الجمعة 19 من رمضان 1440 هــ 24 مايو 2019 السنة 143 العدد 48381

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ملتقى القاهرة الدولى للإبداع الروائى العربى «2»

كان السؤال الذى كرره عدد من الصحفيين العرب والمصريين بعد إعلان فوز عبدالرحمن منيف بالجائزة الأولى لملتقى القاهرة للرواية العربية: ولماذا البدء بروائى عربي؟ وكانت الإجابة المنطقية أنه ليس من المعقول أن يكون الملتقى الأول للرواية الذى ينعقد فى بلد نجيب محفوظ إلا أن يكون عربيًّا، تأكيدًا للانتماء الثقافى للمجلس الأعلى للثقافة من ناحية، وللموضوعية التاريخية من ناحية موازية. وكانت النتيجة والإجابة عن الأسئلة المحيطة كافية لكى تقنع الكثيرين بجدية المسعى الثقافى القومى للمجلس الأعلى للثقافة فى مصر، وذلك ضمن الدائرة التى تصل ما بين الوطنى والقومى والعالمى فى الوقت نفسه، ولذلك كان الحضور المصرى موازيًّا للحضور العربى وللحضور العالمى على السواء.

...................

واستمرت أصداء الملتقى الأول للرواية العربية، فضلًا عن الحوارات حول نتائجه إلى ما لا يقل عن عام، حيث بدأنا الاستعداد للدورة الثانية من الملتقى الذى انعقد عام 2003، واستقر الرأى على أن يكــون عــنوان الملتقى الثانى هو عن العلاقة بين الرواية والمدينة من ناحية وبين اقتـــران صعــود الـــرواية - بمعناها الحديث - بصعود الطبقة الوسطى فى الوقت نفسه. وقد اخترنا إهداء الدورة إلى اسم المرحوم إدوارد سعيد الذى كان قد توفى سنة 2003، بعد أن ترك لنا من أعماله النقدية ما أدخل صوت الناقد العربى إلى المشهد العالمى النقدى كله، وذلك فى فعل موازٍ للفعل الذى قام به نجيب محفوظ على مستوى الإبداع الروائى. واستمرت أعمال الملتقى وجلساته على مدى أربعة أيام، وذلك فى الوقت الذى استمرت فيه أعمال لجنة التحكيم برئاسة الطيب صالح (وأذكر من أعضائها: فيصل دراج، وعبدالله الغذامى، ومحمد شاهين، ومحمود أمين العالم، وسيزا قاسم، وفريال غزول، وكان الدكتور حسين حمودة أمين سر اللجنة).

وبعد أن فرغ المؤتمر من أعماله العلمية وجلساته النقاشية وموائده المستديرة، جاءت الجلسة الختامية لإعلان اسم الفائز. ولعلى أُفشى سرًّا للمرة الأولى عن عمل اللجنة، فقد كان هناك ما يشبه الانقسام بين أعضائها فى الاختيار ما بين جمال الغيطانى وصنع الله إبراهيم. وقد سألنى الدكتور فيصل دراج عمّا إذا كان هناك حساسية عند وزير الثقافة لو مُنحت الجائزة لجمال الغيطانى، فأخبرته فى حسم أن فاروق حسنى ليس عنده أى نوع من الحساسية لأى اسم تنتهى إليه اللجنة، خصوصًا إذا تحققت له الشروط اللازمة للحصول على الجائزة. وأصدرت اللجنة حكمها بأغلبية الأصوات التى مالت إلى صنع الله إبراهيم ولم تمل إلى جمال الغيطانى. وقد عرضت الأمر على فاروق حسنى (وزير الثقافة فى ذلك الوقت) فرحب بالنتيجة، ولكنه طلب منى التروى وعدم إبلاغ صنع الله إبراهيم إلا فى اللحظة الأخيرة. ولكن تقديرى النقدى ومحبتى لصنع الله إبراهيم تغلبت على ما تعهدتُ به لفاروق حسنى، فاندفعت إلى محادثة صنع الله إبراهيم تليفونيًّا وإبلاغه بقرار اللجنة، وأذكر جيدًا أننى سألته عن اسمه الرباعى لكى يكتب الاسم كاملًا على الشيك الذى يحمل المكافأة المالية للجائزة، فأملانى صنع الله إبراهيم الاسم الرُّباعى، ولم يكن ظاهرًا عليه فى مكالمته لى سوى الاستجابة الودودة والترحيب بما أظهرته اللجنة من تقدير أدبى يستحقه صنع الله إبراهيم بالتأكيد.

ومضت الأيام إلى أن وصلنا إلى جلسة الختام، وكانت فى المسرح الصغير لدار الأوبرا المصرية، وأُعلِنت الجائزة كما أُعلِن اسم الفائز بها، وصعد صنع الله إبراهيم إلى حيث يقف أعضاء اللجنة والوزير وصافحهم جميعًا، وطلب أن يُلقى كلمة، وبالفعل وقف أمام الميكروفون وأخذ يُلقى بيانًا سياسيًّا حادا فى هجومه على ما رآه فسادًا فى الدولة واستبدادًا من الحكومة. وانقلبت البهجة فى الوجوه إلى نوع من الصدمة التى أحدثت استجابات متباينة منها ما كان مع صنع الله ومنها ما لم يكن معه. وبعد أن انتهى البيان وأعلن صنع الله رفضه للجائزة، وهو ما صدمنى فعلًا وجعلنى مندهشًا من تغير موقف الرجل وما بين حديثه الودود معى تليفونيًّا ومحاولته المضادة تمامًا على المستوى الفعلى، وهو الأمر الذى أصابنى بالدهشة وأعجزنى عن النطق. ولكن قبل أن يغادر صنع الله القاعة، اندفع فاروق حسنى إلى الميكروفون مُعقبًا على ما قاله صنع الله، بأن النظام السياسى الذى هاجمه هو الذى يسمح له بإعلان الرفض وبالتعبير الحر عن رأيه دون أن يتعرض له بالأذى أو بالتهديد أو إعادته إلى المعتقل كما حدث فى الستينيات. وانتهى الأمر عند هذا الحد، الذى كان نتيجة ميلودرامية غير ناجحة لمؤتمر كان ناجحًا بالدرجة الأولى. ومرت الأيام التى لم تخلُ من تنافس إعلامى يقف مع رفض صنع الله إبراهيم أو ضده على السواء. ولم يكن أمامى – وأنا المشرف على هذه الجائزة - سوى أن أستعد لغيرها الآتى بعدها بعامين، فمن عاداتى ألا يوقفنى فشل جزئى أو إحباط فى خطوة من خطوات مشروع أكبر وأهم من الأفراد. هكذا نسيتُ الموضوع محترمًا إنتاج صنع الله إبراهيم الإبداعى من ناحية، ومقدرًا كل التقدير إبداعه الروائى الذى أُكن له كل الإعجاب إلى اليوم من ناحية موازية.

ومرت الأيام وجئنا إلى عام 2005، حيث انعقد ملتقى القاهرة الدولى الثالث للإبداع الروائى العربى الذى أهدى دورته إلى المرحوم عبدالرحمن منيف الحاصل على جائزة الملتقى الأول. وتشكلت لجنة تحكيم برئاسة إدوار الخراط وعضوية جمال شحيد السورى ورشيد الضعيف اللبنانى وعبدالله الغذامى السعودى وفؤاد التكرلى العراقى ومحمد برادة المغربى ومحمود طرشونة التونسى إلى آخر أعضاء اللجنة التى انتهت إلى أن يكـــون الفائــز فى دورة عبدالرحمن منيف هو الأديب السودانى الطيب صالح. وقد ألقى الطيب صالح كلمة بليغة، رد الاعتبار فيها إلى الملتقى وإلى مسيرته الصاعدة. واستمر الملتقى بعد ذلك دون عواصف ومفاجآت. ولا أزال أذكر بعض جُمل الطيب صالح الذى حصل على الجائزة التى كانت بردًا وسلامًا على الحاضرين جميعًا، بقدر ما كانت كلمة توازى فى صراحتها وصدق نواياها القيمة الأدبية للطيب صالح نفسه.

وهكذا ننتقل من عام 2005 إلى عام 2008 الذى انعقد فيه ملتقى القاهرة الرابع للإبداع الروائى العربى تحت عنوان «الرواية العربية الآن». وكان العنوان يهدف إلى التغيرات الحديثة التى شهدتها الرواية العربية فى مطالع الألفية الثالثة من الميلاد، وهو عنوان فرض التعرض لروايات الحداثة وما بعد الحداثة وما تفرع عنهما من اتجاهات وتيارات. وكان من الطبيعى أن يكون الفائز بجائزة هذه الدورة هو الكاتب الروائى إدوار الخراط الذى يُعد – إلى جانب أدونيس- أبرز ممثل لتيارات الحداثة وما بعدها فى الرواية العربية. وكنتُ قد تركت أمانة المجلس الأعلى للثقافة لصديقى على أبو شادى - عليه رحمة الله - الذى لا بد أن أذكر له بالفضل أنه قد أضاف إلى ملتقى الرواية ملتقى جديدًا خاصًّا بالقصة القصيرة التى استعادت انتباه العالم إلى حضور هذا الفن القائم على الاقتصاد اللغوى، والذى لا يخلو قط من الكتابة المكثفة التى تختزل حدود الزمان والمكان فى لحظة واحدة أو لحظات قصيرة متتابعة. وكان الأمر طبيعيًّا فى السياق الزمنى الذى أدى إلى حصول الكندية آليس مونرو على جائزة نوبل فى القصة القصيرة عام 2013، وقد أسعدنى كل السعادة أن تنتهى لجنة التحكيم إلى اختيار المبدع السورى زكريا تامر (الهارب من استبداد الحكم السورى إلى المنفى الذى اختاره لنفسه فى إنجلترا)، ليفوز بجائزة الملتقى الخاص بالقصة القصيرة.

ولم يتوقف ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربى، فقد جاءت دورته اللاحقة عام 2010 لتشير إلى مستقبل الرواية العربية فى صيغة سؤال» «الرواية العربية.. إلى أين؟»، وقد كان المـرحوم على أبو شادى قد ترك أمانة المجلس الأعلى للثقافة، وأصبح الدكتور عماد أبو غازى الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، فأشرف على ملتقى القاهرة الخامس للإبداع الروائى، وهو المؤتمر الذى اختارت لجنة التحكيم فيه إبراهيم الكونى الروائى الليبى الأكبر الذى صنع فى الرواية العربية ما يمكن أن نسميه بأسطورة الصحراء وعوالمها.

ولا أذكر على وجه التحديد الأسباب التى أدت إلى توقف الملتقى لسنوات، لكن لحسن الحظ أنه عاد مرة أخرى عام 2015 ليقيم دورته السادسة عن «تحولات الشكل الروائى»، وليفوز بجائزة هذه الدورة الروائى الكبير بهاء طاهر - متَّعه الله بموفور الصحة والعافية - وكان من الطبيعى أن تنعكس الأحداث السياسية والتحولات الجذرية التى مر بها المجتمع المصرى منذ 25 يناير 2011 على الأنشطة الثقافية للمجلس الأعلى للثقافة، فترتبك مسيرة المجلس، وينعكس هذا الارتباك على انتظام انعقاد ملتقى القاهرة للإبداع الروائى. ولكن لحسن الحظ تأخذ الأمور مسيرتها نحو الاستقرار. ويتاح للمجلس الأعلى للثقافة أن يواصل نشاطه الثقافى وأن يعود إلى الملتقى حيويته فى دورة جديدة، هى دورة الطيب صالح التى اتخذت لنفسها عنوان «الرواية فى عصر المعلومات».

وكان هذا الاختيار طبيعيًّا ومنسجمًا كل الانسجام مع المتغيرات الإبداعية الموازية لتعاقب سنوات الثورة الهائلة لتكنولوﭽيا الاتصالات، وهو الأمر الذى أدى إلى تغيرات جذرية فى عوالم الإبداع الروائى وكيفية توصيلها إلى القراء، فضلًا عن التأثيرات الموازية فى عمليات الإبداع نفسها كمًّا وكيفًا. ويستوى الأمر كذلك فى كيفية إبداع الرواية أو كيفية صياغتها فى موازاة تقنيات كتاباتها واستقبالها التى لم تعد تتشكل بالطرق التقليدية المعتادة، خصوصًا بعد أن فرضت التكنولوﭽيا الجديدة للاتصالات حضورها على العملية الإبداعية، فضلًا عن تأثر العملية الإبداعية نفسها بهذه التكنولوﭽيا والإفادة من صعودها الرقمى، وذلك من منطلق أن الموازاة الإبداعية التى تصل بين الأدب والواقع، لا بد أن تتغير مع كل تغير يحدث فى الواقع. وهو أمر يعنى التفاعل بين الكتابة الإبداعية للرواية والتكنولوﭽيا الرقمية التى تسربت إلى كيفية كتابة الرواية من ناحية، ومتغيراتها التقنية من ناحية أخرى.

هكذا بدأ تولُّد مصطلح جديد هو «الأدب التفاعلى» الذى تُمثله أنواع جديدة من الكتابة الروائية. وقد بدأ ظهور هذا النوع من الكتابة على استحياء من خلال رواية إبراهيم عبدالمجيد «فى كل أسبوع.. يوم جمعة»، أو روايات واسينى الأعرج الأخيرة التى استخدمت فاعلية التناص فى أبعاده القرائية والسمعية والمرئية. وتطور الأمر إلى ما أصبح يسمى باسم «الرواية التفاعلية» سواء بالمعنى الذى يشير إليه المصطلح الأجنبى Interactive novel أو Hyper fiction وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا حول دلالة «التفاعلية الرقمية» فى مثل هذا النوع من القص، فإن حضوره الجديد قد أصبح يجذب الانتباه حوله، ويلفت الانتباه إلى الدور الذى يمكن أن يقوم به الحاسوب على مستويى إبداع الرواية وتلقِّيها فى آن.

هكذا سمعنا ورأينا عددًا من المحاولات العربية التى تسعى إلى خلق رواية رقمية من نوع جديد. وسواء انتسبت «الرواية التفاعلية» إلى شخص بعينه، كما فى حالة الكاتب الأردنى الشاب محمد سناجلة صاحب رواية «ظلال الواحد»، أو محاولة تأسيس مفاهيم نقدية لها كما حدث فى محاولة سعيد يقطين مع تحوله من النص إلى النص المترابط، فى «مدخل إلى جماليات الإبداع الروائى»، وذلك فى كتابه «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلى»، الذى يدعو فيه إلى فتح أفق جديدة للكتابة الروائية والكتابات الدائرة حولها فى آن.

وتختلف هذه التصورات الجديدة عن التصورات القديمة التى كانت تقتصر على اشتراك كاتبين فى كتابة رواية واحدة كما حدث فى حالة طه حسين وتوفيق الحكيم عندما اشتركا معًا فى فى كتابة رواية «أحلام شهر زاد»، أو عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا عندما اشتركا فى كتابة رواية « عالم بلا خرائط «. ولكن كل هذه محاولات أوَّلية وبسيطة جدًّا على طريق ما نسميه بالرواية التفاعلية التى تُشرك القراء مع الكاتب فى فعل الكتابة، أو تجمع المؤلف والمتلقين فى نوع جديد جدًّا من الكتابة القائمة على تفاعلات نصية بين الكاتب والقراء على السواء. ويعنى هذا كله أننا على أبواب ثورة رقمية جديدة فى الكتابة الإبداعية. وهى ثورة لم تتحدد ملامحها النهائية بعد. وليس علينا نحن النقاد أن ننحاز بالإيجاب أو السلب لهذه المحاولات، فكل ما نستطيعه هو المراقبة المتعاطفة التى تنتظر اكتمال الثمرة ونضجها، قبل أن نشبعها تحليلًا بالسلب أو الإيجاب. فالمستقبل الرقمى الخاص بعصر المعلومات الذى يحيط بنا حاليًّا هو مستقبل لا نعرف إلى الآن أبعاده ونهاياته على السواء.

وكان واضحًا من الجلسة الأولى لملتقى الرواية فى عصر المعلومات، أننا على أعتاب زمن جديد من الكتابة والقراءة على السواء. وهو أمر بعث الحيوية الخلافية بين الاتجاهات التى كانت موجودة فى المؤتمر. وبعضها لم يكن يُخفِى خوفه من المستقبل الآتى بما لا نعرفه أو نتوقعه، أما البعض الآخر، فكان متحمِّسًا للمستقبل، ولتغيير شكل الرواية كلها لكى تؤكد حضور «التفاعلية النصية» أو النص المتعالق Hyper text فى المستقبل.

ولم يكن يوازى هذا الخلاف فى الملتقى إلا بروز الصوت النسائى فى الجلسة الأولى. أعنى الصوت الذى كان يؤكد أن هناك انحيازًا ذكوريًّا فى منح جوائز الملتقى، والذى نادى بضرورة أن يتخلى الملتقى عن نزعته الذكورية وأن يختار روائية عربية لهذه الدورة، وذلك تقديرًا للدور الذى قامت به المرأة العربية والتى لا تزال تقوم به فى تطوير مسيرة الرواية العربية وضخ دماء جديدة وأفكار أجد فى شرايين الرواية العربية المعاصرة. وللأسف لم يتحقق هذا المطلب النسائى مع أننا رأيناه مسجلًا فى توصيات الملتقى الأخير. أما جائزة الملتقى نفسها فقد ذهبت إلى الروائى الفلسطينى يحيى يخلف.

والحق أن يحيى يخلف روائى يستحق التقدير، وهو صاحب مشروع سردى متكامل، بعيدًا عن تقديرنا النقدى لقيمة هذا المشروع، وبعيدًا عن المناصب السياسية التى تولاها يحيى يخلف، فهو كاتب فلسطينى رأت اللجنة أنه أجدر بالجائزة لهذا العام (2019). ولذلك فضلته على مرشحات عربية من مثل علوية صبح أو غيرها من القائمة القصيرة التى انتهت إليها اللجنة قبل إعلان الفائز لهذا العام. وفى تقديرى أن البعد السياسى قد تسرب إلى التقرير النهائى للجنة، بسبب الحمولات الرمزية القومية المقترنة باسم فلسطين، خصوصًا فى هذه السنوات التى نسمع فيها عن صفقة القرن التى يتبناها دونالد ترامب بوصفها حلًّا جذريًّا للصراع العربى الإسرائيلى فى صفقة لا أتوقع لها النجاح.

والحق أننى عندما كنت أستمع إلى مبررات لجنة التحكيم، وكان يقرأها الصديق محمد سلماوى رئيس اللجنة، كنتُ أسترجع فى ذهنى كلمات التقرير الأول الذى استمعت إليه منذ عشرين عامًا عن اختيار عبدالرحمن منيف للجائــزة، ولكـــــن مــــا أبعد المســــافة بيــن تقريـر عبدالرحمن منيف (1998) وتقرير يحيى يخلف (2019)، بل ما أبعد الفارق بين الوجوه التى لا أزال أذكرها سنة 1998 والوجوه التى أراها أمامى سنة 2019، فقد غابت وجوه كثيرة عن الحضور بعد أن دخلت فى عالم الغياب، فلم يعد هناك نجيب محفوظ أو غائب طعمة فرمان أو جبرا إبراهيم جبرا أو محمد زفزاف أو محمد شكرى أو عبدالرحمن منيف نفسه، كما غاب محمود المسعدى التونسى والطيب صالح السودانى والطاهر وطار الجزائرى وخيرى شلبى المصرى، ومعه إبراهيم أصلان ومحمد البساطى ورضوى عاشور وجمال الغيطانى وإدوار الخراط وأبو المعاطى أبو النجا وحنا مينا وصبرى موسى وفتحى غانم وغيرهم وغيرهم. وقُل الأمر نفسه على النقاد فقد رحل توفيق بكار التونسى ولويس عوض وعلى الراعى وعبدالقادر القط وإحسان عباس وعز الدين إسماعيل ومحمود أمين العالم وعبدالمنعم تليمة وعبدالحميد حواس.

والحق أننى كنتُ أُردد بينى ونفسي: ما أكثر الراحلين من القمم التى تعلمنا منهم تجليات الرواية العربية، سواء فى إبداعها أو نقدها، وذلك على نحو يطرح السؤال عن مسئولية الأجيال الجديدة وعلاقاتها بالواقع الإبداعى العربى الممتد من المحيط إلى الخليج، وهل يمكن أن تضيف هذه الأجيال إلى ما تركه هؤلاء الراحلون من إبداع لا نزال نعيش عليه، ونُثرى به حياتنا ونؤكد به حضور حلمنا فى الانتقال بمجتمعاتنا العربية من وهاد الضرورة إلى آفاق الحرية:

حلم قد لا نشهده، خلجان قد لا نرسو فيها

رغم محبتنا للمدن الدافئة النائمة ببطن الخلجان

رغم أحبتنا وضعوا الشمعة فى الشباك وناموا فى اطمئنان

فى أعينهم ذكرانا، كملائكة رحلوا كى يأتوا بالغد

كى يأتوا بالمستقبل


لمزيد من مقالات جابر عصفور;

رابط دائم: