الخميس 11 من رمضان 1440 هــ 16 مايو 2019 السنة 143 العدد 48373

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أزمة الديمقراطيات الغربية

كانت الأزمة العالمية المالية فى 2007 بوابة انفتاح مغاليق كثيرة فى مسيرة الرأسمالية المالية عالميا التى بدت وكأنها قد انهت فترة تسيدها. مظاهر ذلك كثيرة بين اوروبا وامريكا منها دخول الدولة فى واشنطن لحماية كبار المؤسسات المالية من السقوط (اوباما) وبالتالى اعطاء جرعة حياة على حساب مزيد من الديون الأمريكية الداخلية وتقلص فرص العمل مما هو معروف تفصيلا للمتخصصين.

آخر تلك المظاهر السلبية غضب شعبى من النموذج المزدوج للحزبين الديمقراطى والجمهورى بانتخاب دونالد ترامب الذى لم يكن له تاريخ فى الحياة السياسية الأمريكية. ومنذ ذلك اخذ يفجر الأزمات أغلبها تعنى تراجعا وانكماشا سياسيا امريكيا بإقامة سور فعلى ضد هجرة اللاتين الذين يشكلون ثانى مكونات الشعب الأمريكى الثقافية بعد الأوربيين .

التمترس خلف السور ربما يعنى التقوقع اقتصاديا لتخفيض أزمة البطالة والضمانات الاجتماعية والجوع. هناك أزمات اقتصادية متعددة تواجهها امريكا على رأسها المنافسة الصينية فى أى شىء وكل شىء فى اسواق العالم بما فيها السوق الأمريكية! مقابل هذا يتبنى ترامب سياسة قنابل الدخان فى العلاقات الداخلية والدولية بعض مظاهرها ما يلى.

- لقاء رئيس كوريا الشمالية ليس مشكلة ثنائية حول قدرات صواريخ نووية بل تحمل مقابلها تغيير سياسة امريكا الاقتصادية العسكرية فى الباسيفيك وشرق آسيا.

- الخروج الأمريكى اللاعقلانى من الاتفاقيات الدولية حول تغير المناخ.

- إيقاف حصة أمريكا فى ميزانية منظمة اللاجئين الدولية المسئولة عالميا عن معسكرات الملايين وبالذات فى الشرق الأوسط - فهل المقصود الضغط على الفلسطينيين لقبول حلول صهيوامريكية؟

مطالبة دول حلف الأطلنطى الإسهام المتوازن فى ميزانية الحلف العسكرية باعتباره موجهاً لحمايتهم لكن ذلك كان فترة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى كحلف دفاعى امريكى يشترك فيه اوروبا كميدان قتال رئيسى. ومنذ بداية القرن الحالى انتهت الحرب الباردة وتعاظمت قوة اوروبا العسكرية مما جعل الحلف باهتا رغم استقطاب امريكا دول اوروبا المواجهة لروسيا (بولندا ليتوانيا) لكن الموقف الثقافى الأوروبى ضد روسيا ما زال ملغما بتاريخ مخاوف اوروبا الغربية من روسيا القيصرية ثم الستالينية مع استمرار سيطرة الأحزاب المسيحية الديموقراطية وزيادة قوة اليمين العنصرى الأوربى. يزيدالحرج السياسى اعتماد المانيا وشرق اوربا والبلقان على الغاز والبترول الروسى ودعوة ترامب اوروبا لتخفيض هذا الاعتماد، ولكن هل يعنى التخفيض استبدال الاعتماد ببترول العالم الاسلامى جزئيا برعاية امريكية؟

- اتخاذ مواقف أو خلق ودعم مواقف سياسية ضد كل الحكومات الليبرالية فى امريكا الجنوبية والوسطى ابرزها كان الوقوف وراء تامر فى الاستيلاء على السلطة فى البرازيل واتهام النظام الليبرالى البرازيلى بالفساد، والآن أتى رئيس آخر يتهم تامر بالفساد بصورة مبالغة فى موالاة أمريكا! وبالمثل استعادة معركة خليج الخنازير الفاشلة ايام كيندى ضد كوبا بمحاولة تكررها اليوم فى فنزويلا بتأييد لاجئ منشق على قلب نظام حكم لمصلحة امريكا هو مايؤكد ويضخم صورة الكاوبوى الأمريكى الذى يروع امريكا اللاتينية بدءاً من سور ترامب شاملا كل امريكا الجنوبية!.

- واخيرا صفقة القرن التى تعلنها امريكا ترامب - كوشنر فى الشرق الأوسط.. كيف تكون امريكا حكما نزيها وقد بدأت باتخاذ موقف ابتدائى مؤيد لإسرائيل بالاعتراف بالقدس عاصمة لها على حساب العرب، ثم تزايد أمريكا على نفسها بإعلان ضم الجولان لاسرائيل ضد كل القوانين الدولية وشرعية الاستيلاء بالقوة على أراضى الغير!.

وفى كل هذا لم يحدث مثل النزاع الحالى بين الرئاسة والكونجرس الأمريكى فى أى عهد سابق باستثناء حالة لنكولن والحرب الأهلية، وحالة اضطرار نيكسون الى الاستقالة. لاشك أنه فى معظم الحالات ذات الواجهة الديمقراطية يحدث اختلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية قد يشتد الى اللجوء الى السلطة القضائية للفصل بينهما. ورغم ذلك فتنازع السلطات يسهم فى الحد من استئثار أيهما بالسلطة من أجل المصلحة العامة.

قد يكون ترامب اميل الى سياسة الصفقات بخلفيته فى عالم الأعمال ولكن لا يجوز رهن مصلحة الشعوب بممارسات البيزنس. لأن ذلك يضع الديمقراطية على المحك أمام سعى السلطة التنفيذية للانفراد بأساليب كالالتفاف حول معارضة البرلمان باستخدام تقنية استفتاء شعبى يطرح اسئلة محددة.

فى الواقع الفعلى مثل هذه الطروحات متكررة فى حالات منها حالنا بريطانيا وفرنسا كدولتين رئيستين فى منظومة الديمقراطية.

اصطدام البرلمان البريطانى مع الحكومة فى حالة البريكست أمر يحتاج لوقفة . فقد تحول استفتاء الخروج بفارق صغير لمشكلة بريطانية اطاحت بحكومة محافظة وأتت بحكومة ماى تتأرجح بين هبوط وشبه ثبات بينما يمسك حزب العمال منتصف عصا البركست. والحقيقة المؤكدة اظهرتها انتخابات المحليات فقد فيها الحزبان المتصارعان مئات المقاعد فى المحليات لحساب حزبى الاحرار الديمقراطيين والخضر. المعنى أن الشعب لم يوازن بين عمال ومحافظين بل شجع تجديد الدماء بأحزاب أكثر ارتباطا بالواقع بدلاً من منافسات الحزبين التى اصبحت تاريخا مضى فلم يعد بينهما من اختلافات ما يواجه امور الواقع وخطط المستقبل.

وفى فرنسا جاء ماكرون مع حركة الجمهورية تسير هى توجه جديد بعيدا عن احزاب سياسية معروفة وعن اليمين المتطرف ولم تمض سنة على انتخابه حتى واجه تظاهرات السترات الصفراء, سلمية او جانحة, مع السلطة التنفيذية حال اقرارها سياسات تضيف اعباء على الشعب. وفى المانيا اعلان انجيلا ميركل استقالتها فى نهاية دورتها الحالية هو نوع عقلانى من فهم دورها جيدا حين كان مطلوبا والآن لم يعد كذلك ولن تنجح خليفتها ما لم تغير اجندة الواجبات رأسا على عقب .

الخلاصة أن فى كل هذه الحالات خيوطاً وغيوماً كثيرة تنتظر اعلانها لنفهم لماذا تقصر الأنظمة الديمقراطية عن قيامها بواجبها الأساسى وهو حفظ المصلحة العامة دستوريا. الأحزاب ليست ابدية ما لم تتغير سياساتها لتبقى على قيد الحياة ويبقى السؤال عن ماهية التشكيل الموضوعى الجديد لنوع وعلاقة السلطات الثلاث التقليدية أو أكثر لتأمين فعلى لحرية الرأى تقود لانتخابات اكثر ارتباطا بالواقع والمصلحة وبعيدا عن التقليد الحالى لانتخابات القدرة المالية والبلاغة اللفظية والانتماء الحزبى.


لمزيد من مقالات د. محمد رياض

رابط دائم: