الخميس 28 من رجب 1440 هــ 4 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48331

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المجاز السياسى والواقع التاريخى

الأحداث الكبرى فى تاريخ الحركات القومية، والشعبية بعد مرور مائة عام، تحتاج إلى رؤى جديدة، ومقاربات مختلفة، وعقل يقظ على المستويين السياسى والتاريخى، لأن إعادة النظر فى التراث النظرى والتحليلى لهذه الأحداث، يشير إلى حالة من الحيوية الفكرية، وجسارة العقل الناقد الذى لا يستكين إلى الأحكام المسبقة والقيمية، والمسلمات سابقة التجهيز، ومن ثم يشكل نقد السائد والنقلى من الرؤى المهيمنة، أحد محركات الحيوية السياسية والفكرية، وقدرة النخب السياسية والثقافية على مراكمة الخبرات التاريخية واستيعابها، من هنا تبدو أهمية إعادة النظر أو مساءلة المقاربات التاريخية الموروثة عن الحركة الوطنية المصرية، والانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1919 وأثرها الكبير فى تشكيل عديد المفاهيم، والمؤسسات السياسية، والقيم السياسية، والهندسات القانونية الكبرى.

لعبت سياسة المجاز السياسى فى وصف الأحداث وأنماط السلوك السياسى، والإنتاج الثقافى فى تاريخنا الفكرى والسياسى عديد الأدوار، وعلى رأسها المساهمة فى التعبئة السياسية والاجتماعية، وفى الحشد وتوليد الحماسة الوطنية، والافتخار بالذات فى بعض المراحل التاريخية. من ناحية أخرى وظف المجاز السياسى فى إطلاق النعوت على بعض الشخصيات الوطنية، ووصل فى بعض الأحيان إلى إضفاء بعض من الحصانة والحماية لها إزاء النقد أو التقييم الموضوعى لها فى إطار مساءلة أدائها وأدوارها فى السياسة والثقافة المصرية، إلى حد أن تراكم هذا النمط من النعوت الفخيمة أو السلبية بات يشكل حاجزًا دون إعادة تقييم أدوار هذه الشخصيات. هناك عديد من الكتابات اتسمت بالتحيز الأيديولوجى والسياسى، أو بالانصياع إلى رؤى سلطوية حاكمة حول التاريخ الوطنى ومراحله، وصاغت سردياتها حول مراحله، وفق هذه النظرة التسلطية وتحيزاتها ومصالحها السياسية.

هذا النمط من التحيز الأيديولوجى نجد نظائر له فى المرحلة شبه الليبرالية لدى بعض المؤرخين والكتاب، وشاع هذا الاتجاه بعد نظام يوليو، ولم يقتصر فقط على دولة محمد على وإسماعيل باشا، ثم الأسرة العلوية، وإنما امتد هذا الاتجاه إلى النظرة إلى تاريخ العالم العربى، لاسيما المشرق، بل وإلى الأفكار الكبرى التى شاعت كمجازات قبل تأسيس الدولة الوطنية وفى سياقاتها كالفكرة القومية العربية، ومفهوم الجامعة والوحدة العربية، حيث أشاع المجاز تصورًا حول بعض الموحدات بين الشعوب العربية، وكأن القومية العربية استكملت جميع مقوماتها وشروطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، وأصبحت متبلورة الأركان والسمات والنضج التاريخى، بينما كانت المجتمعات العربية تعانى التمزقات فى تكوينها الاجتماعى، والدينى والمذهبى والقومى، ونخب ما بعد الاستقلال تسعى من خلال استراتيجية بوتقة الصهر وآليات القمع والاستبداد لبناء الاندماج الداخلى بالحديد والنار ومعتقلات السجون.

مائة عام على الانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1919، وأثرها البارز على التطور السياسى والفكرى والدستورى فى مصر، تطرح عديدا من الأسئلة التى تساءل عديد من الأفكار التى سادت ولا تزال حول تشكل القومية المصرية، هل استكملت مقوماتها، وتجسدت فى مفهوم الأمة على النمط الغربى، على نحو ما كنا وآخرون نطرحه فى كتاباتنا؟ أم أن الحركة القومية لم تستكمل جميع شروطها الاقتصادية والاجتماعية «الطبقية» والثقافية، ومن ثم السياسية؟ ذهبنا مع المجاز السياسى المفرط، واعتبرنا أن شعار العرابيين المهم مصر للمصريين، مقدمة لتشكل الحركة القومية، والأمة المصرية فى 1919، وذلك فى إطار الوحدة الوطنية التى برزت فى هذه الانتفاضة المجيدة. بينما تتوقف العين الباحثة والعقل الناقد أمام تحولات حزب الحركة الوطنية الوفد فى ظل سيطرة كبار ملاك الأراضى الزراعية، والقوى شبه الرأسمالية، وبحث بعض أبناء الفئات الوسطى ــ الوسطى، والوسطى ــ الصغيرة من الأقباط عن دور، ودخولهم إلى حركة الرهبنة، أو إلى تشكيل أحزاب قبطية. ثم تفاقم مشكلة التمثيل السياسى القبطى بعد نظام يوليو 1952 وإلى الآن، فى ظل صعود الإسلام السياسى والحركة السلفية، والتركيز على مفهوم الرابطة الدينية لا المواطنة الكاملة فى إطار الدولة الحديثة.

فى المرحلة شبه الليبرالية، بروز بعض الجمعيات الدينية السلفية قبل ثورة 1919، ثم جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى كشباب محمد، وطرح هؤلاء مفهوم الجامعة الإسلامية والخلافة، ومفهوم الدولة الدينية، ونظام الشريعة بديلاً عن المنظومات القانونية الوضعية الحديثة. كانت مطالب سياسية، ورؤى مغايرة لمفهوم الدولة الوطنية، أو الدولة/ الأمة، ومن ثم للقومية والأمة المصرية. فى الحالة المصرية هل أنجزت الرأسمالية المصرية أو الطبقة شبه الرأسمالية قبل 23 يوليو 1952 تطورها الاقتصادى والاجتماعى، على نحو ساهم فى تحريك الأوضاع الاقتصادية/ الاجتماعية والسياسية التى تؤدى إلى استكمال الشروط التاريخية لتكوين القومية والأمة المصرية؟

هل كانت الناصرية وقيادتها لحركة التحرر الوطنى العربى انطلاقا من مركزية الدور المصرى، هى استكمال للقومية المصرية بوجه عروبى فى إطار رأسمالية الدولة الوطنية؟ أسئلة تسائل أطروحات ومجازات وتسعى نحو إجابات ربما تكون جديدة، أو تواجه مجازات سياسية قديمة وأليفة ومستمرة ولا تزال أدوارها ووظائفها تبدو مطلوبة للتماسك الوطنى!


لمزيد من مقالات نبيل عبد الفتاح

رابط دائم: