الأربعاء 10 من رمضان 1440 هــ 15 مايو 2019 السنة 143 العدد 48372

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من أجمل بدايات التاريخ

تظل الساعة الثانية من بعد ظهر مثل هذا اليوم من اجمل ساعات عمري, فقد أعلن الوطن فيها نهاية مأساة النهاية لضجيج قديم عشناه حلما وورثاه انكسارا، لكن رجالا منا لم يركنوا للهزيمة. واستطاعوا بناء ما يفوق حدود كلمة الانتصار فلم يكن أحد على ظهر الارض بقادر على أن يتخيل المعجزة التى تحققت فى الثانية من بعد ظهر العاشر من رمضان..

عن نفسى اقارن الآن بين الثانية من ظهر الخامس من يونيو 1967 وبين وقائع نفس التوقيت مع فارق عدة سنوات بسيطة. فعندما صدر البيان الأول لحرب رمضان، كان الشجن الحالم بعبور قناة السويس قد بانت إشراقاته. وكنت واحدا من عموم المصريين الذين حلموا بصناعة هذا العبور.

فكرت لحظتها فى سيدة كانت بمثابة الأم او الخالة وهى السيدة حورية الطنطاوى جوهرى ابنة الشيخ طنطاوى الجوهرى الذى شاء ألا يغادر الحياة إلا بعد ان ترك تفسيرا للقرآن جوهره ألا نترك الخيال الإيمانى يغادر اجسادنا حلما بحياة لائقة، بل على حياة أى منا أن تدرس من العلم ما يغير الواقع إلى الافضل. كره الرجل تيبس الإيمان بتقديس الخلافة التى لم ينص عليها الدين. وشجب بكل ما يملك من يقين ومنطق محاولة حسن البنا تركيز حقائق الإيمان بجماعته التى تلغى العقول بجبروت الطاعة التى لا تقبل النقاش.

وكانت الخالة حورية يوم العاشر من رمضان تصلى راجية السماء ان تنصر المقاتلين الذين ينتظم فى صفوفهم اربعة ابناء لها, ثلاثة مهندسين والرابع معمارى مجند هو شقيق روحى الذى جاء للقاهرة بعدما لمس جدية مشاركة اخوته فى حرب الاستنزاف.

الأربعة من الأبناء فى صفوف المقاتلين, لم تكن الام تعلم مواقعهم يوم بدء القتال, ولم تصمت صلوات الخالة حورية عن الدعاء بالنصر إيمانا بأن ابناؤها ليس على رأس اى منهم ريشة تفضله بها عن بقية المقاتلين. ولم يكن أى واحد من الأربعة بعيدا عن خط المواجهة ولم تتوقف أصابع الخالة عن تحريك مؤشر الراديو بين إذاعات العالم. وحين كنت ازورها يوميا كنت أجد من يسبقنى وهو الأستاذ الدكتور قدرى حفنى الذى رصد حياته لدراسة الشخصية الإسرائيلية. ونال فيها اول درجة للدكتوراه فى علم وليد هو علم النفس السياسي. وتقدم بفكره صفوف بعض من شباب المصريين الذين رصدوا حياتهم لدعم الثورة الفلسطينية إلى الدرجة التى ضم ياسر عرفات د.قدرى حفنى لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح واختاره كمفاوض باسم الثورة الفلسطينية فى أى حوار فلسطينى، إسرائيلي.

وشاء قدرى حفنى ان يغادرنا فى مثل هذه الأيام من العام الماضى ولعل حزنه الكبير كان وراءه اتساع الهوة بين الحركات السياسية الفلسطينية. وكثيرا ما عبر عن ذلك بمقالاته بنفس صفحات الرأى بالأهرام. كان قدرى حفنى يسبقنى لزيارة الخالة حورية فهى والدة من اخترناه شقيقا حياتيا لنا وهو المعمارى على عبد السلام عمر.

وحين أطل الأبناء الأربعة تباعا بعد ثلاثة أسابيع حاملين جدارة تنفيذ كل منهم للمهمة التى حددتها لكل منهم قيادته، كان الأربعة يعتزون بدفتر تعليمات صغير قامت بتوزيعه عليهم قياداتهم قبل العبور. كان اثنان من الابناء ضابطين بسلاح المهندسين وابن بسلاح الطيران أما شقيق الروح على عبدالسلام عمر فكان من مقاتلى المشاة. وكان كل منهم يتذكر ما جرى فى الخامس من يونيو ولم يكن أيا منهم هو المسئول عن النكسة فثلاثة منهم كانوا طلبة اثناء حدوث النكسة والابن شقيق الروح على عبدالسلام عمر كان يحمل بطاقة من لم يصبه الدور للتجنيد. تخرج الابناء تباعا من الجامعة ليلتحقوا بالقوات المسلحة ويكون ثلاثة منهم على خط النار، اما الرابع فهو من لم يصبه الدور وسافر ليلتحق بصفوف المقاتلين الفلسطينيين.

كنت من املك حكايات عن ظهر الخامس من يونيو 1967 حيث كنت صباحا فى زيارة لمنبت رأس جمال عبدالناصر قرية بنى مر. وكان أحمد كامل محافظ اسيوط صديقا وهو من اتصل بالتليفون الوحيد بقرية بنى مر يطلب منى سرعة العودة لأسيوط ولأركب أول قطار للقاهرة. وفى مكتبه بأسيوط اسر الرجل لى بحقيقة الهزيمة بعد ضرب المطارات.

وفى منزل عبدالحليم حافظ يوم الحادى عشر من يونيو كان السفير جمال منصور وهو من الضباط الأحرار بل هو من اختار اسم التنظيم اثناء طباعة المنشورات المبشرة بثورة يوليو وهو أول من قال ليكن اسم التنظيم الضباط الأحرار وهو ايضا من لم يعجبه تفرغ عبدالحكيم عامر لفكرة الأمن على فكرة الاستعداد المتجدد لمواجهة إسرائيل وهو من اصر على اتمام دراسته بكلية التجارة ثم تقدم لامتحان الدبلوماسيين لينجح وليعتبره المثقف الكبير حسين ذوالفقار صبرى نائب وزير الخارجية شقيقا فى الوعى السياسي, وحسين ذو الفقار صبرى صاحب الكتاب الوثيقة المؤرخ لما جرى من هزيمة فى كتابه يا نفس لا تراعي. وكان حسين ذو الفقار صبرى يعتبر جمال منصور بمثابة الشقيق الأصغر فهو ضمن قلة محدودة من الضباط الأحرار الذين لم تكن لهم أى مطلب بعد نجاح الثورة. وفى بيت عبدالحليم روى جمال منصور ان أول من نبه لاحتمال الهزيمة هو الجنرال ديجول بعد لقائه بعبدالحكيم عامر. وما ان تولى رئاسة أركان القوات المسلحة الفريق عبدالمنعم رياض حتى قال جمال منصور: من اسلوب إدارة هذا الرجل ستبزغ شمس الانتصار. وتمر السنوات حاملة التدريب الذى لا هوادة فيه ويكون فى جيب كل مقاتل عبر القناة جدول المهام والخطوات التى كتبها رئيس الأركان الجليل سعد الدين الشاذلي. وما جرى من بعد تحرير سيناء من معارك سياسية رصده التاريخ بحروف من دماء بذلها المقاتلون الشجعان قتالا ثم بذل الدبلوماسيون المصريون حربا علمية على ساحة العالم. وما أن ياتى العاشر من رمضان من اى عام حتى نتذكر ضرورة التخطيط والتدريب وصولا إلى ما قد نتخيله مستحيلا . كل سنة ووطننا فى ازدهار وانتصار.


لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: