الجمعة 8 من رجب 1440 هــ 15 مارس 2019 السنة 143 العدد 48311

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التورتة

نادرا ما احترتُ إزاء عَمَلٍ أدبيّ, كما تحيّرتُ أمام مذاق هذه التورتة. والتورتة عنوان مجموعة قصصية صدرت عام 2017 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب للأستاذ محمود أحمد علي. فما سرُّ إعجابي بالعمل, وما أسباب تلك الحيرة التي ظلت قابعةً تحت حرارة الحماس والبهجة؟

لنبدأ أولاً بدواعي الابتهاج: كثيرا ما راودني حُلمُ كتاب يضم قصائد أو قصصاً قصيرة هي كلها في الحقيقة, من حيث الجوهر والمضمون, نص واحد, مكتوب بعدة طرائق مختلفة في تفاصيلها, إلا أنها في لُبَّها تعبيرات وصياغات متنوعة لنفس المعني أو الحكاية. كأننا في معرض تشكيلي يضم بورتريهات, متعددة الزوايا وأساليب الرسم, لنفس الوجه الذي يسيطر تماما علي وجدان الفنان بحيث يحتل كل لوحاته. راودني ذلك الحلم, ونسيتُه في زحمة الحياة, حتي وجدته فجأة يتجسد أمامي, في مجموعة قصصية بعنوان التورتة, لقاص لم أقرأ له من قبل مجموعةً كاملة, بل عرفته من خلال قصص متفرقة منشورة في الصحف. وإذا بهذه المجموعة تحقق ذلك الحلم. فقصص المجموعة كلها كأنها قصائد حب حزين من وحي ملهمة واحدة تسلبُ لُب عاشقها, كما فعلت ليلي بقيس. ويتعذب ذلك القيس بحبِّها, كما كان حال المجنون العامريّ. فمحمود أحمد علي في مجموعة التورتة قيس ليلاه هي وطنه: مصر.. تهيمن علي كل نصوصه, وتجعل منها نصاً واحداً متعدد الصياغات كأشعار ابن الملوح في ليلي. أما توقيت كتابة هذه النصوص (معظمها مكتوب عام2010), فقد أكسبها مذاقَ الأزمة: الحب المأزوم لوطن يعاني, في ذروة عهدٍ سرعان ما انتهي, بعدها بشهور أو أسابيع حسب توقيت كتابة كل قصة, علي يد ثورة شعبية عارمة. تُصَور القصة الأولي «الجزاء» مِصر علي هيئة عجوز كانت جميلة فاتنةً في صباها, يقابلها بعد سنين غربة, مصادفة في شارع مزدحم, فتيً كان يعشقها في الصبا. يتعرف عليها بعد جهدٍ وهي تقف علي رصيف الشارع الواسع عاجزة عن عبوره بفعل السيارات المارقة, فيساعدها علي الوصول للرصيف الآخر بسلام, لكنه في عودته لعبور الشارع وحده تدهمه سيارة عمياء. وفي قصة «تلك الكلمة» نري كاتباً يُدَبِّج نصاً علي جهاز كمبيوتر. وهناك كلمة ما, يعتبرها أهم الكلمات, وكلما حاول تكبيرها بالآلية المخصصة لذلك, يراها تصغر أمامه, وتمعن في الصغر كلما كرر المحاولة, رغم تأكده من أن الجهاز سليم تماماً بتجربة الآلية مع الكلمات الأخري! كلها تكبر إلا كلمته الأثيرة, فهي تتضاءل طوال الوقت, بإصرار عجيب كأنه مؤامرة كونية. وينهي قصته (المنشورة في يناير 2010) مخاطباً جهازه بتلك العبارة: لماذا تطيعني في تكبير كل الكلمات.. وتصر وبشدة علي تصغير أحب وأجمل الأسماء (مصر)؟ وتتوالي مجازات محمود أحمد علي في التعبير عن نفس المضمون, ونفس المحبوب: امرأة شريدةٌ مجهولة يُعثَر عليها ميتةً في صحن مسجد, تورتة باذخة يتكالب عليها طامعون جائعون, حديقة رائعة تتعرض للإهمال وتغزوها الحشائش الشيطانية.. في قصص هي نص واحد مكتوب بطرق كثيرة.

إلا أنني احترتُ قليلاً إزاء هذا العمل, وترددتُ بعض الشىء، لسببين: وضوح الرمز وسفوره, بأكثر مما يرتضيه أحياناً ذوقي الشخصيّ, وأحياناً بعضُ المغالاة في الصياغة, عند التعبير عن أوجه الجمال أو القبح المختلفة, كما يراها ويرسمها الكاتب. لكني في المحصلة النهائية سعدتُ بالعمل, الذي حقق لي حلما إبداعيا راودني ذات يوم وشَرَد مِنِّي, فإذا بالمبدع محمود أحمد علي يصطاد ذلك الطير الشارد, ويجعله يغرد نفس اللحن بأربعة عشر مقاما موسيقياّ هو عدد قصص المجموعة.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: