الجمعة 13 من شعبان 1440 هــ 19 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48346

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قبل أيام من إعلان جائزة البوكر..
عادل عصمت: الروائى يفوز بنصه
وتواصل القراء لا بالجائزة

محمد حربي; أسامة الرحيمى; د . عماد عبد الراضى;

نجيب محفوظ.. هو طرح النهر الجميل الذى عبر بعبقرية عن حياتنا البسيطة

الإعلام المصرى لا يعرف حقيقة الريف ومشاعر أبنائه

قصص الحب الريفية واقعية وليست اختراعا روائيا

أكتب كل يوم لأبقى جاهزا للحظة الإلهام الفنى

 

بعد أيام سيتم الإعلان عن اسم الفائز بجائزة البوكر للرواية العربية، التى يتنافس فيها الروائى المصرى عادل عصمت مع روائيين عرب بروايته المهمة «الوصايا». وعندما نحتفل بوصايا عادل عصمت لا نحتفل بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة المرموقة، بل نحتفل بإبداعه المتواصل والذى كان للأهرام فضل تعريف القراء العرب به منذ عشرين عاما.

عندما نقرأعادل عصمت ورواياته المميزة من «حالة مستقرة» و«الرجل العارى» إلى «صوت الغراب» وصولا إلى «الوصايا» يمكن أن نلمح تميزا فى السرد الروائى يستند إلى خبرات حياتية فى ريف مصر، وفنية خاصة، ويمثل امتدادا واعيا للرواية المحفوظية - فى صورة ريفية من حيث مكان الرواية - التى تحتفى بالواقع الاجتماعى وتسرد رواية الأجيال وتقدم تحليلا نفسيا واجتماعيا للشخوص، وتحرر الشخصيات من سطوة الروائى وفى الوقت الذى تظهر فيه روح محفوظ فى النسق يختفى أثر الروائى الكبير تماما فى رواية عادل عصمت، التى لا تنطلق من حارة ضيقة وتجرد الحارة لتصبح عالما، فهى رواية الريف أو الهامش الاجتماعى الذى لا يلتفت إليه أحد. والهامش هنا ليس طبقيا بل هامش الأمكنة المنسية والتى يمكن إذا التفتنا إليها -كما فعل عصمت وكوكبة من الروائيين المصريين أبناء الريف ومدن الهامش- أن تكتمل فى وعينا صورة متوازنة لشخصية مصر.

احتفالنا بعصمت احتفال بالصورة التى لابد أن تكتمل وبالهامش المنسى تحت ركام الميديا التى تكلست فى العاصمة وحدها... واحتفال بالرواية المصرية المتهمة بالتكرار مع أنها تقدم نتاجا متوهجا وإبداعا خصبا وعميقا، ونحتفى أيضا بدور الأهرام كمنبرا يدعو للإبداع ويحرض عليه.


هكذا تحدث عادل عصمت

فى بداية الحوار منحنا عادل عصمت وقتا للحديث عن قصة «الوصايا» ولماذا استعصت عليه لأكثر من عشرين عاما قبل أن يكتبها، فبدأ حديثه بالإشارة إلى علاقته بإبداع نجيب محفوظ وقال:

«كان فوز روايتى «حكايات يوسف تادروس» بجائزة تحمل اسمه من الجامعة الأمريكية فى القاهرة مناسبة لتأمل علاقتى بالروائى الكبير، والتى تمتد لزمن طويل بدأ بقراءة أول رواية من ابداعاته فى المرحلة الاعدادية.

وفى الكلمة التى كتبها لهذه المناسبة قلت إن جدى الإبداعى هو نجيب محفوظ وأنا أحد أحفاده.. عندما كنت شابا أحببت إبداع يوسف إدريس ولا زلت أحبه بالطبع للآن لروحه المتوقدة وحسه الجمالى الطاغى. لكنى كلما كبرت فى السن انحزت لمحفوظ وبدأت أكتشف جوانب العظمة لديه.

هل كانت لك علاقة شخصية مع نجيب محفوظ؟

للأسف لا أحب زيارة المبدعين لأنى أشعر بالخجل معهم، ولا أمتلك الجرأة لتقديم نفسى ككاتب، وأحب أن أعيش حياتى كأمين مكتبة لا كاتب، ولم تكن لى علاقة شخصية مع محفوظ، لكنه كان أكثر مبدع عملت مع إبداعه علاقة خاصة جدا. عرفته تماما من خلال كتبه وما كتب عنه. وأعجبت بطريقته الدقيقة فى الإبداع ومنهجيته فى التفكير، ووسطيته المصرية أراها طرح النيل الحقيقى، فنحن شعب لا يحب العنف ولا يقبله ويعيش الحياة بمحبة وسخرية.

ونحو شعب يبكى بصدق ولكنه قادر على الضحك فى الوقت نفسه.. ونجيب محفوظ كان ذكيا فى التقاط روح الشخصية المصرية والكتابة بها وعنها.

ماذا تقصد بطريقته فى الإبداع؟

أنا أحب طريقة محفوظ لأن جديته كانت ملهمة بالنسبة لى، فهو الرجل الذى قال إنه أجبر الإلهام على زيارته فى بيته فى الرابعة مساء وهو الوقت الذى كان يجلس فيه للكتابة.

هل هناك إبداع تجاوز محفوظ فى المشهد الروائى؟

لا يوجد أحد قادر على تجاوز إبداع محفوظ. ولايوجد تجاوز أصلا فى الإبداع. فهو كان فريدا فى إبداعه ولا داعى هنا لتجاوزه على كعادل عصمت.. أن أكون نفسى وأكتب نفسى وأن أكون فريدا أيضا أو أسعى لذلك.

نأتى الآن إلى رواية الوصايا.. كيف بدأت التفكير فيها وكيف توصلت إلى صياغتها الأخيرة ولماذا أخذت منك كل هذا الوقت لكتابتها؟

كنت أريد أن أكتب قصة عائلتى، بروحها النابضة كما عشتها واحتفظت بها فى ذاكرتى وهنا كان محفوظ دليلى إلى المعايشة للقصص وشخوصها.

ما علاقة محفوظ بكاتب يكتب عن شخوص فى الريف؟

كما قلت لكم أعنى نجيب الإنسان الذى كان مشاء عظيما تعلمت منه معنى المشى وفائدته، وعندما كنت أقع فى مشكلة فنية أثناء الكتابة.. أترك الورق وأمشى، وأفكر ماشيا فيما أكتب وأتأمل. وأذكر أننى عندما كتبت روايتى»صوت الغراب» كنت أمشى ساعتين يوميا أفكر فى الحبكة والسرد والشخصيات.

وكررت ذلك مع الوصايا.. وتبدأ قصتها مع رغبتى فى كتابة قصة جدى الشيخ عبدالوهاب سالم، الذى كان بالنسبة لى مثلا فى قوة الإرادة، وفى إعلاء الحق؛ كان يقضى بالحكم الشرعى فى قضية ما، ويمشى فى حوارى قريتنا فيسمع الناس تسبه، وأنا أمشى معه فأسمع ذلك وأكاد أجن ولكنى أراه يمشى واثقا فى نفسه غير مبال بالشتائم.

تعلمت منه كثيرا جدا، وهو «تعشم فيا» لما حفظت القرآن بسرعة وفى سن مبكرة فتعشم أنى سأكون «حاجة كبيرة» فى العلم؛ لكن الحقيقة كنت رجلا مارقا خالفت كل ظنونه ولم أنتج العلم الذى كان ينتظره منى.

والحادثة المهمة فى حياة بطل قصة الوصايا أنه كان يتلقى العلم الدينى فى جامع الأحمدى فى طنطا والذى كان فى القرن التاسع عشر منارة للعلم تقريبا مثل الأزهر وأحد علماء الأزهر العظام الشيخ محمد عبده تلقى العلم فى الأحمدى والداعية محمد متولى الشعرواى أيضا تعلم فى الجامع الأحمدى، وكذلك كان جدى الذى تعلم فى الأحمدى مثل أقرانه من ميسورى الحال.

هذا يكسر الصورة النمطية عن الريف فى الماضى؟

الفلاحون ليسوا جهلة كما تصورهم الأفلام او المسلسلات ووسائل الإعلام.

فقد كانت العائلات الميسورة، تقسم أولادها بين المدارس والغيطان.. أحد الأبناء يتفرغ للعلم والثانى للزراعة. وكانت الكتاتيب المنتشرة بوابات العلم الدينى التى تصل بحافظ القرآن إلى «الأحمدى» لمواصلة التعليم أو الذهاب إلى القاهرة.

ولكن الأزمة العالمية فى الثلاثينيات من القرن الماضى أثرت على الريف المصرى بصورة قاسية أكثر إيلاما مما حدث فى الأزمة المماثلة فى عام ٢٠٠٨.

لماذا؟

لأن مصر فى 2008 صارت عشوائية ولم تعد مرتبطة اقتصاديا بالسوق العالمى فلم تتأثر كما تأثرت بالكساد العالمى الذى حدث فى الثلاثينيات والذى أدى إلى إفلاس عدد كبير جدا من الفلاحين. ولم يكن لدى أجدادنا سيولة مادية، فكان الخواجات من اليهود او اليونانيين يقدمون القروض للفلاحين ليتمكنوا من زراعة الارض مع وجود شروط جزائية قاسية فى هذه العقود حال التوقف عن السداد. وكان العقد الخاص بجدى الذى تعرض للأزمة واقترض من الخواجة يقضى أن يتنازل عن ١٠ أفدنة من أرضه. وهكذا ضاع جزء كبير من الأرض وهى كانت مقدسة لدى جدى.

كنت متشبعا بما رواه لك لكنك تأخرت فى صياغة القصة.. لماذا كان هذا التأخير؟

بدأت الكتابة أيام الجامعة وأنتجت نصوصا رديئة، ثم عملت بالصحافة فى القاهرة عقب تخرجى فى الجامعة، ولكن مناخ الصحافة لم يعجبنى ورجعت إلى طنطا وعملت سائقا للتاكسى، وقررت أن أكتب قصصا بشكل جاد بدلا عن المحاولات الأولى الرديئة وبدأ كل شيء أمامى يتحول إلى قصة، وحلمت أن أسجل قصة العائلة وشجرتها أو ذكرياتها معى وظلت الفكرة تلح على وتطاردنى سنوات طويلة. وكان جدى رحمه الله معينا لا ينضب من القصص، التى حكاها لى وعندما أخذت الكتابة بجدية فى التسعينيات من القرن الماضى كتبت أول رواية لى وكان اسمه «هاجس موت»، لكنها كان بطعم إبداع التسعينيات ولغتها الكبيرة الباقية من قاموس إبداع السبعينات.

وظلت القصة معى حلما لا يريد الإفصاح عن نفسه.. وفى عام 98 كتبت رواية «الرجل العارى» وقلت إنى اقتربت قليلا من مناخ الرواية الحلم وعندما أعيد قراءة الرجل العارى أشعر بمدى ولعى وقتها بالشكل البوليسى وفكرة المطاردة.. وكيف ان رجلا عاريا يتجول فى القرية ومن خلال حركته اقرأ القرية بتفاصيلها وكان هذا مبهرا جدا لى ككاتب فى الخامسة والثلاثين من العمر. لكن الرواية لم تكن عن شجرة العائلة.

وفى عام ٢٠٠٢ قال لى المبدع السكندرى علاء خالد: لو كتبت عن بلدكم سأنشر لك ما تكتبه.. وهنا حدث المنعطف المهم فى حياتى لأنى كتبت القرية المنسية الغارقة تحت ركام الوقائع، وضعف الذاكرة. وبالفعل نشر علاء لى ما كتبته عن قريتنا فى كتابى «ناس وأماكن» الذى لمست فيه العصب العارى للواقع وكتبت عن القرية التى عرفتها فعرفت من خلالها الكتابة الحقيقية وعرفت معنى الحياة العميقة والنظيفة فى الريف.

ماذا تعنى بالحياه النظيفة فى الريف؟

الكتابة الحقيقية هى تحويل كل ما نشعر به بشكل فريد إلى كلمات. أنا كنت أتعجب من فكرة بسيطة جدا فى القرى، وهى أن قرانا كانت تخلو من القمامة لأن محصول الغيط ينقسم إلى جزءين: جزء للأكل وجزء للحيوانات او للفرن وتستمر دورة الحياة الكاملة نظيفة عميقة.

وعندما التقط هذه الفكرة التى قد لا يلاحظها أحد وتتجسد فى صفحة أو صفحتين أتلمس روح الكتابة الحقيقية التى علمتنى على سبيل المثال أن أفهم علاقة الفلاح بالنور ودرجاته؛ فالفلاحون يعرفون أن النور طبقات وليس نور الصبح فقط بل نور الليل الذى يبدأ باللمبة الصفيح وبعدها اللمبة نمرة 5 ثم اللمبة نمرة 10 ثم الفانوس والوناسة ثم يأتى سيد المصابيح الكلوب ذو الرتينة.

وقلت لنفسى لن أكتب إلا هذا لأنه عالمى ولنا فى الكتابة عن القرية إرث كبير لمبدعين كبار مثل الأرض للشرقاوى والحرام ليوسف إدريس وأيام الإنسان السبعة لعبدالحكيم قاسم... وقلت لنفسى «اروح فين وسط هؤلاء الكبار»؟!

فبحثت لنفسى عن طريق لى وحدى وشجعنى ما نشره لى علاء خالد تحت عنوان «ناس وأماكن»، وقلت الآن عرفت الأرض، وصرت قادرا على كتابة قصتي/ الحلم.

كنت كمن يجرى بحثا ميدانيا عن أرض وقرية وناسها، ثم قال لنفسه الآن صارت الكتابة سهلة، وبدأ الكتابة بالفعل عن العائلة، وأحداث الرواية وشخوصها ( والنص لا يزال موجودا ) ولكنى لم أعجب به كثيرا.

كان ممكنا بحكم الخبرة التى امتلكتها فى الكتابة عبر إصدار روايات كثيرة أن أضبط إيقاع أحداث النص، أو أعمق الشخصيات، لكن شيئا وقف بينى وبين النص لأنى لم أكن أريد قصة جميلة فقط.. كنت أريد رواية أرى فيها نفسى. وقلت يبدو أن هذا النص لن يكتب أبدا.

ما الذى أعادك إلى النص المستحيل؟

كتبت فى ٢٠٠٤؛ فكتبت رواية «حالة مستقرة، وهى رواية أحبها جدا لأن فيها قصة أخى عبده - الله يرحمه - الذى ذهب إلى حفر الباطن وحضر حرب الخليج الأولى سنة 90؛ ثم كتبت بعدها أيام النوافذ الزرقاء، التى نلت عنها جائزة الدولة التشجيعية، ثم كتبت حكايات يوسف تادرس التى فازت بجائزة نجيب محفوظ، وصوت الغراب؛ ومر العمر والحلم فى الأدراج إلى أن جاء عام ٢٠١٥ وكنت فى مؤتمر الرواية فى القاهرة، ثم وأنا عائد إلى طنطا.. وأنا فى انتظار القطار جلس رجل عجوز - 75 سنة - وكان أستاذا جامعيا فى الاقتصاد بجوارى.. تكلمنا كثيرا وحصلت بيننا راحة نفسية فقال لي: أنا هاقولك عشر وصايا تنفعك فى حياتك وبدأ فى سرد وصاياه

-1 فلوسك جنودك؛ -2 لا تأمن للنساء؛ -3 مصر بلد مش هيتصلح حالها... فى هذه اللحظة حصل شيء داخلى.. استحضرت روح جدى وصوته ووجدت مفتاح الحكاية. وعندما عدت للبيت حكيت لأفراد أسرتى الموقف وما حدث فقالت لى ابنتى «ليه يا بابا ما تكتبش الحكايات دى».

فى اليوم الثانى ازدادت الصورة وضوحا وشعرت أن جدى حضر بكل ما قاله لى طوال حياته وتجسد فى يوم واحد هو يوم وفاته.

وهنا عدت للنص وبدأت أطوعه وأكتب تفاصيله على إيقاع الوصايا التى قالها لى جدى.

واليوم أستطيع أن أقول إننى سعيد بأمرين فى حياتى.. الأول أننى نلت جائزة باسم نجيب محفوظ، والثانى اننى كتبت الوصايا لأنها كانت حلما مستعصيا نجحت فى النهاية أن أروضه وأكتبه.. وأنه رشح لجائزة البوكر.. وصحيح أنى أحلم بالجائزة لكننى فزت بالفعل عندما حققت حلمى بالكتابة وفزت بهذا الرصيد من الإعجاب النقدى من المبدعين بهذه الرواية.

المستبد العادل

فى الرواية قدمت فكرة المستبد العادل من خلال شخصية الجد الذى يتحكم فى كل شيء فى العائلة ويترك الوصايا تعمل من بعده، او هكذا يريد لها ان تعمل، ويستمر فى السيطرة. كما قدمت فكرة المركزية التى تمثلت فى بيت العائلة الذى كان انهياره مسألة رمزية مهمة فى سياق الرواية وهل هذه القراءة صحيحة؟

القراءه صحيحة ولكنى أريد ان أركز على شيء مهم وهو أن الظواهر التى تحدث على السطح سياسيا واجتماعيا ليست نبتا شيطانيا ينمو كالفطر على وجه المجتمع ولكنها ظواهر لها جذور يدركها من ينصت لصوت القاع اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

وضع تحت هذه القاعدة أى ظاهرة سياسية او اقتصادية سنجد أنها بنت هذه الأرض وبنت التحولات العميقة فى المجتمع. فعندما تشير فى قراءتك إلى فكرة المستبد العادل علينا أن ندرس الأرضية التى أوجدت شخصية الجد الذى لا أستطيع أن أجعله عادلا فقط او مستبدا فقط. هكذا عشت حياته وعشت حيوات كثيرين غيره من هؤلاء المستبدين العادلين الذى يريدون أن يكون العالم مثاليا وفق تصوراتهم، لكنهم ليسوا نبتا شيطانيا كما ألمحت قبل قليل.

وأريد أن أشير هنا إلى أننى لا أستبعد القراءات السياسية للنص لكنى لست معنيا بالسياسة وتفاصيلها والإسقاطات السياسية بل بالواقع الاحتماعى.

ولكن الرواية فيها ظواهر قد يراها الكثيرون غير واقعية مثل قصة الحب الأسطورية بين الجد والحبيبة التى لم يتزوجها وظلت حبيبته والصديقة المقربة وتوءم الروح.. هل هذه واقعية ريفية ام اختراع روائي؟

سئلت هذا السؤال كثيرا وقلت إن من يستنكر لا يعرف الصورة الحقيقية للريف المصرى. فأنا شاهد على قصص كثيرة مثل هذه القصة. وقد قال البعض أن عادل عصمت يغازل الحركة النسوية ويقدم صورة مثالية للمرأة فى أعماله.. نساء روايته قويات ويصلحن نماذج نسوية. ولكنى أصدقكم القول إن النساء اللاتى ظهرن فى رواياتى وفى الوصايا من لحم ودم ويعشن فى قرانا ومدننا الصغيرة. المرأه فى الريف قادرة على الحب والعطاء. ليست قصة الحب غير المكتمل أسطورية كما يشير سؤالكم ولكنها واقعية جدا، وعرفت قصصا مثلها. وانا لا أكتب بأيديولوجيا قبل الكتابة بل أكتب جوهر الشخصيات بلا انحياز. بل وفى كثير من الأحيان أتجنب وضع رؤيتى حول الشخصيات.

تقول إن كتابة روايات المدينة والتوقف عندها فقط ظالم لوصف مصر الحقيقية والكشف عن شخصيتها. ألم يقل عبدالحكيم قاسم وإدريس ذلك؟

فعلوا بالفعل وأنا ذكرت هذا.. ولكنى أقول إن الاكتفاء بصورة واحدة عن مصر ظلم كبير لشخصيتنا الوطنية. فلدينا تعدد فى الصور لابد أن نلتفت إليها ونقرأها بعناية ونسردها لتكتمل أمامنا صورتنا ولا نفرض تصورا وحدا عليها، خاصة وأن معظم أبناء مصر يعيشون فى القرى والمدن الصغرى وليس فى المدن الكبرى.

اللغة وطقوس الكتابة

نريد أن نتعرف على طقوس الكتابة وهل تكتب كل يوم مثلا؟

طقوس الكتابة مهمة بالنسبة لى، فأنا بالفعل أكتب كل يوم.. وقلت لنفسى سأكتب ساعة كل يوم أيا كانت الكتابة. أكتب كل ما يخطر على بالى إلى درجة أنى أسجل بعض ما يحكيه لى الأصدقاء.

هل هو تدريب على الكتابة فقط؟

لا.. بل أريد ان تكون الكتابة بالنسبة لى كالتنفس والكلام

ألا يعطل ذلك الفن مثلا أن تنشغل بالكتابة ذاتها ايا كان شكلها؟

ما اقوم به هو ان أجعل نفسى جاهزة لاستقبال الفن عندما يأتى.

ماركيز كان يقول ما أقوله وكان فى الفترة التى تمضى بين كتابة روايتين يكتب كل يوم فقرة من سيرته وهو يحقق بذلك أمرين مهمين، الأولى أنه يدون سيرته التى صدرت فى كتاب والثانى أن يكون القلم جاهزا عندما يهبط عليه الإلهام الفنى.

تكلمت عن الكتابة المستمرة فماذا عن القراءة وهل تقرأ فقط السرد الروائى ام تقرأ الشعر؟ خاصة وأن رواياتك لا تخلو من ملامح شعرية مبثوثة فى السياق الروائي؟

أنا من محبى الرواية وأرى أنها فن عظيم قال عنه نجيب محفوظ ردا على العقاد يوما ما انها ستكون ديوان العرب؛ لكنى أحب فن القصة القصيرة والشعر؛ وأعتبر ان الفنان الذى يحقق طفرة فى كتابته الروائية هو من يكتب القصة او يتعاطى الشعر.

حالة الشعر نلمسها فى لحظات المفارقة والوداع التى تكثفها فنشعر برائحة التراب.. ولكن لحظات الوداع عندك تتكثف فى مناطق بدرجات.. يعنى البطل يبكى أخاه ولا يبكى والده. هل نحن إزاء لوم وانتقاد للوالد لأنه السبب فى ضياع الأرض؟

كان لديه «عشم» فى أخيه أن يكون سندا له فى الحياة وأن يكون حافظا للأرض من الضياع مرة أخرى. فأبوه صار شيخا كبيرا. ولذلك بكى عندما فقد السند، كما ان قيمة الأخ فى الريف تقترب فى كثير من الأحيان الى قيمة الأب خاصة الأخ الأكبر الذى يرعى شئون العائلة.

ولكنك أيضا كروائى كنت منحازا لعلى سليم الفلاح؟

لا أنكر ذلك مع أنى عاملت شخصيات الرواية بعدالة. وأنا أحب شخصية على سليم فى فهم الأرض فهما حسيا عمليا واعتقد انه طبق حلم الأب فى العلم بطريقة أخرى وهى العلم بالحواس الخمسة التى يلمس بها الفلاح أرضه ويحفظ تفاصيلها وربما لذلك بكاه أخوه كثيرا لأنه يمثل قيمة مهمة له وللعائلة.

ولكن الجد كمستبد كان يحمل ضعفه الخاص أو حلمه المؤجل؟

الشخص الريفى ليس مفردا بل هو حلقة فى سلسلة جماعية ويمكن ان يوقف حلمه بالزواج مثلا او استكمال التعليم كما فعل الجد ويؤدى واجبه تجاه العائلة او الجماعة التى ينتمى اليها والجد كان حلمه فى العلم مؤجلا إلى حفيده الذى ترك له الوصايا ليكمل له حلمه ولكن الحفيد فى النهاية لم يستمع لهذا الحلم.

وهل تشعر بذلك مع جدك الحقيقى؟

كنت مارقا كما قلت لكم ولم أحقق حلم جدى لكنى الآن أشعر بروحه، وأعتقد انه سيفرح كثيرا لأنى صنعت من وصاياه وحكاياته تمثالا فنيا.

هناك سؤال فى مسألة اللغة.. الفلاح لما يتكلم يقول «هنروح الغيط» ولا يقول هاروح».. هذه اللغة الجماعية كانت موجودة فى روح عبدالرحمن الذى يتكلم كمفرد بصيغة الجمع؟

ثمة تجارب إبداعية تساعدنى على مثل هذه الكتابة منها لغة إدريس ولغة محسن يونس؛و عندى طموح ان أزحزح اللغة من الكتابية إلى الشفاهية وأحول اللغة الشفاهية إلى كتابية. و «حكايات يوسف تادرس» عندما ترجمت، قدمت المترجمة الرواية بلغة الحديث القريب من الشفاهية.

وأريد أن أطور اللغة الخاصة بى لتقترب من هذه الدرجة التى يتداخل فيها الفردى بالجماعى واللغة الإشاريه ببلاغة الواقعية التى يتكلم بها أهلنا فى الريف .

أريد للكتابة أن تقترب من القلب.. والشعرية موجودة لدى الناس العاديين ومن يتكلم عن الشعرية فى يوسف تادرس أدعوه لتأمل الحديث اليومى الذى يقطر شعرا من دون ان ندرى ويقطر لغة مجازية أحيانا وإشارية زحيانا وواقعية بفجاجة فى أحيان أخرى لكنه حالة إنسانير بديعة تستحق التأمل وأفكر فى عمل معجم صغير للألفاظ الشائعة فى حوارنا لأن الحوار اليومى مليء بالشعرية.

هل تمثل اللغة قضيتك الأساسية أم أن هناك قضايا اجتماعية تكتب عنها؟

لكل انسان فى الدنيا همومه الشخصية وقضاياه وليست اللغة هدفا فى حد ذاتها فى الإبداع لكن إبداعنا يقوم على اللغة والتعامل معها ولكنى مشغول بالحياة ذاتها وبفكرة الزمن.. يعنى تعرضت لفكرة وفقد أخى وربما انعكس هذا فى الرواية. ولا افهم للآن فكرة الوفاة رغم أننى تعرضت لوفيات كثيره لكن فكرة الموت ومعنى الزمن لا تزال تلح على إبداعيا وانسانيا.

فى نهاية الرواية النهاية قدمت مشهدا استثنائيا مع العمة التى أصرت على دفن جلباب أخيها بدلا عن جثته فى مقابر العائلة؟

ما فعلته العمة فاطمة كان واقعيا وأسطوريا وهو يمتد إلى الطقس الفرعونى القديم الذى يدفن فيه المصريون القدماء حاجيات الميت معه فى المقبرة لكن العمة فى الرواية عوضت بدفن الجلباب غياب جثة أخيها الذى رفض الدفن فى مقابر العائلة لأنه انتمى إلى زمن آخر وأماكن أخرى وهى أرادت أن تعود به إلى الإرث القديم فالعمة هى آخر سلسال الوجدان العظيم الذى زرع هذه الحياة بحلوها ومرها وكانت غير قادره على منع التحديث الذى وقع لأخيها الذى تعلم وعمل فى كل أنحاء الدنيا. ولكنها رفضت فكرة أن يدفن فى مقابر غير مقابر العائلة ولما لم تتمكن من الفعل الحسى قدمت بديلا رمزيا لذلك بدفن الجلباب فمنحت الموت والدفن معنى جديدا.

الروايه تكشف وعيا كبيرا بالريف وتكشف أيضا وفرة ما يمكن تسميته بالمادة الخام عن حياة الريفيين فهل هذه الوفرة نعمة ام نقمة فى عمل الروائى الذى يقوم على الحذف والانتقاء؟

وفرة المادة الخام وقرب الروائى من مصادر روايته تمثل فرصة ومأزقا فى آن واحد.

فثراء الحياة الريفية التى عشناها – وهو ليس كما تصوره الأغانى والأفلام – هو ثراء إنسانى عظيم يمنح فرصة للمبدع الذى يفهمه فى التقاط الجوهرى منه والأعمق وتحويله إلى فن وهنا يأتى المأزق فى كيفية تحويل ثراء التفاصيل والمادة الخام؛ وهنا يأتى دور الوعى بالفن والتمرس فى الكتابة لأن ثراء التفاصيل قد يدفعك فى أثناء الكتابة إلى قصص فرعية كثيرة ومتشعبة والكاتب غير المتمرس ربما يغرق فى هذه التفاصيل والتشابكات فيقدم مادة غزيرة التفاصيل لكنها ضعيفة فنيا أما المتمرس فسيعرف أين يقف بقصته وأين يمضى بها بعيدا عن التفاصيل بل بتوظيفها.

وهل مررت بخبرة التفاصيل التى قد تفسد العمل؟

سأحكى لكم عن أول قصة لى نشرتها أخبار الأدب و كانت عن أم ذهب ابنها إلى العراق ومات هناك وكنت أكتب تفاصيل القصة عن الأم وانتظار الجثمان وعمال التراحيل والناس الذين يموتون فى العراق ودخلت فى تفاصيل جانبية وتحدثت عن أبيه وأخواله الذين يذهبون كل يوم للمطار فى انتظار الجثمان. كتبت عددا هائلا من التفاصيل ولكنى فى يوم ما تذكرت الخيط الأساس فى القصة او اللحظة المكثفة وهى ان الأم كانت تنتظر الابن لتحتفل بعرسه فجاءها خبره.. هنا اندفعت فى تقصى حالة ذهول الأم التى بدأت تجمع كل الأشياء البسيطة من ورق صحف وورق مقطوع من المصحف وقصاقيص القماش وبقايا شعر وبدأت تصنع عروسة-دمية - لابنها الميت وانتظرت إلى أن جاء جثمانه إلى القرية وقبل أن يدفنوه أصرت على فتح النعش ووضع العروسة فيه ليتم زواج ابنها كما تصورته. هنا ولدت القصة مستفيدة من الثراء ومن لحظات الدراما الخاصة جدا والمكثفة جدا وقمت بعملية عزل للجانبى لأشفى القصة من تشابكات التفاصيل.

فى طريقتة للعزل والانتقاء تلجأ إلى السرد على لسان الراوى او الشخصيات ونادرا ما تلجأ للحوار؟

رواد الرواية فى عالمنا العربى حتى نجيب محفوظ غرسوا الرواية فى أرضنا على النمط الأوروبى او على الطريقة الدرامية القديمة القادمة من خشبة المسرح.

نجيب محفوظ لما زرع الرواية فى أرضنا غرسها بالطريقة الأوروبية مع توظيف لدور الراوى فى تحليل الشخصيات ولكنى أفكر فى سرد آخر وهو سرد يشبه من بعيد سرد ألف ليلة وليلة.. المصدر الكبير لابداع العرب الشفاهى وهذا طموح كبير أتمنى أن أصل إليه.. ان أكتب ذلك السرد الشفاهى وان أكتب الرواية كما لو كان هناك من يقولها لا يكتبها.

وهنا تعلمت من ماركيز مثلا اللجوء للحوار غير المباشر للهرب من الثنائية اللغوية الموجودة عندنا فى مصر بين العامية والفصحى وهذه مشكلة لا تزال تطرح فشخصية عبدالوهاب فى الروايه مثلا من الصعب ان أجعله يتكلم العامية ومن الصعب ايضا ان أجعله أقرب للشفاهة ولذلك استخدمت طريقة الحوار غير المباشر عبر السرد لألغى المسرحة او وضع الشخوص على خشبة الروائى وفى الوقت نفسه جعلت السرد قريبا من العامية بالفصحى البسيطة التى يمكن ان تتحول إلى لغة شفاهة.

الا يمكن ان تكتب السرد بالفصحى والحوار بالعامية كما يفعل روائيون

كثيرون؟

ما المنطق فى هذه الثنائية؟


المنطق هو طموحك ان تصل بالسرد الى درجه المشافهة الا تعنى الشفاهيه هنا توظيف لغة الشارع وهى عامية؟

لابد أن نتفق فى البداية ان هذه قصص وليست ترجمة للواقع بما يعنى أنها اختراع وتجربة فنية لغوية ولو نقلت لغة الخباز والفلاح بحرفيتها فما الإبداع فى ذلك، بعيدا عن نقل التجربة الروحية له.. استخدام العاميه أحيانا يبتذل الشخصية والتجربة الفنية وأنا ليس لدى مبرر فنى للكتابة بالعامية ما دمت قادرا على توظيف الفصحى البسيطة فى السرد وقد نجحت التجربة مع نجيب محفوظ لان الرواية او القصة عمل اصطناعى لنقل جوهر الحياة وليس ترجمة لما يدور

ولدينا تجربة مهمة للروائى الكبير محسن يونس نجح فيها فى الوصول إلى درجة كبيرة مما أقول وكتب نصا أقرب لنبرة الشفاهية الحياتية بلغة عربية فصحى ولم يتعرض نص محسن يونس للدرس النقدى بما يستحقه.

وستظل مشكلة اللغة التى نكتب بها مسألة او مشكلة نقدية نسعى نحن المبدعين لحلها بابتكار طرائق فى استخدام اللغة. ونتمنى من النقاد ان يدرسوا التجارب التى تتم فى هذا السياق

السؤال الاخير

يقال ان داستن هوفمان قال بعد ان قدم دوره الفذ فى فيلم رجل المطر لو لم أفز بجائرة الأوسكار عن هذا الدور سأضرب لجنة التحكيم بالرصاص؟

بعيدا عن صحة هذه الحكاية من عدمه ماذا يقول عادل عصمت عن الجائزة التى ستعلن بعد أيام؟

بالطبع أرجو ان أفوز بالجائزة فهى مهمة للغاية لمسيرتى الإبداعية. ولكنى لن أغضب إذا لم أفز بها. فهناك روايات مهمة فى القائمة القصيرة ويكفينى أن يحتفل بروايتى المثقفون العرب فالجوائز لا تصنع المبدع بل يصنعه عمله وتواصله مع القراء وخاصة قراء الأهرام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق