الثلاثاء 17 من شعبان 1440 هــ 23 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48350

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأمن والوحدة والسلام.. تحديات حكومة مالى المنتظرة

فاطمة محمود مهدي

مازالت أزمات جمهورية مالى تتجدد، فمنذ سنوات وهى تعانى من الصراع العرقى والحوادث الإرهابية بالإضافة إلى مشاكلها الاقتصادية ، ولعل احدث هذه الأزمات ما شهدته الأيام القليلة الماضية من احداث متلاحقة أدت إلى استقالة مفاجئة للحكومة ،مما يزيد من حجم المشاكل التى تواجه الرئيس المالى إبراهيم بو بكر كيتا الذى أعيد انتخابه لولاية ثانية منذ عدة أشهر. وهناك عدة سيناريوهات تتردد عن سبب هذه الاستقالة، خاصة انه لم يعلن رسميا عن دواعى استقالة الحكومة واكتفى البيان الرئاسى بالشكر والقبول، كما أن الأوضاع الحالية بمالى تؤكد ان هناك تحديات كبيرة فى انتظار الحكومة الجديدة، والتى سوف يعلن عن تشكيلها قريبا بعد التشاور مع جميع القوى السياسية فى الأغلبية والمعارضة.

ومما يفاقم من الوضع الأمنى المعقد فى البلاد ، ويجعل التحديات التى ستواجهها الحكومة الجديدة أكثر صعوبة ،أن قافلة مركبات تابعة لقوات حفظ السلام الأممية فى مالى تعرضت لتفجير مميت، مما أسفر عن مقتل جندى حفظ سلام من مصر وإصابة أربعة آخرين. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريتش من أن الحادثة تمثل جريمة حرب حسب القانون الدولي.

كان رئيس الحكومة  المستقيل سوميلو بوبيى مايجا قد تولى منصب رئيس الوزراء منذ عام 2017، وشغل قبل ذلك منصب وزير الخارجية فى عامى 2011 و2012، وكان وزيرًا للدفاع فى الفترة من 2000 إلى 2002، وفى عامى 2013 و2014، وخلال فترة رئاسته اهتم بتوطيد علاقات الثقة بين السلطات السياسية والإدارية المحلية والوجهاء المحليين، كما زار مدينة كيدال الخاضعة لسيطرة الطوارق منذ عام 2012، واعتبر ذلك حدثا كبيرا لأنه أول مسئول حكومى رفيع المستوى يقوم بزيارة المنطقة منذ 3 سنوات، ولكن دائما ما كان تدهور الأوضاع الأمنية والاضطرابات العقبة الرئيسية التى تواجه جهوده وتعرقل مسيرته،وسبق ان اعلن عن ذلك بقوله «السلام والوحدة والأمن .. بدون هذه  العناصر الثلاثة كل ما نقوله مستحيل».

ولكن مع تكرار الهجمات وتزايد الخسائر البشرية والمادية، صدق حدسه، فقد خرجت المظاهرات مطالبة باستقالة حكومة مايجا أكثر من مرة ، أبرزها مظاهرات المعارضة قبل شهرين من إجراء الانتخابات الرئاسية والتى أعلن زعيم المعارضة سومايلا سيسى أنها أسفرت عن حدوث إصابات وجرحى ،والمظاهرات الأخيرة التي احتشد فيها الآلاف فى العاصمة المالية باماكو للاحتجاج على فشل الحكومة وإدارتها السيئة للبلاد، وعدم قدرة قوات حفظ السلام الدولية على وقف العنف العرقى وعنف المتشددين. و يعد الاحتجاج واحدا من أكبر المظاهرات التى شهدتها مالى خلال السنوات الأخيرة، ويأتى عقب مذبحة وقعت فى 23 مارس الماضى نفذها مسلحون من عرقية الدوجون على قرية أوجوساجو التى يسكنها رعاة من عرقية الفولانى فى وسط البلاد، وراح ضحيتها نحو 160شخصا من الرعاة، كما حرق المسلحون نساء حوامل وأطفالا فى منازلهم، مما يعد أكثر الهجمات العرقية دموية بمنطقة الساحل بغرب إفريقيا، و شارك فى هذه المظاهرة رجال دين وقادة للمجتمع المدنى وزعماء للمعارضة، وكانت معبرة عن حالة الإحباط المتزايد من تصاعد العنف.

وجاءت هذه المذبحة بعد هجوم نفذه متشددون على موقع عسكرى أودى بحياة 23 جنديا ، وأعلنت جماعة تابعة لتنظيم القاعدة تضم فى صفوفها كثيرا من أبناء الفولانى مسئوليتها عنه. وهنا اتهم الجميع السلطات بأنها لم تفلح فى نزع سلاح الميليشيات التى يعتقد كثيرون أنها نفذتها برغم تعهدات من الحكومة بذلك، ومع تردى الأوضاع تحرك أعضاء فى البرلمان للتصويت على سحب الثقة من الحكومة بسبب المذبحة والتقاعس عن نزع سلاح الميليشيات أو التصدى للمتشددين، وذلك قبل إعلان استقالة مايجا وأعضاء حكومته بيوم واحد ،وهو ما اعتبره البعض سببا رئيسيا وراء الاستقالة المفاجئة ،ولكن هناك من يعتبرأن الضغط الشعبى وخروج المظاهرات هى السبب وراء الاستقالة لتهدئة الشارع ،وهناك من يرى أن تدخل بعض رجال الدين وعدد من القادة السياسيين وممثلين عن المجتمع المدنى هو سبب هذه الاستقالة نظرا لمقابلاتهم للرئيس كيتا طوال الأسبوع الماضي، خاصة أن الرئيس المالى قد أعلن فى وقت سابق عن تنظيم ملتقى «للتشاور الوطني» خلال الفترة ما بين 23 و28 ابريل، يشارك فيه مختلف القوى السياسية والاجتماعية المالية، حول مشروع تعديل دستوري.

وتواجه الحكومة الجديدة عدة تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تعد أرثا من الحكومات السابقة، حيث تعتبر مالى من أفقر 25 دولة على مستوى العالم ،وتعتمد فى عائداتها المالية على تعدين الذهب والصادرات الزراعية مثل القطن، ونحو80% من قوة العمل تتمثل فى الانشطة الزراعية وصيد الاسماك ،وكانت قد حاولت الاستثمار فى المجال الصناعى والسياحى ،ولكن بسبب القضايا الأمنية تضررت البلاد على المستوى الاقتصادى بشكل كبير، مما أضعف البنية التحتية والخدمات التعليمية والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية.كما أن نصف السكان يعيشون على دخل  أقل من 1.25 دولار فى اليوم أى تحت خط الفقر،وتعتمد مالى فى اقتصادها بشكل رئيسى على المساعدات الخارجية.

لذلك فإن حاجة مالى فى المقام الأول هى توفير الأمن والأمان ، وهى مشكلة متشابكة الأطراف ولها جذور تاريخية ،فهناك صراعات عرقية وتدخلات خارجية مماجعلها تربة خصبة للجماعات الإرهابية، وتشهد مالى اضطرابات منذ 2012، عندما سيطر متمردون من الطوارق ومتشددون متحالفون معهم على نصف البلاد، مما دفع فرنسا للتدخل وإجبارهم على التراجع فى 2013وهو ما عرف بعملية سرفال.اما الصراع العرقى فنشب فى وسط مالى بين قبائل الفولانى والدوجون وبامبارا، والأولى مجموعة عرقية مسلمة من الرعاة الرحل، ينتمى لها نحو 38 مليون شخص فى غرب ووسط إفريقيا ،أما قبيلة الدوجون، فهى تضم نحو 800 ألف شخص يعتنق عدد صغير منهم الإسلام والمسيحية، وتعيش قرب الحدود مع بوركينا فاسو، ومعظمهم من المزارعين، بينما تعد بامبارا هى أكبر المجموعات العرقية  فى مالي، ومعظمهم ايضا مزارعون ويعتنق كثير منهم الإسلام، و دبت الخلافات بين هذه القبائل لأسباب تتعلق بنزاعات على الأرض والمياه، وبمرور السنين أصبحت النزاعات معقدة وزاد التوتر،و نجحت الجماعات المتطرفة فى استغلال ذلك لخدمة فكرة إنشاء دولة الخلافة.

ولمنع وقوع المزيد من حوادث التطهير العرقى والهجمات الانتقامية ، قام الاتحاد الأوروبى بتمديد مهمة بعثته العسكرية فى جمهورية مالى حتى مايو 2020، مع توسيع نطاق البعثة التى تقوم بتدريب الجيش المالى لتشمل القوة المشتركة لمكافحة الجماعات الإرهابية فى الساحل التابعة لمجموعة الخمسة ( مالى وبوركينافاسو والنيجر وتشاد وموريتانيا)، وهناك الآلاف من القوات الدولية فى مالى - وتشمل مجموعة الساحل وقوات من فرنسا، وقوات من بعثة الأمم المتحدة تسعى لتحقيق الاستقرار فى مالى ،إلى جانب الجهود الحكومية. والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة  الآن هل سيتحقق الأمن والاستقرار مع الحكومة الجديدة أم أنه هدف صعب المنال؟.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق