الثلاثاء 10 من شعبان 1440 هــ 16 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48343

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لاجئون هنا.. ولاجئون هناك

هل تعلم أن أول مشكلة لاجئين أزعجت العالم وتحرك بشكل جماعى من أجلها، كانت خاصة بملايين الأوروبيين الذين شردتهم الحرب العالمية الثانية، فقد طلب نحو 11 مليوناً من غير الألمان اللجوء آنذاك فى المناطق التى يسيطر عليها الحلفاء، بينما طرد 13 مليون ألمانى من الاتحاد السوفيتى وتشيكوسلوفاكيا وبولندا، وتأسست من أجلهم وكالة الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين، التى أصبحت فيما بعد مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

وهل تعلم أن عدد النازحين من أوطانهم على مستوى العالم الآن حسب التقرير السنوى للمفوضية وصل إلى 68.5 مليون شخص مع نهاية عام 2017، وهناك 16.2 مليون شخص نزحوا خلال 2017 للمرة الأولى بشكل متكرر، وهو ما يشير إلى وجود تحركات لأعداد كبيرة من الأشخاص بمعدل نزوح شخص كل ثانيتين، وأن نحو 70% من اللاجئين فى العالم فروا من خمس دول فقط هى سوريا وأفغانستان وجنوب السودان وميانمار والصومال.

بسبب هذه الأعداد الضخمة، واستمرار الحروب والأزمات الإنسانية فى كثير من مناطق العالم مثل فلسطين وسوريا وليبيا واليمن والعراق وبعض مناطق إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأفغانستان وميانمار، تحولت مشكلة تدفق اللاجئين إلى أزمة كبيرة لدى عديد من دول العالم وخاصة الدول الكبري.

فقد شهدت أوروبا خلافات كثيرة حول التعامل مع المهاجرين واللاجئين الذين تدفقوا بأعداد ضخمة على القارة الأوروبية بكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة هربا من جحيم الأوضاع فى بعض مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا. إيطاليا رفضت استقبال المزيد ودخلت فى سجال مع فرنسا حول هذا الموضوع، وألمانيا طالبت بسياسة أوروبية موحدة لمواجهة الموقف، معتبرة أن هذا الملف يمثل اختبارا حاسما لمستقبل أوروبا وتماسكها، واحتل موضوع الهجرة غير الشرعية الأولوية لدى الاتحاد الأوروبي، وبدأ السعى لحل للمساهمة فى حل بعض أزمات جنوب البحر المتوسط لوقف تدفق المهاجرين واللاجئين.

حتى منظمة العفو الدولية استنكرت عدة مرات بعض أساليب التعامل مع الهاربين من جحيم بلادهم، وأكدت أنه ينبغى على قادة العالم أن يعطوا الأولوية قبل كل شيء لإنقاذ أرواح البشر، ومع ذلك غرق أكثر من سبعة آلاف شخص فى البحر المتوسط وحده خلال الأعوام الأخيرة، وعانى آلاف الأشخاص الفارين من الاضطهاد فى ميانمار لأسابيع على متن القوارب، بينما ظلت كل من تايلاند وماليزيا وإندونيسيا تتجادل فيما بينها حول من ينبغى أن يساعدهم. وتحتل المنطقة العربية الصدارة فى حجم اللاجئين الفارين منها والذين تصل نسبتهم إلى 40% من عدد اللاجئين على مستوى العالم، وخوفا من اندماج اللاجئين فى بعض مجتمعات الدول العربية المضيفة التى تعانى أصلا من مشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة وعدم عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، حرصت هذه المجتمعات على وضع معظم اللاجئين فى معسكرات خاصة، بشكل يؤدى إلى عدم حصولهم على الخدمات والاحتياجات الخاصة بهم، وشددت الرقابة على المعابر الحدودية لمنع تدفق المزيد، وتزايد الحديث عن المخاطر الأمنية والسياسية والطائفية والديموجرافية والاقتصادية التى يشكلها اللاجئون فى الدول العربية المضيفة، وتحول الأمر إلى أزمة كبيرة لكل من اللاجئين والدول المضيفة.

أما فى مصر، فلدينا تاريخ طويل من استقبال اللاجئين والاهتمام بهم، لأسباب تتعلق بموقع مصر الجيوسياسى والدور القيادى الذى تلعبه على المستويين العربى والإفريقي، فنحن من أولى الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين عام 1951، واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية عام 1969 التى تحكم الجوانب الخاصة بمشكلات اللاجئين فى إفريقيا، وهناك شخصيات سياسية عربية وإفريقية شهيرة من جميع الاتجاهات كانت من اللاجئين فى مصر، فالقاهرة تستضيف أى لاجئ بغض النظر عن انتمائه العرقى والقبلى والسياسي، طالما يلتزم بقوانين البلاد.

لذلك فإن لدينا الآن نحو خمسة ملايين لاجئ من 36 دولة على رأسها سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا وإريتريا والصومال وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان وغيرها، لا يعيشون فى معسكرات خاصة بهم، بل يندمجون مع المجتمع ويعملون فى مهن شتي، ووصل الأمر الى تركزهم فى مناطق محددة بشكل ضخم مثل وجود السوريين والعراقيين فى مدينة أكتوبر، وأبناء جنوب السودان فى حدائق المعادي، والصوماليين فى أرض اللواء ومدينة نصر، ونجح بعضهم مثل السوريين فى السيطرة على قطاع كبير من المطاعم ومحال الملابس الجاهزة.

ومعظم هؤلاء خاصة اللاجئين العرب مثل اليمنيين والسوريين والسودانيين يحصلون على جميع الخدمات التعليمية والصحية الحكومية التى يحصل عليها المواطن المصرى دون أى تفرقة، رغم العبء الكبير الذى يشكله ذلك على الاقتصاد المصري، إلى جانب الخدمات التى يحصلون عليها من المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والتى تسمح لها الحكومة المصرية بإقامة شراكات مع المجتمع المدنى لتقديم الخدمات اللازمة للاجئين.

وخلال الأيام الماضية فجرت مصر مفاجأة جديدة فى التعامل مع اللاجئين عندما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى بتطبيق حملة « 100 مليون صحة» للكشف عن فيروس «سي» والضغط والسكر وزيادة الوزن والسمنة، على اللاجئين والأجانب ضيوف مصر، وهو ما يعنى توفير الكشف والعلاج اللازم لهم مجانا مثلما حدث مع جميع المصريين، وهو الموقف الذى لقى إشادات دولية من مفوضية اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية، خاصة أن مصر قررت منذ عام 2016 منح الخدمات الصحية الحكومية للاجئين وطالبى اللجوء مثل المصريين تماما، رغم أن المبادرة الخاصة بالأجانب سيتم إطلاقها اعتبارا من أول مايو وحتى نهاية سبتمبر المقبلين، إلا أن وزارة الصحة قامت بعمل تشغيل تجريبى لها على بعض ضيوف مصر من سوريا وفلسطين والمغرب والسودان والاتحاد الأوروبي.

المسألة ليست فى تقديم خدمة مجانية مهمة للاجئين، وإنما منهاج عمل مختلف عن معظم دول العالم تتعامل به مصر مع ضيوفها الهاربين من جحيم بلدانهم، وحسبما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي: «احنا فى مصر لدينا مايقرب من خمسة ملايين لاجئ، لم تقم مصر بالمزايدة عليهم أو ابتزاز أحد بشأنهم.. اتعاملنا معاهم كأنهم مواطنون ومن حقهم ياخدوا فرصة».

لاجئون هنا يتمتعون بكل مزايا المواطن المصري.. ولاجئين هناك لا يجدون الحد الأدنى من الكفاف.

عمار يا مصر.


لمزيد من مقالات فتحــى محمــود

رابط دائم: