الجمعة 8 من رجب 1440 هــ 15 مارس 2019 السنة 143 العدد 48311

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثورة 1919 مئوية الاستقلال والكرامة..
الكل فى واحد فى حكايات المحروسة.. مصـــر إلـــى الأبــــد

د. هالة أحمد زكى
ثورة 1919 الكل فى واحد (صور من ذاكرة مصر المعاصرة مكتبة الاسكندرية)

أذان الفجر...صوت خاشع جميل طواف على دروب بلدنا، يوقظ كل من طابت له نفسه بنوم هادئ، ويبشر كل من كان خيالا لظل يتحرك حول ضوء مصباح خافت متواضع، هؤلاء الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع انتظارا لقدوم الصباح.

كل البيوت تتشابه فى بر مصر المحروسة، وإن كان منها ما تعود رائحة المسك والعنبر والعطارة و النعناع، ومجاورة مئذنتى السيدة والحسين، ومراعاة استقرار المياه فى جوف القلل و الأزيار، وانتظار اليوم خلف مشربيات أزقة وحوارى الجمالية والسيدة والخليفة، ومنها ما شيد فى وسط البلد والحلمية الجديدة وعرف بهجة فوانيس الإنارة الكبيرة والمعمار المشابه لشوارع باريس التى تغسل بالماء والصابون.

كلها بيوت أهل مصر، وهؤلاء أولادها سواء كانوا من أهل المدن أو القرى أو السواحل، معممين او مطربشين، رجالا أو نساء، مسلمين أو مسيحيين، طلابا أو موظفين.

هم أهل مصر، فى الشوارع التى تعج بسيل من البشر، يهتفون من أجل الوطن من الاسكندرية والسويس إلى اقصى الصعيد، رغم أننا فى شهر مارس الذى لم نعهده حاملا للمفاجآت، وإن كان العام هو عام 1919، وهو على ما يبدو ليس كغيره من الأعوام.

أمر غير مسبوق، فقد تجمع أول المتظاهرين من طلبة المدارس الحكومية والأزهر، أعقبه ظهور مكثف للاضرابات التى تسببت فيها طبقة البروليتاريا الذين يعيشون فى الضواحى وزاد عددهم كثيرا منذ السنوات الأولى للقرن العشرين.

وصف غريب و إختصار مجحف، ولكن انتظروا قبل الحكم فهو رؤية لجاك بيرك فى كتابه الشهير «مصر...الإمبريالية والثورة» تجعله يقف على مسافة كبيرة من هذه البيوت التى عرفت عقل وقلب المصريين، مضاف إليه مبررات أخرى تتشابه، منها ما كتبته جريدة المانشستر جارديان من أنه على مدى عامين أو ثلاثة كان تموين ألف رجل يتم على نفقة مصر، وكان نظام التجنيد إجباريا للمصريين بحسب رؤية الروائى الكبير آى إم فورستر.

المسألة المصرية

هذا ظنهم، أما ما تحكيه الشوارع والأزقة فى كل بر مصر فهو عمل يخص أهلها وحدهم المطلعين على سر التوحيد والانتماء وفيضان النيل وسطوة الشمس والحكمة والفضل. ولهذا بدا رفض إعلان الحماية البريطانية على مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كخطة محنكة منطقيا، وخاصة أنه أمر غير مقبول من أهل مصر كما تقول د. لطيفة سالم فى تميز طرحها.

حقيقة مرة نأخذ عنها أسباب وتفاصيل منها نزع الجنودالسكارى للبراقع عن وجوه المصريات، ومحاضر البوليس التى تفيض بكيل من التهم الموجهة إليهم وسط أزمات اقتصادية متتابعة وإشهار حالات الإفلاس، وحظر نشاط النقابات، وأزمة محصول القطن.

وربما السبب أيضا هو ذلك التراكم الذى عرفته دائرة محكمة الاستئناف التى تنظر فى القضايا الجنائية بعد تفشى السرقة، وتلك الموجة الاشتراكية فى كتابات سلامة موسى ونقولا حداد، ومسرح سلامة حجازى وعكاشة ومنيرة المهدية وعزيز عيد ومنولوجات حسن فائق والقصرى.

أقول لكم أنها كلها أسباب توضع فى الاعتبار، وإن كان ميراث العباد من أهل المحروسة يبدو قصة أخرى، بتلك القطعة من القماش المتقن الصنع من الوطنية والانتماء الذى نسجه سلف السالفين مع الشيخ دردير شيخ الأزهر الشريف الذى ثار ضد الإجراءات التعسفية التى اتخذها مماليك مراد بك ضد أهل مصر، فكان الحل المطروح أن يفعل أهل مصر المثل ويأخذوا ممتلكات المماليك كما جاء فى كتاب الأزهر لمحمد كمال السيد.

حدث ذلك ولم تكن الحملة الفرنسية قد رست بعد على شواطئ مصر، حين قام المصريون ضد كل فساد و طغيان، ليمتد رفضهم للمعتدين الفرنسيس و لكل من انتهك حرمة البيوت ودخل بخيوله وقتل رموز مقاومتهم.

هكذا لم يعد لدى الحملة سوى الرحيل دون تحقيق هدف واحد، وإن بقت الحماسة التى جعلت من جيش ومدنية مصر كابوسا جاثما على صدر الغرب قبل منتصف القرن التاسع عشر بعد أن أصبحوا يعددون الأشخاص والأفكار التى أحيت تراث مات ونفعت فيما هو آت.

كان منهم الطهطاوى الذى وصف فى قصيدة له وطن نبنيه بالحرية والفكر والمصنع، وعلى مبارك مهندس مصر الحديثة، وحسن الإسكندرانى أسد البحار، ومحمد مظهر مهندس القناطر الخيرية، ومصطفى مختار أول وزير معارف مصرى، والشهيد محمد البقلى أول مدير مصرى لمدرسة قصر العينى، وإبراهيم النبراوى أنجب الجراحين، ومحمود باشا الفلكى الذى ظل الغرب يتعلم منه إلى زمن الستينيات.

وكان منهم أحمد عرابى الذى بدأ بشكوى من معاملة عثمان رفقى الظالمة وانتهى بثورة، حين نجح ــ والكلمة للكاتب برودلى ــ فى أن يخبر المصريين أنه يستطيع أن ينهض بمصر و يعود بها لهم، فلم يكن مدهشا فى مثل هذه الظروف أن يلجأوا إليه.

زمن يعقب زمن، ليطالب بعدها الزعيم مصطفى كامل الإجابة بصراحة عن الزمن الذى يتم فيه جلاء القوات البريطانية عن مصر، وتلغى فيه الامتيازات الرأسمالية الأجنبية، مطالبا بحق مصر فى ملكية شركة قناة السويس، وشرعية الوجود المصرى فى السودان.

ليسوا وحدهم، فلدينا على الجانب الأخر أعيان وكبار من أهل مصر فتحوا بيوتهم للتعليم، ووطنيون آخرون اجتمعوا فى نفس يوم تعيين الخديو إسماعيل وزيرين أحدهما فرنسى للأشغال وإنجليزى للمالية فى بيت راغب باشا لتخليص الوطن كما يقول الكاتب رشاد كامل من أسر الدين بفتح بنك وطنى يكون رأسماله 14 مليون من الجنيهات تجمع من أفراد الأمة.

أما باشوات وباكوات وأفنديات مؤتمرى عام 1911 المسيحى والإسلامى اللذان حملا مطالب وطنية وليست دينية عن مستقبل مصر، فناقشوا كما يشير د.سمير مرقس مشكلات الصناعة والتعليم وموجبات التقدم و السياسة المالية و تطوير الريف والإصلاح القضائى.

البحث عن الزعيم

مرة أخرى كنا على استعداد فى ذلك الوقت الذى أطلق عليها المؤرخ محمد صبرى السوربونى شاهدا على سياسة الخنق المنظم أو مرحلة المحلك سر كما يقول د. لويس عوض، فلم تكن القصة كلها مؤرخة باليوم الثامن من يناير عام 1918 حين أعلن الرئيس الأمريكى ويلسون حق الشعوب فى تقرير المصير، أو حتى ما حدث من قبول متواضع بوجود قومية ناشئة فى البلاد التى كانت يوما تحت الحكم العثمانى.

لم يكن هذا ما يحرك الشيخ مصطفى القاياتى والقمص سرجيوس وهما يخطبان فى الأزهر الشريف والكنيسة وينفيان معا إلى رفح، ولا الشيخ محمود أبو العيون، ولا عبدالرحمن باشا فهمى قائد التنظيم السرى للثورة صاحب فكرة أن ترسل خطابات الوفد على صفحات مجلة أجنبية علمية ترسل إلى الجامعة المصرية، ولا توحيد عنصرى الأمة بعد تمثيل الأقباط بقوة فى الوفد، ليتألق واصف غالى وفخرى عبد النور وتوفيق اندراوس وويصا واصف، وسينوت حنا وجورج خياط ومكرم عبيد.

ولا سبب اندلاع ثورة أبناء بولاق والسيدة والخرنفش وباب الشعرية والجمالية وعابدين والدرب الأحمر، ولا هؤلاء الذين قتلوا غدرا على أيدى الاحتلال ومنهم طفل لم يتعد الثانية عشرة من العمر، مع شفيقة محمد، وفهيمة رياض، وحميدة خليل، ونجيبة السيد بخلاف كثير من النساء أصبن بجروح داخل بيوتهن وخارجها كما تروى مذكرات هدى شعراوى.

لم يكن هذا ما جعل الأمة المصرية تلتف حول الوفد الذى لم يكن حزبا سياسيا ــ كما جاء عن مارسيل كولومب ــ بل تشخيصا للأمة.

فبترجمة مصرية حرفية كانت كل الفصائل المصرية تقف فى خندق واحد تنتظر من يجعل شعار الكل فى واحد وليد زمن مصر القديمة يبعث من جديد، ولنتعرف عليه أكثر كما جاء فى تسامح الأنجيل وما ذكر فى القرآن الكريم.

فقط كانت المهمة هى البحث عن زعيم هو ما حمل سعد زغلول وصحبه إلى المقدمة. وأصبح سعد هو الأب والأم والفلاح والصانع والناصح لجمهور شعب كان فى إنتظار فجر جديد وأيده كما يقول الرافعى بالتوكيلات التى اكسبته صفة التحدث عن الأمة وأمده بالمال لمتابعة عمله بمصر والخارج بمجموع اكتتابات جاوزت المائتى ألف جنيه.

بداية سعيدة وليست نهاية، فليست القضية هى نفى وعودة أو خروج فورى لقوات الاحتلال، فما قيل بعدها عن امتداد الثورة لأيام أو لسنوات لا يقاس بما قدمته. فقد استفاق الناس أجمعين ووقفت مصر توقظ أولادها كما أبدع المثال محمود مختار، لتجتمع البلاد على صوت الشيخ سيد، وتكتب تاريخا راقيا لم يعهده شرق أو غرب فى أهم وأكمل ثورة عرفها فلاح يشق الأرض بفأسه باحثا عن رزقه، ويستطيع أن يشق بهذه الفأس صدور ظالميه كما صرخ جمال الدين الأفغانى.

أمة أتت فى فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الاتيان بمعجزة أخرى أو معجزات! أمة يزعمون انها ميتة منذ قرون ولا يرون قلبها العظيم بارزا نحو السماء من بين رمال الجيزة!

لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلى الأبد!.

توفيق الحكيم « عودة الروح»


لحظات من الفرح بالثورة عرفها المصريون


صورة التقطت فى لندن للوفد المصرى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق