الجمعة 29 من رجب 1440 هــ 5 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48332

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وليد عرفة يستهدف النهوض بها علميا وثقافيا..
البحث عن الشفـرة الوراثية للعمارة المصرية!

حوار: سهير عبدالحميد

  • نقلت نظرية الفنان أحمد مصطفى فى الخط التى احتفت بها ملكة بريطانيا إلى مسجد «باصونة»

  • العامل المصرى لايزال يمتلك «مهارة اليدين» لكنها مهددة بالضياع فى ظل الانشغال بلقمة العيش

مثلما اعتنق د. ميلاد حنا، نظرية الرقائق الحضارية السبع لمصر، انطلق المعمارى المصرى وليد عرفة، الذى وضع مشروع مسجد باصونة اسمه بين قوسين، فى فلسفته المعمارية من روافد العمارة المصرية التى أفرزتها الرقائق الحضارية السبع، وعينه مسلطة على الإرث الإسلامى تحديدا فى ميدان العمارة،موقنا بأن الاسترشاد بتراثنا العريق هوالطريق لإنتاج نماذج معمارية معاصرة.

رؤية رأينا لها نماذج فى دول مثل ماليزيا التى قدمت فى مساجدها تحديدا تصميمات تحمل مزيجا من العمارة الإسلامية والفن الماليزى المعاصر.

ويبدوأن المهندس وليد عرفة قد وضع قدمه على أول الطريق، فمسجد باصونة مركز مغاغة سوهاج، صار نموذجا التفت إليه المتخصصون بإعجاب، ووجدوا فيه الإتقان والابتكار معا فى تنفيذ معادلة الأصالة والمعاصرة وإثبات البصمة المحلية الوراثية المعمارية. وتم ترشيحه لجائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد فى 2019 ودخل القائمة القصيرة للجائزة ضمن 27 مسجدا.

لكن الأهم - فى تقديرى - ذلك الاحتفاء الذى استقبله به غير المتخصصين من أهإلى القرية الذين تذوقوا فى مسجدهم الجديد جمالا جديدا بعبق قديم.

ولأن وليد عرفة معمارى صاحب رؤية وفلسفة، كان لابد أن أبحث معه عن رؤية لإعادة الرونق للعمارة المصرية، التى دخلت كبوة طويلة بفعل العشوائيات والتخبط فى الطرز المعمارية.. حالة لا تتسق مع تاريخ بلد علم العالم أبجديات العمارة منذ فجر التاريخ، فإلى تفاصيل الحوار:

وليد عرفة معمارى مصرى، تخرج فى قسم العمارة والتخطيط العمرانى بكلية الهندسة جامعة عين شمس فى 2001، ثم حصل على شهادة الدراسات العليا فى الحفاظ على المبانى التاريخية من مدرسة العمارة الشهيرة بلندن والمعروفة بـ «الأركيتكتشر اسوسيشن» فى 2015 وكان عنوان بحثه المقدم «المسجد فى بريطانيا: تراث بريطانى» بدأ مشواره العملى المستقل بتصميم وتنفيذ منزل عائلته والذى رشح لجائزة الأغاخان للعمارة فى 2010.

البداية، كانت من خلال سؤال منذ أن تلمست الفارق بين العمارة والإنشاء، بين المعنى المخدوم والتقنية الخادمة، بين الوعى والسعى، تساءلت كطالب عمارة مصرى ينتمى لحضارة الإسلام: ما المعنى الذى يجب على أنا بالذات خدمته؟ ما هى العمارة التى ينتظرها العالم منى أنا وزملائى بالذات؟ ما العمارة المصرية؟ وما علاقتها بمذاهب ومدارس الفكر العالمية فى العمارة؟ وما علاقتها اليوم بما سبقها من تجلياتها التاريخية من المصرية القديمة، فالقبطية، فالإسلامية بمراحلها المختلفة، ثم تأثرها بروافد إغريقية ورومانية وكذلك دوائر انتمائها العربية والإفريقية والمتوسطية؟ وهل هناك خيط ناظم لذلك جميعا يصل الماضى بالحاضر بالمستقبل؟ منذ تلك اللحظة وإلى الآن محاولات مستمرة لتبين الإجابات.




وفى أثناء البحث عن إجابات لكل تلك الأسئلة قيض الله لى منابع معرفية منها تتلمذى على يد المعمارى المصرى العالمى طارق أبوالنجا والذى أعتبره بحق معلمى المعمارى الأول والأوحد والذى تعلمت منه الكثير جدا ومازلت. ومن الناحية الفكرية تأثرت بدروس الجامع الأزهر الشريف التى كان ينظمها العلامة مفتى الديار السابق وعضو هيئة كبار العلماء الدكتور على جمعة وكنت أحضر له دروسا مختلفة منها ما كان بعد الفجر مباشرة ومنها ما كان بين المغرب والعشاء،ولفتت نظرى، نظرته الفريدة للتراث ومعرفته العميقة بمدارس الفكر والفلسفات شرقية كانت أم غربية ثم معايشته المبهرة للواقع ونظرته الشاملة المستقبلية مع إنسانية فريدة وأبوة حانية لا أزال أتمتع بظلالها الوارفة، ثم أنعم على الله بمعرفة د. مصطفى حسن بدوى وهو طبيب نفسى مصرى مقيم بالمدينة المنورة وصاحب إطلاع واسع واهتمام بما أنتجته حضارة الإسلام من فنون وعمارة وله مؤلفات فى هذا الشأن بعدة لغات وقد اعتنى بى وعرفنى بأساطين الفكر أحياء وراحلين من أمثال الفيلسوف الفرنسى المتمصر «رينيه جينوه» (عبدالواحد يحيى لاحقا). ثم تعرفت وإياه على الفنان المصرى العالمى المقيم بلندن أحمد مصطفى والذى كشف الله له أسرار نظرية «ابن مقلة» فى الخط المنسوب، فصاغ منها نظرية كاملة للجمال (الاستاطيقا) من وجهة نظر الإسلام، ولم يتوقف عند حد كتابة سفره العظيم «الخط الكونى» الذى كان له تأثير عميق على توجهى فى التصميم، بل طبق ما فتح الله به عليه فى عدد كبير من الأعمال الفنية، مثل «مكعب المكعبات The Cube of Cubes ولوحات فنية ونسجية نالت اهتماما عالميا،حتى إن ملكة بريطانيا أهدت أحد أعماله للبرلمان الباكستانى فى عيد تأسيسه الخمسين، كما نظم الفاتيكان معرضا له وحطمت أعماله الأرقام القياسية فى أسعار الأعمال الفنية فى المزادات العالمية التى تنظمها سوثبيز وكريستيز. وفى بيت هذا الأخير كان لقائى بمعلمى الشاب وصديقى الأحب الشيخ أسامة الأزهرى والذى جذبنى إليه علمه الغزير وخلقه الجم وأخوته الصادقة ومشروعه الحضارى، الذى يحمل هم الهداية العامة للإنسانية جمعاء والذى جذب بدوره شبابا آخرين جميعهم ألمعيون فى تخصصاتهم وجميعهم يحمل هم صناعة الحضارة على أسس قويمة وكان الشيخ أسامة هو بؤرة الجذب ومجمع كل تلك البحور ومدخلا لى ولهم فى فهم تراث الإسلام وتاريخ وحضارة مصر.


ما نظريتك وفلسفتك المعمارية التى أردت أن تضعها بين قوسين، عندما وضعت تصميم مسجد باصونة؟

الوصول للشفرة الوراثية للعمارة المصرية وماهيتها وإعادة اتصال ما انقطع من سند العمارة المصرية، الذى ظل متصلا من عصور الفراعين وحتى نهاية العصر المملوكى،والذى نتج بسببه ذلك الكم الهائل من الصروح المعمارية المصرية عبر عصورها ثم تنزيلها على واقعنا المعاصر للمساهمة فى التأسيس لحلقة جديدة وأصيلة من حلقات العمارة المصرية،والتى تعرف هويتها وتعرف دورها الحضارى ورسالتها نحوالإنسانية جميعها.

كيف حققت معادلة الأصالة والمعاصرة فى تصميم مسجد «باصونة»؟

كان علينا مراعاة البيئة المحيطة بالمسجد، وألا يشعر المصلى بأى ضوضاء.وأن نوفر إضاءة وتهوية طبيعية، لذا استخدمت عنصرا إنشائيا قديما اسمه «المثلث الكروى» والذى يستخدم فى العادة لتحويل المسقط الأفقى المربع لمسقط دائرى لحمل القباب، لكن هنا استخدمته بوظيفة مستحدثة بوصفه «ملقف هواء» موجه ناحية الرياح المحببة وبما يراعى مسارات الشمس بحيث يسمح بإضاءة طبيعية داخل قاعة الصلاة الرئيسية. وفى المركز من تلك المصفوفة المبتكرة القبة المركزية غير المسبوقة تصميما وإنشاء وخامة، ويبلغ قطرها 6 أمتار وارتفاعها 3 أمتار.

كما راعيت فى التصميم استغلال الفراغات، فصمم «البدروم» لتكون مساحته قابلة للتقسيم، وذلك بالتحكم فى الإضاءة ووضع حواجز متحركة كما فى المسجد النبوى، مما يتيح الانتفاع بهذه المساحة فى إقامة أنشطة لخدمة أهل القرية، مثل تنظيم فصول لمحوالأمية وتحفيظ القرآن.

كما خلا المسجد من النوافذ، إلا واحدة تطل على المقابر ذات المساحة الكبيرة فى إشارة رمزية عندما يقف الإمام قائلا: «صلوا صلاة مودع» فيقف المصلى يستقبل القبلة وعلى يساره المقابر. تم استبدال النوافذ بفتحات علوية، لتقليل دخول الهواء الملوث بفعل الماشية وعربات التوك توك. واعتمدت فى البناء على طوب محلى «رملى خفيف «، وهى الخامة نفسها التى استخدمتها فى بناء منزلى، إذ أنه يتسم بقابليته للتشكيل والعزل الصوتى والحرارى ومقاومته للحريق،.أما الشكل الخارجى فاستخدمت له «حجر الهاشمى» وهورملى جيرى يتحمل الأتربة وأشعة الشمس وذلك يلائم طبيعة المكان الشديد الحرارة ويتماشى مع شكل البيوت المحيطة. تم تصميم الأبواب على الطراز المملوكى القديم، واقتبس هيكل المحراب من عمل فنى نحتى لأستاذ الخط العربى والفن التشكيلى الدكتور أحمد مصطفى يسمى «مكعب المكعبات». وتعتمد فكرة العمل النحتى على ما اكتشفه د. مصطفى من أسرار نظرية «الخط المنسوب لابن مقلة»، ويقوم على مكعب مكون من ألف أخرى «10 بالطول و10 بالعرض و10 فى الارتفاع ويظهر فيها أسماء الله الحسنى التسعة والتسعون»، فى إشارة للمعانى الكامنة فى النصين المقدسين، أولهما من القرآن الكريم المتناول لقصية سيدنا داود وضيفيه اللذين دخلا عليه المحراب يحتكمان إليه فى نعاجهما، والثانى الحديث النبوى الشريف «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحد..»، وأما رمزية ذلك «تكمن فى الإشارة إلى اللانهائى كما تشير الأسماء الحسنى إلى أساس علم الأخلاق فى الإسلام».

من واقع تجربة باصونة..هل مازال العامل المصرى يمتلك ما عرف عن أجداده القدماء من «ذكاء اليدين» حسب مفهوم المفكر الكبير سليمان حزين؟

نعم وإن كانت مهددة. الوقت يدهمنا والمعارف والمهارات تتآكل تحت وطأة الاحتياجات حيث قل من يدرك قيمة معارف البناء التقليدى المصرى. وبالتإلى قل الطلب عليه مما يجعل العامل المصرى الماهر فى موقف حرج يضطره لترك معرفته والعمل بما يضمن له قوته اليومى مثل قيادة التوكوك. والحفاظ على العمال المهرة مسئولية مشتركة بين المعماريين وبين أصحاب الأموال وملاك المشاريع، الذين يجب أن يتكاتفوا معا لتغيير هذا المشهد المنذر بانقراض هذه المعارف والمهارات الضاربة بجذورها فى القدم.

ذكرت أن أهإلى باصونة استقبلوا مسجدهم الجديد بترحاب.. هذا يعنى أن الاستعداد موجود لدى البسطاء لتقبل التصميمات المعمارية الجديدة التى تحقق منظومة الوظيفة والجمال معا؟

نعم بالقطع! وهذه مسئولية ثقيلة يجب أن ينهض بها المعماريون فى ممارساتهم وفى إدراكهم لأدوارهم التثقيفية والتى تحتاج إلى صبر ودأب لإعادة تعريف المصريين بتراثهم الحضارى والمعمارى تمهيدا لعبورهم إلى مستقبل أفضل وبيئة معمارية وعمرانية تليق بهم وبتاريخهم وبدورهم العالمى.

عوامل سياسية وتاريخية واقتصادية عديدة أسهمت فيما نراه من هجين عشوائى فى مبانينا الآن.. كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟

الحل له أساس نظرى وهوعين ما تعلمته ومازلت فى الجامع الأزهر الشريف على يد الشيخين على جمعة وأسامة الأزهرى.

الفهم السليم للتراث والأصول ثم الإلمام بالواقع كما هواليوم ثم تنزيل المبادىء والمناهج التراثية المجربة والتى نجحت قبل ذلك فى صناعة الحضارة وإسعاد الإنسان على الواقع لإنتاج مستقبل مشرق. ثم هناك الجانب العملى والذى يحتاج إلى مئات بل ألوف من الباحثين والمطبقين المعماريين المؤمنين بذلك الأساس النظرى والمستعدين للعمل الشاق من أجل صنعه مدعومين فى ذلك بباقى شرائح المجتمع، والذين يعدون الممولين للعملية المعمارية والمستفيدين أيضا من نتاجها.

البعض مازال يرى فى نظرية حسن فتحى الحل.. فهل تتفق مع تلك الرؤية، أم أن نظريته تصلح ما يرى البعض الآخر- فى المدن الجديدة فحسب؟

إن كان المقصود بنظرية حسن فتحى هوإعادة النظر فى اقتصاديات عملية البناء وخامات البناء واحترام خصوصيات البيئة التى نصمم فيها ولها فأقول نعم بالطبع وهذه من البديهيات، التى لا يصح الجدال فيها ولكن الوضع منذ فارقنا الراحل العظيم حسن فتحى صار أكثر تعقيدا ويحتاج من كل من استفادوا من علمه وعمله أن يكملوا ما بدأ مراعين فى ذلك كل التطورات والتغييرات المعرفية والعملية التى طرأت على واقعنا وعلى العمارة منذ غادرنا ذلك الطود المعمارى العظيم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق