الأثنين 25 من رجب 1440 هــ 1 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48328

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العندليب كاتبا

أحذر نفسى، لأن النفس أمَّارة بالسوء، أن أصبح إنسان الماضى. فأكتشف ذات صباح انسحابى من الحاضر وعجزى عن القدرة على الحلم بالمستقبل. تلك حالتى التى أعيشها ولا أعترف بأننى أعيشها وأحاول الهروب من أن أحيا فيها حتى يصبح من حقى أن أشارك فى حاضرى، وأن أكون جزءاً من حلم المصريين.يأخذنى للماضى أوراق الماضى. وفى كل مرة أقول إنها الأخيرة التى أمارس فيها الخطأ الجميل أو الخطيئة العذبة.

إلا أننى ألف وأدور حول نفسى وأعود إلى حيث أحاول الهروب. هارب من الهروب إلى الهروب. لكنه الماضى الأكثر جمالاً. كتب عبد الحليم حافظ عن أساتذته فى الحياة. وهى كتابات نفتقدها كثيراً من الفنانين الآن.

أين أيامنا من أيامهم؟ سؤال يدمى القلب ويوجع الضمير. لكن لنقرأ أولاً ما كتبه حليم.

كتب حليم عن أساتذته: تعليم الأيام ودروس الليالى علوم ودروس لا تعترف بها الجامعات. ولا تدرس فى كتب. وإذا كنت أعرف أننى لم أتخرج فى جامعة. فإننى أؤكد أن جامعة الحب والحياة أعمق فى دروسها وأبلغ أثراً. وها هم أساتذتى فى مدرسة الحياة.

الفقر: عرفته فى مقتبل العمر وتعلمت منه القناعة. كان أبى ميتاً وأمى سبقته. وكان الرزق شحيحاً وخال لنا يعولنا! الفقر علمنى قيمة القرش وقت أن كنت تلميذاٍ وكانت تمر بى أيام لا أجد فيها القرش فأمشى المسافات دون تعب. ويبلى الحذاء فتتعقد الأمور أكثر. غير أننا كنا ننشد الستر.

لا يعنينا ما نأكل طالما يرانا الناس مستورين والفقر علمنى الإيمان بأن الله لا ينسى المخلوق. ما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها. والله يرزق طيور السماء فيكف بالإنسان!.

الفقر درس بليغ من دروس الحياة إذا صبرت عليه. إذا أردت أن تقهره بأسلحة نظيفة. بعرقك ودموعك. ولكنه أى الفقر أُس الرذائل إذا أردت أن تقهره بأسلحة ليست من صنع الضمير.

الغنى: وجاء الغنى. وعرفت أنه ليس أكبر المنى ولا قمة الأمل. بلغته مع المرض. كان كفاحى مضنياً لم تحتمله صحتى فلم أحس الغنى. وفى أيام الغنى عرفت لوناً من الناس تجذبه الثروة فى أى وعاء تكون. وأحسست بأناسٍ يستغلوننى. وما أنا بالبخيل وما أنا بالذى أحب أن أسعد بمالى وحدى. ثم كشفت لى الأيام عن خسة فى البعض لم تفقدنى الثقة فى الباقين. فإن لى أصدقاء حميمين هم العزاء عن المستغلين. علمنى الغنى أن المال ليست له قيمة. السعادة الحقيقية هى الصحة.

فالمال قد يكون لا وزن له إذا كنت تشكو علة. علمنى الغنى أن المال يجىء لننفقه فى سبيل السعادة. على أن السعادة ليست المقامرة ولا النزوات. السعادة هى فى مواجهة حاجات الآخرين. فى إحساسك بأنك تؤدى للناس نفعاً. وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط!.

المرض: علمنى المرض حكمة كنت أسمعها وأرددها كالببغاء ولا أفهم معناها: - الصحة تاج فوق رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى . علمنى المرض: الصحة أثمن ما فى الوجود. وأن الناس يحبوننى وأن هذا الحب كنز أكبر من كل الأرصدة فى البنوك. فإننى حين ذهبت إلى لندن لم أحس يوماً واحداً بأننى بعدت عن القاهرة. كنت كل يوم أتلقى عشر مكالمات ومائة خطاب، ووفوداً تجىء تتمنى لى الصحة. وعلمنى المرض درس الطاعة. فإننى أخللت بشروط الأطباء بضع مرات فدفعت الثمن أياماً أخرى قضيتها فى فراش المرض، وما أحلى دروس الطاعة وما أنفعها. علمنى المرض الصبر. فالليالى الطوال فى الفراش البارد تحطم الأعصاب ومرغماً صبرت عليها!. وعلمنى المرض أن أقرأ كثيراً. ومن قراءاتى الكثيرة ازداد وزنى. فى الفكر والعمق والتأمل.

اليتم: علمنى اليتم قيمة الحنان وحولنى الحنان مع خطوى نحو الثلاثين حولنى إلى طفل. الكلمة الحنون تأسرنى، العطف الحنون يطربنى. ثم علمنى اليتم درس الاعتماد على النفس. صحيح أن من الأهل من علمنا وأقام أودنا. إلا أننا كنا ننظر إلى المستقبل نظرة توجس. ولهذا كنا نريد أن نكون أبطال بيوتنا.

اعتمدت على نفسى وتعلمت من اليتم أن أقف على قدمى سريعاً وأكافح بلا ضجر. وأصنع غدى بيدى. لعل السبب الأول فى أكثر قصص الفشل أحاسيس عند الشباب أنهم إذا فشلوا فيجدون رصيداً من الحنان عند الأم ورصيداً من المال عند الأب. أنا لم أكن هذا ولا ذاك ولهذا انطلقت على طريق لا يعرف الكسل ولا الملل.

الشهرة: أحب الشهرة. ولكن مع حرصى على كرامتى. تعلمت أن أشد حيلى وحدى وأمضى على الطريق لا أقف. ولما حصلت على الشهرة تعلمت أن لها ثمناً يجب أن يُدْفَعْ. المظهر. السيارة، الملبس، والوسط. وكلها أعباء لا فرار منها. غير أن الثمن. أفدح الثمن هو بعدى عن الناس. عن الحياة البسيطة. غير أننى أدفع هذا الثمن راضياً. هل أغالط وأقول أننى أتمنى ألا أكون مشهوراً لكى أتمتع بهذه الحريات!. ولعل أصعب ما فى الشهرة. محافظتك على مكانتك عند القمة. رأيت كثيرين يتهاوون من فوقها لأنهم حين بلغوها لم يكترثوا لأكثر من البلوغ. لم يستطيعوا عملية الاستمرار. وأدركت لماذا تهاووا كأوراق الخريف. والغرور أول مزالق القمة! وقانا الله شره وعدْواه.

الحب: علمنى الحب كيف أحس: فإن دروس الحب لا تقل فى نفعها عن دروس الموسيقى. وإذا كنت لم أجرب حباً أعتبره حب العمر. فإن زورق الحياة يمضى بنا ولا يخلو أمره من نسمة رقيقة تمنحه للأمام دفعة!. وهذه النسمات مرت بحياتى وعلمتنى أن الحب الحقيقى هو الحب الذى لا مصلحة فيه. لا تجارة.. لا مساومة. وهو الحب الذى يخلو من تهمة التدبير السابق فأنت لا تقول لنفسك سأحب هذه الفتاة وأكره تلك. ولكن الحب أحلى ما فى الحياة وأحلى ما فيه العذاب!.

أدعو لكم بالحب موش بالعذاب، أدعو لكم بالحياة. نشر هذا الكلام العذب والجميل بقلم عبد الحليم حافظ فى مجلة الكواكب. تصدرها دار الهلال عدد 432 الصادر فى10 نوفمبر 1959.


لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: