الأربعاء 10 من رمضان 1440 هــ 15 مايو 2019 السنة 143 العدد 48372

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رمضان.. فى زمن «البيض المدحرج»!

رمضان فى مصر عجيب وغريب، و«دسم» ومفعم بالحياة.

كل شيء فيه ممكن ومتاح.

الناس فى كل مكان!

المساجد مزدحمة، ولا مكان لقدم، صلوات الجماعة «كومبليت» بسم الله ما شاء الله، وفى التراويح، لو لم تذهب مبكرا لوجدت نفسك تصلى خارج المسجد!

الشوارع كلها مكتظة بالبشر، فى كل وقت وحين، قبل الإفطار وبعده، وكأن مصر كلها فى الشارع، وطبيعى أن يفوتك موعد الإفطار أو الإمساك بسبب الاختناقات المرورية قبل المغرب أو الفجر، ولكنك بالتأكيد ستجد وقتها «ابن حلال» يعطيك كيس بلح أو كوب عصير على الطريق!

نشكو الفاقة، ولكن المطاعم بأنواعها ممتلئة، والحجز مسبقا، والأسعار خيالية فى الإفطار والسحور، وعندما تذهب إلى أحدها، تشعر وكأن مصر بأكملها تفطر أو تتسحر خارج المنازل، ولا تصدق من يصرخون من سحور الألف جنيه، وطبق «البيض المدحرج»، فهناك من يدفع راضيا، أو حتى من باب المنظرة، وهناك من يدفع مضطرا لعمل عزومة أو مجاملة أهل أو أصدقاء، و«أمره إلى الله».

تذهب إلى المول، إلى السوق، إلى البنك، إلى المقهي، إلى مصلحة حكومية، تجدها أيضا «متطربقة»، والطوابير لا تنتهي!

الجزار بالطابور، محل الكنافة والقطايف بالطابور، المترو والمواصلات والميكروباصات أزحم من أى وقت طوال العام، حتى منافذ بيع كعك العيد، زحام شديد منذ بداية رمضان، ربما أكثر من طابور العيش نفسه الذى لم يعد موجودا فعليا!

حتى موائد الرحمن، أكثر زحاما من ذى قبل، وبعض البسطاء ينتقون الموائد، حسب «مينيو» كل مائدة، فمائدة «الحاج فلان» تقدم لحوما أكثر، ومائدة «أم علان» تقدم نوعا أفضل من الخشاف، ومائدة ثالثة تقدم سلطات أكثر، وهكذا!

يروي لى مسئول من دولة أجنبية صديقة حضر إلى مصر حديثا أنه عندما شاهد مائدة رحمن بجوار مقر إقامته فى منطقة راقية خارج القاهرة، ظن أنها مطعم، فجلس عليها يأكل، ويستمتع، ولكنه ذهل عندما أخبره أصحاب المائدة أنها «ببلاش»، وذهل أكثر عندما اكتشف أن «كواليتي» الطعام على المائدة كان أفضل من مطعم فاخر آخر زاره قبل أيام ودفع فيه فاتورة «حراقة»!

التليفزيون نفسه زحمة، ليس فقط بالبرامج والمسلسلات، ولكن أيضا نسبة مشاهدته أعلى من أى وقت خلال العام، الكل يشتم ويلعن فى التليفزيون، وفى سخافة الأعمال المعروضة، ولكن الحقيقة أن الكل متسمر أمامه، لدرجة أن مناقشات المصريين حول ما يعرض من مسلسلات وبرامج توحى لك بأنه لا أحد فى المسجد، ولا أحد فى الشارع!

حتى نشاط المصريين على السوشيال ميديا يشعرك وكأن مصر كلها أيضا «بتسلى صيامها» على النت، آيات قرآنية وأحاديث شريفة يتم تداولها، فتاوى من هنا وهناك، أدعية وأذكار وأقوال مأثورة «رايحة جاية»، معايدات بحلول رمضان وبأيام رمضان، الجمعة الأولي، والجمعة الأخيرة، ويوم الإثنين، ويوم الأربعاء، لا أعرف لماذا، ثم ذكرى غزوة بدر، ثم ليلة القدر، وسجالات محتدمة حول مسلسلات رمضان، وأسعار الممثلين والمطربين، وتكاليف الإعلانات، ولماذا لا يتم دفع هذه الأموال للفقراء، ومناقشات كروية ساخنة حول صراع الأهلى والزمالك، ومن منهما أحق بالدوري، ويتطور النقاش إلى سخرية متبادلة، ثم إلى سب وقذف وإهانات واتهامات لا علاقة لها بالشهر الفضيل!

فى رمضان، أفلح من راهن على العمل والعبادة والتزاور وصلة الأرحام وعمل الخير، وخسر من أهدر الوقت فى النوم والكسل والجدل العقيم، و«السرمحة» فى المولات، وشد الأنفاس على المقاهي، أو أمام التليفزيون.

التليفزيون نفسه لم يعد جاذبا، مثل زمان.

بحثت فيه عن تفسير للقرآن كتفسير الشعراوى رحمه الله، فلم أجد، بحثت عن ابتهالات طوبار والنقشبندي، وتلاوات المنشاوى وعبد الباسط ومصطفى إسماعيل، فوجدتها مجرد دقائق «مزنوقة» بين الإعلانات، بحثت عن مسلسل دينى أو تاريخى رفيع المستوى مثل «محمد رسول الله» أو «خالد بن الوليد»، فلم أجد، بحثت عن برنامج أطفال كفوازير «عمو فؤاد» أو «بكار»، ففشلت.

بحثت عن مسلسل مثل «رأفت الهجان» أو «عيون»، لم أجد سوى توليفة السلاح والمخدرات والبلطجى والرجل المزواج والكبير «المسنود» التى «زهقنا» منها!

حتى ضحكات «الكاميرا الخفية» و«ادينى عقلك» تحولت إلى مقالب مرعبة مع الأخ رامز، ستنتهى حتما ذات يوم بوفاة أحد ضيوفه بأزمة قلبية!

ومع ذلك، ورغم كل هذه التناقضات، أو ربما بسببها، ما زال رمضان في مصر متميزا، وهو الأفضل، والأجمل، لمن أراد العبادة، أو العمل، أو «اللمة»، بل هو «الحياة» بعينها.


لمزيد من مقالات هانى عسل

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: