الخميس 28 من رجب 1440 هــ 4 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48331

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قمة العزم والتضامن

رغم أن القمة العربية الدورية الأخيرة فى تونس، التى أُطلقت عليها هذه التسمية، لم تفعل فى قضية الاعتراف الأمريكى بالسيادة الإسرائيلية على الجولان بعد القدس أكثر من اعتبار هذا الاعتراف باطلا شكلاً وموضوعاً، وتأكيد موقف قمة الظهران من الاعتراف الأمريكى بالقدس عاصمة لإسرائيل فإن هذا يُحسب لها فى زمن أصبح التخلى فيه عن الثوابت شائعاً لدى البعض، وإن كان المرء يتمنى لو كانت القمة قد تناولت موضوع العودة السورية للجامعة العربية على الأقل من منظور أن الإعلان الأمريكى الأخير يفاقم المخاطر على الوحدة الإقليمية لسوريا، ويتطلب عملاً عربياً لا يستثنى نظامها رغم أى تحفظات عليه، غير أن بيان القمة اكتفى بربط استعادة سوريا مكانتها الطبيعية فى الساحة العربية بخروجها من أزمتها الراهنة وليس العكس، كذلك لفتنى أن بيان القمة قد غاب عنه أى ذكر لمسألة المصالحة الوطنية الفلسطينية مع أنها شرط ضرورى لتحقيق ما تسعى إليه القمة بشأن فلسطين، وفى هذه المقالة أود التركيز على مسألة يبدو أن الرؤية المشتركة فيها غائبة، وهى مسألة العلاقة بدول الجوار وأهمها إيران وتركيا، وقد لاحظت تناقضاً واضحاً بين التحليل السليم والدقيق والمتوازن لهذه المسألة الذى ورد فى كلمة السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية فى كلمته الافتتاحية للقمة وما ورد فى بيانها الختامى، فقد طرح فى الكلمة رؤية شاملة وصحيحة للأمن القومى العربى أشار فيها إلى مصادر تهديده الداخلية والخارجية وذكر فى مقدمتها: اجتراء بعض قوى الإقليم على الدول العربية، ونكبة الاحتلال الإسرائيلى المستمرة من سبعة عقود ويزيد، وعندما تحدث عن هذا الاجتراء ذكر ما نصه: إن التدخلات من جيراننا فى الإقليم وبالأخص إيران وتركيا فاقمت من تعقد الأزمات وأدت إلى استطالتها بل واستعصائها على الحل، ثم خلقت أزمات ومشكلات جديدة على هامش المعضلات الأصلية، لذلك فإننا نرفض جميع هذه التدخلات وما تحمله من أطماع ومخططات، وأضاف «كما أنه لا مجال لأن يكون لقوى إقليمية جيوب فى داخل بعض دولنا تسميها مثلاً مناطق آمنة، ومن غير المقبول أن تتدخل قوى إقليمية فى شئوننا الداخلية بدعم فصيل أو آخر تحت غطاء طائفى لا يكاد يُخفى ما وراءه من أطماع إمبراطورية فى الهيمنة والسيطرة».

هكذا شخص الأمين العام للجامعة إشكالية التدخل من أهم دولتى جوار غير عربيتين بموضوعية ودقة تامتين، سواء من منظور مظاهر هذا التدخل أو تداعياته السلبية، ومع ذلك فلم يتحدث بيان القمة سوى عن إيران دون حرفٍ واحد عن تركيا، والواقع أن هناك صيغتين مختلفتين للبيان تم تداولهما، الأولى عقب انتهاء القمة مباشرة ونقلتها مواقع إخبارية عديدة وصحف صادرة صباح اليوم التالى لانتهائها، وجاءت فيها الفقرة الخاصة بإيران فى المرتبة التالية مباشرة للحديث عن القضية الفلسطينية وقضية الجولان قبل أىٍ من القضايا العربية الأخرى، وتضمنت رفضاً للتدخلات الإيرانية فى الشئون الداخلية للدول العربية، وإدانة لمحاولاتها العدوانية الرامية إلى زعزعة الأمن وما تقوم به من تأجيج مذهبى وطائفى فى الدول العربية بما فى ذلك دعمها وتسليحها الميليشيات الإرهابية فى عدد من الدول العربية لما تمثله من انتهاك لمبادئ حسن الجوار وقواعد العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، ومطالبة إيران بسحب ميليشياتها وعناصرها المسلحة من الدول العربية كافة، أما الصيغة الثانية فهى الموجودة فى الموقع الرسمى للجامعة العربية والصادرة عن أمانة شئون مجلس الجامعة وهى دون شك الصيغة الرسمية، والصياغة الواردة فى هذه الصيغة أكثر توازناً بكثير حيث تضع أولاً البند الخاص بإيران فى المرتبة العاشرة وليست الثالثة كالصيغة الأولى، غير أن الأهم أنها تبدأ بتأكيد: أن تكون علاقات التعاون بين الدول العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية قائمة على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها وفقاً لقواعد القانون الدولى، والامتناع عن الممارسات والأعمال التى من شأنها تقويض بناء الثقة وتهديد الأمن والاستقرار فى المنطقة، وجدد البيان رفض استهداف السعودية بالصواريخ الباليستية، وأكد سيادة الإمارات على جزرها الثلاث وأيد مساعيها السلمية لاستعادتها، ودعا إيران إلى التجاوب معها.

وكما هو واضح فإن البيان لم يذكر تركيا بحرف، مع أن المنطق السليم يقتضى أن تتبنى القمة الموقف الذى ورد فى كلمة الأمين العام، وبطبيعة الحال فإننا نوافق على ما جاء فى الصيغة الثانية بشأن إيران من تأكيد المبادئ الحاكمة لعلاقات التعاون بين الدول العربية وإيران، ورفض الممارسات الإيرانية التى تتعارض، وهذه المبادئ بما يعنى أننا ننطلق أساساً من تفضيل الصيغة التعاونية للعلاقات العربية-الإيرانية بشرط احترام تلك المبادئ، وهو ما يتسق مع المنطق العربى الرسمى الذى أبدى استعداده منذ 2002 لإقامة علاقات طبيعية كاملة مع إسرائيل لو التزمت بالمبادئ ذاتها واستجابت للمطالب العربية، غير أن السؤال يثور: أين تركيا وممارساتها من هذه المبادئ كما نرى على أرض الواقع تجاه العراق وسوريا وليبيا، ومظاهر التدخل صارخة كما يبدو من التدخل العسكرى المباشر وغير المباشر ورعاية الفصائل المسلحة التى تنفذ لها سياستها، والتلميح بأطماع إقليمية فى العراق وسوريا ناهيك بقواعدها ومشاريع قواعدها العسكرية فى دول عربية؟ وهل يخفى الموقف التركى شديد العداء دون مبرر تجاه مصر وإن كانت السياسة المصرية أكبر من أن تجعل هذه قضية تُثار فى القمة؟ فهل تتعامل القمة مع تهديدات الأمن العربى بسياسة المعايير المزدوجة؟ ولو صح ما يُقال من أن انسحاب أمير قطر من الجلسة الافتتاحية قبل أن يُلقى كلمته كان بسبب حديث الأمين العام عن تركيا فإن الأمر يتحول إلى كارثة.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: