الجمعة 8 من رجب 1440 هــ 15 مارس 2019 السنة 143 العدد 48311

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

علبة دخان وصندوق

نهى محمود

السيدة المكتنزة، ذات البياض الأخاذ، تفوح من جسدها رائحة البراح والندى، تزوجته صغيرة بضفائر، أنجبت له تسعة من البنين والبنات.

أم محمود، الخضراء مثل سهل شاسع وممتد، التى تعطى الجميع بلا حساب رغم قلة الموارد، القليل فى يدها كثير، تطعم المحتاجين وتكفى بيتها بجنيهات قليلة، الزمن كان طيبًا مثلها والحياة هادئة والبركة تشمل كل شيء.

تنادى البنت العبيطة فى الحارة، وتعطيها لقمة وملابس نظيفة، ليست بحالة جيدة لكنها نظيفة، وعندما تعود فى اليوم التالى بملابسها الرثة وجوعها وبلاهتها تدخلها البيت وتحممها وتسرح لها شعرها وتعطيها لقمة، تنادى بائع الخضروات كل صباح، تشترى منه لبيتها الكثير، فهى تطعم الجميع، الزوج والأبناء والأزواج والأحفاد، الجميع.

تناول بائع الخضار كوب الشاى بالحليب وقطعة من الفطير الصغير الذى تخبزه نهار كل جمعة، ليكفى الأسبوع كله، تضع لزوجها قطعتين فى منديله القماشى وتلفه، تضع للبنت نجاة والبنت ماجدة وهما ذاهبتان للمدرسة، وتعطى الشباب والزوجات والأطفال.

تطلب من بائع الخضروات الشاب، أن يأخذ منها الطعام ويفطر أولا ثم تشترى منه ما تريد، تنادى حسنى بائع اللبن الذى يجيء قبل العصر بساعة، تسأله عن صحة أبيه وتعطيه لقمة مما تطهوه للغداء، يمر بائع الفول عليها فى بداية يومه وينادى «يا أم محمود» فتناوله نصيبه من خير ربنا، ومعه وعاء بلاستيكى كبير يملأه لها وتضع له عشرة قروش فى يده، وتغلق شرفتها التى تطل على الشارع فى بيتها الكبير بالدور الأرضى.

هنا من هذه الشرفة تتم كل تعاملتها مع الباعة، تنشر الغسيل الذى تبدأ فيه بعد الفجر مباشرة، ثم تخرج للشارع تشترى اللحوم والطيور والأسماك.

تنهى كل واجباتها وأكثر، تعمل كعشر نساء، يدها وبيتها وصحتها تمشى بالبركة، ببركة محبة الناس لها ومحبتها للناس.

بعد صلاة المغرب، تكون قد أنجزت كل مهام بيتها، وتحممت وتعطرت بالكولونيا الرخيصة الرقيقة برائحة الياسمين وجلست على سريرها المواجه لسرير زوجها فى الحجرة الواسعة، التى تشع بياضًا ونظافة، بياضات مزهرة ومُنَشَّاة، وبلاط أسمنتى مغسول بالماء والصابون، حجرة تشع دفئا فى الشتاء بسبب الشمس التى اجتاحتها طيلة اليوم قبل أن تهش أم محمود الطير وتسدل الستارة الرخيصة الخضراء، ويملأها نسيم طرى فى الصيف.

بعد أن يتناول أبو محمود العشاء الدسم الشهى الذى تعده زوجته، يرص أحجار النارجيلية، ويجلس على كرسيه الخشبى فى مواجهة التليفزيون الصغير (الأبيض وأسود) يعد شايًاعلى سبرتاية، ويناولها كوبًا صغيرًا، ويصب لنفسه واحدًا مثله، يعود بعد العصر بقليل من عمله كسائق فى شركة أجنبية، يعمل مع «الخواجة ومراته» كما يحكى فى أحاديثه للأولاد والأحفاد، يتناول غداءه، ويستحم ويجلس جلسته تلك حتى بعد منتصف الليل بقليل.

فى الغالب تنام أم محمود بعد المسلسل، أى بعد صلاة العشاء بساعة، لكنها قبل أن تنام يناديها أن تقترب منه فتنهض بجسدها الممتلئ المتعب بفعل الشقاء فى البيت من الفجر، وخدمة جيش البنين والبنات والأحفاد، يقول لها- بحب- إنها تعبت فى تربية أولاده وخدمته، ترد- بإخلاص وحب-كل التعب فى سبيله راحة.

يُخرِج من ضلفة الدولاب القديم صندوقًا كرتونيًا، ويخرج محتوياته وهى علبة دخان صفيح قديمة ملفوفة بحبل، وعدد من الأوراق.

يضع يده بهدوء على العلبة ويقول لها «نقود جنازتى هنا يا أم محمود»يوصيها ألا تبخل على دفنته بشيء، وأن تقيم له عزاءً يليق، ويضيف موصيًا أن تحضر مقرئًا ليقرأ على روحه كل أسبوع حتى آخر مليم فى العلبة:

- رحمة ونور على روحى.

يوصيها ألا تزوره فى المقابر، وألا تذهب هناك إلا يوم دفنته، لأنها لا تعرف الشوارع جيدًا، وخروجها من البيت صعب عليها، هى التى لا تذهب لأى مكان إلا فى يده، يربت يدها ويقول لها أنْ تطمئن لأن حقها مصان هنا، يشير للأوراق ويقول:

- تأخذى البنت نجاة معاكى وتذهبى للشركة.. عنوانها فى الورق، البنت نجاة متعلمة وواعية تعرف كل شيء، ستذهبان للأستاذ شكر وتعطيه الورق وشهادة الوفاة، هو سيرتب لك كل شيء، المكافأة والمعاش وكل شيء.

وكل يوم تضرب على صدرها برفق، وتقول له بأسي:

•بعد الشر عنك.. ربنا يعطيك الصحة ويجعل يومى قبل يومك.

يذكرها بقلبه المتعب، والذى سينهى على حياته قريبا، ويطلب منها أن تناوله الحباية، يضعها تحت لسانه ويصمت بحزن، ويفكر فى حياته القصيرة التى ستنتهى قريبًا.

تنهض من مكانها وتربت كتفه، تعود لفراشها تتغطى وتنام حتى يوقظها صوت شيخ المسجد يؤذن للفجر.

ساد حزن كبير من الجميع، امتدت الجنازة لقرب الفجر، من كثرة الناس التى جاءت للعزاء من كل مكان.

بعد شهر من الجنازة، جلس أبو محمود مع شادية الخاطبة، يقول لها على طلباته، أريدها شابة صغيرة يا شادية تكون وزة.

تشرب شادية الشاى، وتأكل الكباب والكفتة وتقول لأبو محمود طلبك عندى، لكن الواحد يحس بخجل من الولاد، خاصة أن أم محمود كانت مثل الأخت.

يقاطعها بغضب، ويوضح لها أنها ست العارفين إن الحى أبقى من الميت، وأن الزواج شرع الله..ده شرع ربنا، وآثم كبير من يحرم شرع الله! ويختم كلامه بأنه يحتاج للوَنَس ولإمرأة ترعاه..

تقول له بناتك وأحفادك وولادك جوارك، يقول لها الوحدة يا شادية مؤلمة، كل واحد منهم مشغول بحاله وأنا سأصل لنهاية خدمتى آخر الشهر، وأحتاج للونس.

اشترطت العروس الثالثة أن تتزوج بفرح صغير، لأنها بنت بنوت ولم تدخل دنيا، وككل زيجة، اعتصر الحزن قلب البنات والبنين والأحفاد، لكن أحدًا منهم لم يستطع معارضة الأب الذى تجاوز السبعين الآن.

وبعد تناول العشاء، نادى أبو محمود العروس لتجلس جواره وفتح ضلفة الدولاب، حيث أخرج صندوقًا كالحًا، وأفرغ أمامها محتوياته التى كانت عبارة عن علبة دخان معدنية مربوطة بحبل، وبعض الأوراق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق