الثلاثاء 10 من شعبان 1440 هــ 16 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48343

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القابلية للإيحاء!

يحلو لأهل الفن التعبير عن نجاح الأعمال الإبداعية بأنها استطاعت خلق «حالة»، وهذه الكلمة متشعبة الدلالات، وترصد تجاوب الناس مع العمل الفنى وخضوعهم لتأثيراته الجمالية والنفسية والعاطفية، لتصل أخيرا للحالة العقلية، فالفن يخاطب العواطف مباشرة، بما لها من تأثير على عقل الإنسان واتجاهاته.

يحدث ذلك لأن فى عملية التواصل الإنسانى تسبق العاطفة الغريزية المعرفة العقلانية، فكلاهما يعتمد على أجهزة نفسية وبيولوجية منفصلة، وقد فسرها د. (جوزيف لودو) عالم الأعصاب بجامعة نيويورك وصاحب كتاب (المخ الانفعالي) بأن الاستجابة العاطفية لأى موقف تسبق الاستجابة المعرفية، كأن يرى أحدهم عصا فيعتقد أنها ثعبان، فينتفض جريا، ثم يستجيب معرفيا بعد ذلك ليهدئ من روعه، بعد التقييم العقلى بأنها مجرد عصا، لأن الوصلات العصبية المتجهة من الأجهزة الانفعالية بالمخ، أقوى من المعرفية، فافترض أن هناك استجابة سريعة تمر بجوار قشرة الدماغ، تسمح بالرد الغريزى السريع، لأى تهديد خارجي، وهناك دائرة استجابة بطيئة التأثير بالدماغ، تقوم بعملية التقييم عن المعنى العاطفى الأولي، وتسمح للإنسان باتخاذ الموقف المعقول بناء على معرفة صحيحة، لذلك يكون العمل الفنى ناجحا لأنه يتوجه إلى العواطف، بكل أحماله الثقيلة، من المثيرات العاطفية من الأدوات الفنية المتشابكة، من أداء وموسيقى ورسم وحركة وجماليات مركبة، لتوصيل فكرة معينة، فتخلق «حالة» من الانقياد النفسى المباشر، قد يتبعه اقتناع عقلى فى عملية التقييم العقلاني، التى تتطلب تدريبا وتحكما ووعيا مكتسبا، لا يتوافر عند كل الناس بنفس الدرجة، لذلك فالفن أجمل وأوسع وسيلة للتأثير فى الناس، بإثارة العواطف تلقائيا، فقد أثبت العلم الحديث أنها قبل العقل والمعرفة الواعية لأنها أولية وجدانية، تسبق عملية التفكير، وتعتمد على المخزون النفسى والغريزى فى العقل الباطن أو اللاشعور.

وقد بلغ من قوة العقل الباطن أن هناك مدارس علاجية، اعتمدت عليه للشفاء من الأمراض المستعصية، بقوة الإيحاء النفسى للعقل الباطن الذى له سيطرة قوية على العواطف والمشاعر الناتجة عنها، وعلى الجسم البيولوجى أيضا، وتصل قوة الإيحاء إلى التنويم المغناطيسي، حيث يتعرض الشخص الخاضع لعملية التنويم، إلى قوة إيحاء عالية من شخص آخر، فيمكنه إيهام المنوم مغناطيسيا، ببعض المعلومات عن نفسه، ويخضعه لها، كإيهامه بالشلل، فلا يستطيع التحرك! واستغل العلماء هذه المساحة وتطويعها للعلاج، بإقناع المريض بقدرته على الشفاء، والثقة فى اجتيازه المحنة، فتتولد لديه الرغبة والإرادة، وتستجيب وظائف الجسم، والجهاز المناعي، لتحقيق الغرض الذى سبق الإيمان بحدوثه!، وهذا عن تجربة شخصية فى تربية الأطفال واجتياز المواقف الصعبة!

يختلف الناس فى قدراتهم، فهناك من لديهم القدرة على الإيحاء،وهناك من لديهم القابلية للإيحاء،فقد ضربت بنات الأزهر بأسيوط مثلا صارخا للقابلية للإيحاء، فقد سمعن صوت استغاثة، وهو المثير، المؤثر عاطفيا، خلق روايات عديدة عن هذا الصوت، وإنه لحالة خطف، ثم حالة اغتصاب، ثم قتل، ولعبت بهن العواطف والخيالات، يغذين بها بعضهن البعض، ولم تفلح معهن كل الأدلة الواعية، أن القصة مختلفة ولا أساس لها من الصحة، ولم يبلغ أحد عن أى حادث اختفاء لأى من الطالبات، وتم كشف الحقائق بشفافية لدحض الأكاذيب، إلا أن مظاهر الاضطراب استمرت لتكشف مستوى التردى فى التعليم والتربية، التى تطلق للعواطف العنان، ولا يكبحها التقييم العقلاني، لصنع التوازن ما بين العقل والعاطفة!

يعتمد الإعلام المعادى للدول العربية المتمركز فى قطر وتركيا على هذه القابلية للإيحاء، بتكثيف المثيرات العاطفية من الإيحاءات الكثيرة من أكاذيب فى صورة روايات مصنوعة، وأفلام محبوكة، وخطاب متشنج، ولغة صارخة وصلت لبذاءات صادمة، بهدف الوصول إلى عواطف الناس، وخلق حالة من عدم الاطمئنان والرفض والاضطراب وانعدام الثقة والرضا، ولكنهم لا يدركون أن هذه التوليفة من أدوات النصب الدعائي، قد استنفذت مصداقيتها علميا، فصحيح أن العالم البرتغالى (روبرت دما سيو) أستاذ الأعصاب والأمراض السلوكية بكاليفورنيا، ومؤلف كتاب «الشعور بما يحدث»، يؤكد أن الإنسان يستجيب للمثيرات المؤثرة عاطفيا تلقائيا، للحفاظ على حياته ويمتد ذلك للحفاظ على حياة المجتمع الذى يعيش فيه، إلا أن ذلك يعقبه انفعال المخ بهذا المثير، ليدرك أهميته الضارة أو النافعة، فيتولد لديه شعور وأحاسيس قوية يختزنها العقل الباطن، وقد مر العالم العربى بهذه الحالة، واستجاب لنداءات الإثارة والفوضى المرتبة مخابراتيا، إلا أن الخبرة الواعية التى تركتها هذه الاستجابة العاطفية وما نتج عنها من دمار إنسانى رهيب، لم تترك لعمى البصيرة والقابلية للإيحاء حيزا لتتلاعب به ونظرا لدقة الموضوع وحساسيته نكمله فى حديث آخر.


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: