاهم فى مقبرة الفسطاط، وبعد اضمحلال الفسطاط طغت المقابر على مساكن خطة المعافر إلى أن خلت تدريجيا من ساكنيها،، ومن هنا أطلق اسم القرافة على المدافن بتلك الجهة أولا، ثم عمَّ الاسم سائر المدافن وعرفت باسم القرافة الكبري.

وفى العصر الأيوبى أنشئت حول قبة الإمام الشافعى -رضى الله عنه- قبور أطلق عليها »القرافة الصغري«، وتضاءل الدفن بالقرافة الكبرى إلى أن عاد إليها فى أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وأخذ الناس يدفنون موتاهم بعد عام 700هـ/ 1300م، تحت سفح المقطم، ثم انتشرت القرافات فى شرقى القاهرة وفى شمالها بين منطقة باب الوزير وباب النصر إلى باب شرقى باب الحسينية ومنها إلى منطقة العباسية الشرقية حاليا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    محمود يوسف محمد عليِ
    2019/05/25 07:38
    0-
    1+

    لاحول ولاقوة إلا بالله
    دق زي ما إنته عايز,لا حياة لمن تنادي.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق