الجمعة 19 من رمضان 1440 هــ 24 مايو 2019 السنة 143 العدد 48381

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الرواية التفاعلية فى الميزان

د. محمود الضبع

بدأ الاهتمام النقدى بالرواية التفاعلية أو النص التشعبى فى أخريات الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، وصدرت فى ذلك كتب عديدة، منها نظرية النص التفاعلى «Hyper text theory» لـ «جورج لاندو»، وفضاء الكتابة «writing space»، لـ «ديفيد بوتلر»، ومقالات عديدة منها ما نشره مارتن رايدر، ومن تلاهم.


وعلى غير العادة، وربما لتطور وسائل الاتصال، تزامن الوعى العربى مع الغربى، فقد عرض نبيل على للأمر فى كتابه «العرب وعصر المعلومات» الصادر فى تسعينيات القرن الماضى، ثم جاءت كتب حسام الخطيب «آفاق الإبداع ومرجعيته فى عصر المعلوماتية»، ثم «الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع»، وأحمد فضل شبلول فى كتابه «أدباء الإنترنت، أدباء المستقبل»، وسعيد يقطين كتابه «من النص إلى النص المترابط» وهو محاولة تنظيرية للتعامل مع النص الإلكترونى مع ربطه بمستجدات نظرية «التناص»، وفاطمة البريكى فى كتابها «مدخل إلى الأدب التفاعلى»، وأخيرا كتاب سعيد الوكيل «من النص الرقمى إلى نص الحداثة الرقمية»، إضافة إلى مقالات عبير سلامة ومحمد سناجلة وسعيد الوكيل وأحمد فضل شبلول وحسن سليمان ومعظمها على الإنترنت.

وجميع هذه الكتب والدراسات والمقالات كان يدور حول ذلك الوارد الجديد «الكتابة الإلكترونية، والنص الإلكترونى» مع اختلاف المسميات بين: النص التفاعلى، النص المترابط، النص التشعبى، النص الإلكترونى، النص الفائق، النص المتفرع.. إلخ من المسميات التى تم اقتراحها أو المتوقع صياغتها على عادة الثقافة العربية فى الاختلاف حول المصطلح، إذ نادرا ما يتم استقرار مصطلح فى الفكر النقدى العربى منذ القرن العشرين.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى منح درجات علمية (ماجستير ودكتوراه) فى الجامعات العربية حول النص التفاعلى والنص الرقمى والرواية التفاعلية والنص الإلكترونى.. إلخ.

والسؤال:

هل تشكل بالفعل اتجاه للكتابة الرقمية أو التفاعلية وأصبح له وجود عبر الشبكة المعلوماتية بما يجعلنا نستطيع التواصل معه أو نتفاعل معه بمنطق لغة المروجين له؟

هل توجد بالفعل نصوص رقمية أو تفاعلية تمثل الجانب التطبيقى لهذا التنظير العظيم والسباق الذى أسس لهذا النوع من الأدب قبل وجوده بالفعل؟

هل هناك احتمالية شبهة أن يكون المقصود بالنص الرقمى فى وعينا العربى بأنه النص المكتوب عبر أحد برامج الكتابة الإلكترونية (word, pages, html,..etc)، وليس المقصود به النص المترابط التفاعلى كما حاول الغرب أن يؤسس له ولم تكتمل نماذجه حتى الآن هناك؟

والأهم:

هل نحن نتحدث عن أدب رقمى وأدب تفاعلى بمعنى أنه رقمى أو تفاعلى التقنية والموضوع بالمفهوم العالمى، أم نتحدث عن خطابات تفاعلية فى القصة والرواية والشعر على مستوى الموضوع الأدبى؟

وهل يمكن للنقد المتخصص أن يقدم لنا قائمة بروايات رقمية أو تفاعلية بخلاف محاولات محمد سناجلة فى روايتيه شات وصقيع، وعبدالواحد استيتو فى رواية طنجيو؟

وهل قرأ النقد بالفعل هذه النصوص الأدبية المسماة تفاعلية وبالتالى يستطيع الحكم عليها مطمئنا بأنها كذلك (أى أنها نصوص أدبية يتحقق فيها المعيار الأدنى لكونها نصا أدبيا ولو بمفهوم الأدبية، وأنها تحتكم لحبكة سردية مثلا أو خيال شعرى يستقبله المتلقى ويتفاعل معه أدبيا)؟

ومن المعروف أن:

التفاعلية تقتضى تركيزا على العنصر الثالث من عناصر عملية التواصل (المرسل والرسالة والمتلقى أو المستقبل)، إذ يكون هو المتحكم فى صياغة النص وتحديد مساراته، ويتحول دور المؤلف (الذى ظل سنوات محتكرا ومهيمنا على مصائر الأشخاص) إلى منسق وميسر coordinator, facilitator يطلق الشرارة الأولى، ويتابع مسارب الحكى، ويتدخل بوصفه واحدا من المتلقين وليس بوصفه متحكما، ويعود ليطلق حركة سردية جديدة.

المتحدثون عن الأدب الرقمى والأدب التفاعلى فى ثقافتنا العربية يتكلمون بمنطق المبشرين.. لماذا؟

يبدو أن أزمة النقد المعاصر وانغلاقه على الأكاديمية المنهجية التى لم تعد صالحة للتداول العام من جهة، وعدم قدرته على مواكبة أو فهم تيارات الكتابة المتعددة الراهنة فى غرامها بالتجريب وسعيها وراء انفتاح النص من جهة ثانية، يبدو أن ذلك ما جعل بعض النقاد يختارون الطريق الأيسر بالبحث عن خروج من المأزق الضيق، وكان الرهان على الأدب الرقمى والتفاعلى هو المخرج، إذ إنه سيحقق سبقا لحجز مقعد وثير فيما هو قادم، وسيقدم خطابا متسعا يمكن لهم الإسهام فى التنظير لأبعاده من جهة ثانية.

ويبدو أنه كان موقفا متعجلا بعض الشيء ربما لمواكبة سرعة وتطور التكنولوجيا نفسها وعدم انتظارها لمن سيتوقف قليلا ليتأمل.. لماذا؟

لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث المستقصى احترازا من الوقوع فى بعض المشكلات ومنها:

الخطأ فى المفهوم الذى يبدو أنه ناتج عن اختلاف الثقافات بين الغرب والشرق، بين الغرب المنتج للتكنولوجيا والمهتم بمحو الأمية التكنولوجية، وبين الشرق المستهلك للتكنولوجيا والمعنى بمحو الأمية القرائية، وما يترتب على ذلك من اختلاف فى الوعى وطرق تداول الأدب والفكر والثقافة.

إغفال وإزاحة حركات تجريب أخرى عديدة (شكلية وموضوعية) شهدتها وتشهدها الرواية العربية والسرد العربى عموما، وبخاصة ما يتشاكل مع السينما ويحاكى العولمة، أو ما يمزج بين السينما والمسرح والسرد والفنون السبعة عموما، أو ما يعبر حدود الأنواع الأدبية إجمالا ليتشاكل مع حقول معرفية بعيدة مثل الفيزياء وبخاصة فيزياء الكم، والكيمياء والعلوم البينية.. إلخ.

الخلط فى المفاهيم بين الخطاب التفاعلى والأدب التفاعلى (ومنه الرواية) من جهة، وبين النص الرقمى والنص المتحدث عن الرقمية (التكنولوجيا ببرمجياتها وأبعادها) من جهة ثانية.

فكيف نرى الأعمال الأدبية التى يكون موضوع الحكى فيها هو التكنولوجيا وتطبيقاتها مثل روايات حارس الفيس بوك، وكل أسبوع يوم جمعة، وإيميلات تالى الليل، وحرية دوت كوم، وطنجيو.. إلخ؟

هل هذه الأعمال نصوص تفاعلية أم نصوص تتحدث عن التقنيات التفاعلية (التكنولوجيا وتطبيقاتها)؟

ألم يتميز أدب الخيال العلمى science fiction عن غيره من أنواع الأدب بموضوعه وخطابه؟ بالاعتماد على تطبيقات العلوم مع إضافة الخيال لما لا وجود له بعد (مثل حرب الكواكب، وآلة الزمن، وعبور الثقب الأسود.. إلخ)، ثم فى تطوره المعاصر تمثل فى روايات الزومبى والآفتار وما بعد الآفتار سوى أنها من باب الخيال العلمى.

واحترازا:

فإننا لا ننفى دور وأثر التكنولوجيا على الإبداع الأدبى، بل نؤكد أن التكنولوجيا تتحكم الآن فى آلية اشتغال عقل المبدع سواء على مستوى وسائط إنتاج النص (بالتشاكل مع التقنيات) وفتح باب التجريب على مصراعيه مما جعل الأديب ينتقل من فكرة الانتماء إلى مدرسة أو جماعة أو جيل إلى فكرة كونه مؤسسة فردية قائمة بذاتها لها الحق فى الابتكار والاختراع، أو على مستوى الجماليات الجديدة التى يتم إقرارها تبعا لذائقة التلقى وإن كانت لذلك مخاطره، أو على مستوى توسيع دائرة منتجى ومتلقى النصوص الأدبية كما هو حادث.

وإن كان المطلب فى ذلك جميعه هو محاولة الانطلاق من استقراء واقع النصوص لرصد حركة الأدب وبالتالى توقع أفق مستقبله، وعدم إغفال ظواهر أخرى لا تقل أهمية مثل المدونات والمنتديات الأدبية، وغيرها، وبمعنى آخر التأسيس لوعى عربى منطلق من واقع المنتج النصى العربى وليس انطلاقا من تنظير غربى تغريبى لا وجود لتطبيقاته على أرض الواقع.

وأخيرا:

هل يمكن النظر إلى التفاعلية على أنها إعادة إنتاج للنص عبر وسيط التكنولوجيا، مما يجعلها ستصدق على النصوص المنتجة حاليا، أو القديمة التى إذا وضعت عبر وسيط التكنولوجيا وسمحت للقارئ بالتفاعل معها وتغيير مساراتها وإعادة إنتاجها على مستوى التلقى؟

وماذا عن ورش عمل السيناريو التى تدخلت فى نصوص نجيب محفوظ لإعادة إنتاجها، مثل حديث الصباح والمساء، وأفراح القبة، وغيرها مما سمح لكتاب السيناريو بإعادة إنتاج النص عبر وسيط السينما، هل يدخل ذلك فى إطار التفاعلية، أم ماذا؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق