الأربعاء 10 من رمضان 1440 هــ 15 مايو 2019 السنة 143 العدد 48372

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحلقة المفقودة فى الاقتصاد المصرى

هناك الكثير من الأخبار الجيدة بالنسبة للاقتصاد المصرى خاصة عند مقارنته بالدول التى تمر بمثل المرحلة التنموية التى نمر بها وهى المصنفة بالمكانة B بدرجاتها المختلفة. فقد بات من المؤكد الآن أن الاقتصاد المصرى نما فى العام المالى الجارى بما مقداره 5.6% مقارنا بمعدل نمو 5.5% فى العام السابق و5.4% فى العام الأسبق. والمعدل الحالى يتفوق على الدول الواقعة جنوب البحر المتوسط مثل المغرب التى حققت 3.2% وتونس 2.5% والأردن 2.2% ولبنان 1.3%.

وقد استند النمو المصرى إلى تطور ملموس فى قطاعات الطاقة والتعدين التى قفزت بمعدل 30%، والتشييد والبناء 9.5%، وتجارة التجزئة 9.6%، والاتصالات 6.7% والعقارات 8.5%. وتوازى مع هذه الزيادات انخفاض العجز فى الموازنة العامة من 6.2% فى العام الماضى إلى 5.3% فى العام المالى الحالي؛ وارتفاع موارد الدولة من الضرائب إلى 478 مليار جنيه مصرى نظرا لارتفاعات ملموسة فى إيرادات ضرائب الدخل والسلع. كل هذه أنباء سعيدة وتشهد بأن المسار الذى نسير فيه، والجهد الكبير المبذول، يبشر بما هو أكثر إذا ما وضعنا كل هذه الأرقام تحت المجهر ونظرنا فى أمرين: الأول إلى أى حد يقربنا ذلك من تحقيق أهدافنا؛ والثانى إلى أى حد كان ما تم تحقيقه كافيا للتعامل مع التحديات الكبيرة التى نواجهها وخاصة تحدى الزيادة السكانية؛ والتحدى الذى وصفه الرئيس عبدالفتاح السيسى بألانكون فى ذيل الأمم، ومعنى ذلك تحقيق التقدم وفقا للمؤشرات العالمية والتى حتى الآن لا تضعنا فى المكانة اللائقة ببلادنا.

الواضح من الأرقام أننا نتقدم إلى الأمام فى كل عام عن العام السابق عليه، وأننا فى ذلك بالفعل نتفوق على العديد من الدول، ولكن تقدمنا هكذا بطيء ولا يزيد على 0.1% كل عام خلال السنوات الثلاث الأخيرة وهو ما يعنى أن الوصول إلى معدل نمو 8% لن يتحقق إلا بعد سنوات طويلة. صحيح أن مؤسسة مودى المالية الدولية تنبأت بأن معدل النمو للاقتصاد المصرى سوف يصل إلى 6% عام 2021 أى بعد عامين من الآن وليس أربع سنوات وفقا للمعدلات الحالية، إلا أن ذلك لا يقربنا من معدل النمو الذى تواضعنا على أنه هو القادر على مواجهة تحدى الزيادة السكانية وتحقيق التقدم الذى نصبو إليه.

تحقيق ذلك فى كل دول العالم تم من خلال زيادة معدلات الاستثمار إلى الدرجة التى تحقق معدلا مرتفعا للنمو الاقتصادي؛ وفى الحالة المصرية فإن ما تحقق حتى الآن، وهو ليس قليلا، تم نتيجة الجهد الذى تقوم به الدولة من خلال مشروعات عملاقة تشرف عليها القوات المسلحة فضلا عن الطفرة التى جرت فى المجالات الموضحة أعلاه وفى مجال الطاقة تحديدا. الحلقة المفقودة فى عملية التنمية المصرية هى الانخفاض الكبير فى معدلات الاستثمار سواء الخاص الداخلى أو الاستثمارات الخارجية خارج مجالات النفط والغاز والصناعات الاستخراجية والعقارات. الأمر هنا يحتاج الكثير من الفحص والدراسة للتعرف على أسباب تراجع دور القطاع الخاص المصرى فى المجالات الصناعية والزراعية بالنسبة إلى الحجم الكلى للاقتصاد، وكذلك إحجام الاستثمار الأجنبى عن الحضور إلى مصر.

الذائع فى مصر حتى عهد قريب كان أن تقاعس أو إحجام القطاع الخاص المصرى أو الخارجى عن الاستثمار كان يعود إلى أسباب منها عدم الاستقرار السياسي، وضعف البنية الأساسية، وعدم توافر مناخ موات للاستثمار سواء كان ذلك سببه القوانين والتشريعات القائمة، أو الموقف الشعبى والنخبوى من الاستثمارات الخاصة فى عمومها. التطورات التى جرت فى مصر خلال الأعوام القليلة الماضية تشهد بأن الاستقرار بات واحدا من أهم المميزات التى تتوافر فى مصر مقارنة بدول المنطقة الأخري، بل والكثير من دول العالم أيضا.

البنية الأساسية من جانب آخر تحسنت كثيرا، بل إن قدرا ملموسا من الفائض فى الكهرباء والطرق والموانى والمطارات والمناطق الصناعية يسمح بقدر أعظم من الاستثمارات بأكثر مما هو متاح حاليا. وحتى إذا كان هناك قصور فى البنية الأساسية الرقمية فى مصر الآن فإن جهود الدولة تسير الآن فى اتجاه تعويض هذا النقص خلال فترة قصيرة. بقى مناخ الاستثمار وهذا له جانبه السياسى الذى يقوم على علاقة الدولة مع القطاع الاقتصادى الخاص وهذه تحتاج إعادة النظر والمراجعة؛ وكذلك له جانبه الاقتصادى الذى قد يقتضى إعادة النظر فى قانون الاستثمار وأدواته. وبالنسبة للاستثمار الأجنبى بشكل خاص فإن هناك إجراءات تخص السمعة المصرية تحتاج معالجة سياسية وإعلامية تختلف عما هو جار حاليا.

بقى أن هناك أدوات أخرى لا تزال فى يد الاقتصاد المصرى يحتاج بعضها إلى الإنشاء وبعضها الآخر إلى التفعيل. المحافظات المصرية المختلفة إذا ما صارت وحدات اقتصادية تعبئ الموارد المتاحة وتفتح الأبواب للاستثمارات المحلية والأجنبية سوف تضيف طاقات تنموية حقيقية إلى الاقتصاد القومى، وسوف تخلق مفاعلا للانتشار ما بين المحافظات الغنية وتلك الفقيرة، فلابد من سبب وأسباب تجعل معدل الفقر 8% فى بورسعيد و66% فى أسيوط.

وربما تكون البداية أولا بالإعلان والحوار حول نصيب كل محافظة من الناتج القومى الإجمالى وكيف يمكن زيادته من خلال مؤتمرات تسهم فيها الجامعات ومراكز البحوث المحلية.

وثانيا أن يخرج قانون للحكم المحلى يعيد النظر فى التنظيم الإدارى المصرى المعتمد بكامله على المركزية الكاملة، فلا يمكن أن تنطلق مصر من الوادى الضيق والدلتا إلى العالم الفسيح للبحار وسيناء والواحات وأن تكون إدارتها بنفس طريقة إدارة الدولة النهرية التى استمرت لأكثر من خمسة آلاف عام. وثالثا المراجعة السنوية أو المسابقة بين المحافظات المختلفة وما تحقق فى مجالات التعليم ومحو الأمية، والصحة ومكافحة الأمراض المتوطنة وفترات الانتظار لإجراء العمليات الجراحية، والاستثمارات المختلفة التى تكفل التشغيل فى قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة والنظافة. وأخيرا فإن ما يحتاج تفعيلا وسرعة فإنه يتعلق بالصندوق السيادى وكل ما يحتاج حركة فى رؤوس الأموال الميتة والاقتصاد غير الرسمى فى مصر.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: