الأثنين 25 من رجب 1440 هــ 1 أبريل 2019 السنة 143 العدد 48328

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سرقة التاريخ!

من الاصطلاحات الشائعة فى اللغة السينمائية: «سرقة الكاميرا» ـ وكان يقال إن الفنان الكبير محمود المليجى، على قدرته الفائقة فى التمثيل، كان صاحب قدرة على سرقة الكاميرا ممن معه من الممثلين فى المشهد ومقصود هذا أن يتحرك أو يقف بحيث يبدو فى مقدمة الصورة.

وشىء من ذلك، مع اختلاف الصور والأغراض، يجرى فى التاريخ.. فكثيرًا ما يُسْرق الدور من صاحبه ليسبغ على سواه.

رأينا ذلك من عهد قريب فى سرقة الإخوان من 28 يناير 2011، للانتفاضة التى قام بها الشباب فى الخامس والعشرين من الشهر، ليحتلوا هم مكان الصدارة، ويسرقوا الانتفاضة من أصحابها، وينسبوها لأنفسهم!.

وتتعدد دوافع أمثال هذه السرقات، وليس بالضرورة أن يكون السارق هو هو المسروق من أجله، فقد تأتى السرقات من محض متشيعين، يحبون أن يُنْسب الفضل إلى من يشايعونه وحده، وأن يُسحب أو يُسرق من سواه.

وتعددت هذه السرقات فى ثورة 1919، وسُرق الفضل من كثير من أصحابه، إغماطًا لحقهم ، وأيضًا إيثارًا لغيرهم.

من يدرس ويتمعن فى ثورة 1919، تصافحه أدوار بارزة لزعماء قاموا بأعمال رائعة نبيلة فى خدمة الثورة والوطن، فسُرقت أدوارهم، وأُزيحوا إما إلى خارج المشهد، وإما إلى الصفوف الخلفية.

من هؤلاء النبلاء عبد العزيز فهمى أحد الزعماء الثلاثة الذين قابلوا المعتمد البريطانى وأثاروا يوم 13 نوفمبر 1918 ـ القضية المصرية ووجوب إعطاء مصر حقها فى الاستقلال، ومنهم أيقونة الثورة وقائدها الميدانى عبد الرحمن فهمى الذى تعرض للحكم عليه بالإعدام ، والذى قاد حركتها الميدانية ونظم هيكلها وتولى إدارة وتوجيه فروعها على امتداد الوطن، وتولى المراسلات السرية وهندسة الثورة والامساك بمقاليدها إبان وجود الوفد بالخارج ، وهو الوحيد الذى أرخ لها عن الفترة منذ 13 نوفمبر 1918، حتى 23 أغسطس 1927.

حتى إذا ما اعترض هذا الوطنى النبيل على الانقسامات التى أدت إلى خروج واحدٍ تلو الآخر من نبلاء الثورة وكبارها ـ لاقى قطيعة أدت به هو الآخر إلى الخروج من الوفد وإغماط حقه وتجاهل دوره .

هناك رسميون، ورؤساء وزارات، كحسين رشدى وعدلى يكن ، بذلوا جهودًا رائعة لاستقلال مصر، وأخلصوا تمامًا للقضية الوطنية، إلاَّ أنهم صودروا بتعلات مصطنعة دفعت البعض للهتاف الضرير «الاحتلال على يد سعد ولا الاستقلال على يد عدلى»!! وفوتت هذه التعلات الملبوسة كثيرًا على القضية الوطنية ودفعت مصر ثمنها!

كان حسين رشدى باشا رئيس الوزراء آنذاك هو الذى نصح الزعماء الثلاثة بلقاء المندوب السامى البريطانى السير ريجلند ونجت للتحدث إليه فى السفر إلى لندن لعرض المطالب المصرية، وهو الذى توسط فى إتمام هذا اللقاء الذى تم فى 13 نوفمبر 1918، وكان انضمام حسين رشدى إلى الحركة الشعبية من عوامل الثورة، وبادر هو وعدلى يكن إلى التحدث فى مصير مصر السياسى، واستقالا وبالوزارة كلها اعتراضًا على وضع العقبات فى سبيل رفع مصر صوتها لتقرير مصيرها، وكانت وزارة رشدى باشا تناصر الوفد من أولى خطواته ، وأيدت توقيع التوكيلات، وأيدت الحركة الوطنية والثورة، وجاءت استقالتها تأييدًا علنيًّا للوفد وللحركة الوطنية، واستقالا وكررا الاستقالة حينما لمسا ما اعتبراه وضعًا للعراقيل وخذلانًا للحركة الوطنية أمام الإنجليز.

ولكنهما صودرا بعد ذلك، حين أْريد لرئيس الوزراء أن يكون مرؤوسًا فى وفد المفاوضات وهو وضع لا تقره المبادئ والقوانين والأعراف الوطنية والدبلوماسية والدولية، ولا يرتضيه كريم، وبلغت سرقة دورهما حد إثارة الاعتراض على مفاوضات الحكومة التى ارتضاها أغلبية حكماء الوفد ، وتجريح عدلى يكن بغير حق فى خطاب ألقى فى 25 أبريل 1921، بأنه معين من قبل السلطان بل من قبل المندوب السامى ، وأنه ليس إلاَّ موظفًا من موظفى الحكومة الإنجليزية، فإذا قامت وزارته بالمفاوضات فكأن جورج الخامس يتفاوض مع جورج الخامس!

ظاهرة الخروج من الوفد قبل وبعد خروج ماهر والنقراشى، ومن خرج معهما، ظاهرة تكررت من بدايات الوفد واستمرت إلى ما بعد رحيل سعد زغلول، وتكرارها يستوجب النظر والفحص والتأمل، وقد حاول عبد الرحمن فهمى أن يوقف هذه الانقسامات فكانت القطيعة هى الجزاء، واضطر أيقونة الثورة وقائدها الميدانى إلى الخروج من الوفد الذى أعطاه حياته، ثم سُرق دوره فيه وفى الثورة.

ظنى أن من سرقة التاريخ ، سرقة دور اللواء محمد نجيب قائد الحركة التى قام بها الجيش فى يوليو 1952 والذى لولاه لما نجحت، وأول رئيس للجمهورية المصرية، وإذ بجميع السجلات الرسمية والمدونات التاريخية ، تسرق دوره وتخفيه تمامًا، وكأنه كان وهمًا وسرابًا لم يكن له وجود؟! لولا أن أفرج عنه الرئيس السادات من اعتقاله الذى طال ، ورد الرئيس السيسى له اعتباره وأنشأ منطقة عسكرية باسمه.

والمحاولات لا تكف حتى اليوم عن سرقة دور أنور السادات، وجمع كل ما حدث منذ عام 1952 وإلقائه فوق رأسه، حتى النصر الذى حققه بعد سنوات الهزيمة والانكسار، وإعادته الدماء إلى الشرايين التى جفت، وتحرير القناة والأرض المصرية، جعلوا يسرقونها منه ويحسبونه عليه، دون أن يتأمل أحد فى الاحتلال الإسرائيلى الذى طال ولا فى التعديات المتتالية على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ولا فى الاستيلاء على القدس بمباركة أمريكية لم تكد تمر حتى تبعها الاستيلاء على هضبة الجولان السورية العربية، وبذات المباركة والدعم الأمريكى، ولعل الضفة الغربية آتية فى الطريق.

إن الدنيا واسعة، تتسع لأدوار شتى طالما أنها أخلصت وأعطت لبلادها، والانحياز إلى أحد لا يستدعى سرقة تاريخ سواه ليبدو آخر هو الوحيد على الساحة، ولا أحد سواه!.

هذه محض رءوس مواضيع ، يحتاج كل منها إلى مقال بل مقالات، وما قصدت إلاَّ أن أحرك الماء الآسن، فالإفاقة واجبة، والمستقبل لا يبنى على ماضٍ مغلوط، وعلى معايير مقلوبة! لا أمل فى غدٍ يقوم، على أنقاض تاريخ مسروق!.


لمزيد من مقالات رجائى عطية

رابط دائم: