الجمعة 8 من رجب 1440 هــ 15 مارس 2019 السنة 143 العدد 48311

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حفيد القمص سرجيوس خطيب ثورة 1919: جدى أصبح أيقونة للتسامح الدينى..
اعتبر الأزهر «حصن الثورة الحصين».. ووصفه ضابط إنجليزى بـ«مارتن لوثر مصر»

هاجر صلاح

مع كل حادث طائفى "جبان"، دبره متربص باستقرار هذا البلد، أو جاهل بسماحة الأديان، تسترجع الاذهان على الفور ذلك الشعار التاريخي:"يحيا الهلال مع الصليب". قد لا تعلم الأجيال الجديدة من هو صاحب الشعار، فضلا عن أن تعرف تاريخه وما قدمه لوطنه.

إنه القمص سرجيوس- خطيب ثورة ١٩١٩- كما وصفه زعميها سعد زغلول. هو أيضا "خطيب المنبرين"، إذ خطب على منابر الجوامع والكنائس داعيا المصريين للتوحد فى مواجهة الاحتلال الانجليزى، فكان واحدا ممن ساهموا بقوة فى إنجاح الثورة، خاصة مع ما تميز به من شجاعة وإقدام، فكانت قناعته دائما:" لن أموت إلا مرة واحدة أما الجبناء فيموتون فى اليوم عدة مرات".

فى معرض احتفائنا بمئوية ثورة ١٩١٩، كان للأهرام هذا الحوار مع ادوارد حلمى أحد أحفاد القمص سرجيوس، من ابنته جوزفين، وكان لسرجيوس عشرة أبناء؛ خمسة من الذكور، ومثلهم من البنات، تركوا له ذرية من ١4 حفيدا. فإلى الحوار:

..............................

> عندما رحل جدك القمص سرجيوس فى سبتمبر ١٩٦٤، كنت تبلغ من العمر ١٤ عاما. فماذا علق بذهنك عن تلك الشخصية الاستثنائية؟

عندما تفتح وعيى،كان جدى فى السبعين،ولا تشغله سوى القراءة والكتابة، وأذكر أننى عندما كنت أستيقظ ليلا لاى سبب مفاجئ أختلس إليه النظر لأجده جالسا على مكتبه يقرأ. كان روتينا يوميا يبدأ منذ الثالثة بعد منتصف الليل حتى الثامنة صباحا، وأحيانا كان يصطحبنا فى نزهات ليلية على كورنيش النيل، لكن ما أتذكره جيدا وكنت شاهدا عليه هو عظاته التى كان يلقيها فى كنيسة طوسون بشبرا. إذ كانت تفد إليه حشود رهيبة، تتسبب فى إرباك المرور لساعات. وكان ذلك بسبب ما تميز به من أسلوب ساحر فى مخاطبة الناس، كان يحبس أنفاس المستمعين بمعنى الكلمة، وعلى غير عادة الخطب الدينية، لم يكن الملل يتسلل إلى نفوس الحاضرين، بل على العكس كانوا على استعداد للاستماع اليه لساعات متواصلة بنفس الاهتمام والانجذاب، كان قادرا على أن يبكيهم ويضحكهم فى ذات اللحظة، وعندما كبرت، أدركت قيمته الحقيقية، ففهمت لماذا اعتبروه رائد المنبر وأحد امراء الخطابة، كما قرأت كل ما كتبه فى مجلة المنارة المصرية من مقالات، ووجدت أن أسلوبه فى الكتابة لا يختلف عن الخطب، إذ يجبر القارئ بطريقته المشوقة على إكمال المقال حتى آخر كلمة. وبالمناسبة فإن مجلة المنارة "المرقسية" "المصرية" بعد أن غير اسمها، استمرت فى الصدور منذ عام ١٩١٢ حتى ١٩٥٣، وهى فترة زمنية طويلة شهدت ظهور واختفاء العديد من الصحف والمجلات، بينما ظلت هى صامدة.


> هل تذكر جنازته؟

للأسف لم أحضرها، إذ كنت حينها أعيش مع أسرتى فى جرجا بسوهاج، وهى بلده التى ولد بها، لكنها كانت جنازة مهيبة، شاهدنا صورها، حيث أصرت الجماهير من مسلمين ومسيحيين على حمل نعشه على الأعناق من شبرا حتى الكيتدرائية القديمة فى الأزبكية. كما أرسل الرئيس جمال عبد الناصر مندوبا عنه لتشييع الجثمان، ثم تم إطلاق اسمه على أحد شوارع مصر الجديدة.

> برأيك كيف تكونت تلك الشخصية القائدة النابذة للتعصب الدينى والتى تعلى شأن الوطن على طول الخط؟

والده كان قسيسا، وكذلك جده وجد جده، فكان من الطبيعى كما رأى هو أن ينتظم فى السلك الكهنوتى، وكان معجبا بسحر بلاغة الوعاظ الذين كانوا يجوبون قريتهم، فحلم أن يكون مثلهم، وقد نشأ محبا للغة العربية،فكان فصيحا متمكنا منها، وكان يدرس لأبنائه قواعد النحو. عندما كان طالبا عمره ١٦ عاما، يدرس فى المدرسة الاكليريكية بالقاهرة، استعان به مدير المدرسة ليقوم بالتدريس لزملائه الطلبة بسبب فصاحته وطلاقته.

وكان معترضا على الأساليب القديمة فى التدريس،فبدأ يدعو للإصلاح، ووجدت دعوته صدى لدى زملائه، لكنها قوبلت بالرفض من القائمين على المدرسة، فأضربوا عن الدراسة، ووصفه جدى بأنه أول إضراب فى مصر، وكان ذلك فى عام ١٩٠٢، وبدأت الصحف تلقى الضوء على ما فعل. لم يكن جدى معترضا على أمور تمس العقيدة وإنما على طريقة الخطاب، وهو ما نسميه الآن تجديد الخطاب الدينى. بعد تخرجه كان يريد أن يعمل واعظا عاديا لكن رجال الكنيسة رشحوه لأن يكون قسيسا، وبالفعل رسم قسيسا فى ملوى، لكن ما أن بدأ يعلن عن أفكاره الإصلاحية، واعتراضه على الاحوال الاجتماعية لرجال الدين، ودعواته لتحسينها بعمل صندوق إعانة وغيرها من الأفكار، حتى ثار عليه عدد من رجال الكنيسة، فعاد واعظا عاديا وسافر الى السودان، وهناك أصدر مجلة المنارة لكن ضاق بها الحاكم العام للسودان وطلب منه أن يغادرها الى مصر خلال ٢٤ ساعة، لكن جدى رفض وقال له إن الطريقة الوحيدة هى ترحيله قسرا بعد تكبيله بالسلاسل والأصفاد فلما وجدوا موقفه هذا، قالوا له صراحة إنه "ينزع الى الحرية" وطبيعته لا تلائمهم، وسوف يتعبهم ويتعبونه، فغادر وعاد الى بلده جرجا قى ١٩١٥، لكنه أخبرهم بأنه سواء هنا أو هناك لن يكف عن النضال وإثارة الشعب ضدهم حتى يتحرروا من وجودهم.


> وكيف جاءت مشاركته فى ثورة ١٩١٩؟

كان هو قد حكى ذلك فى حوار أجرته معه مجلة المصور فى عام ١٩٦٩، فقال أنه كان فى منزله عندما سمع صخبا فى الشارع ثم تبين أنها مظاهرة تهتف: يحيا سعد.. يحيا الاستقلال، فلما علم أن السبب هو صدور قرار باعتقال سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى مالطا، ثار وغضب، ولم يكن حينها يعرف سعد بصفة شخصية، وأسرع الى الشارع وانضم للمتظاهرين المتجهين إلى جامع الأزهر، ووصفه حينها فى حديثه بأنه كان حصن الثورة الحصين، واستقر فى الأزهر لمدة ثلاثة أشهر، وكان يخطب خمس مرات فى اليوم، عقب كل صلاة، وبعد ذلك لم يترك شارعا أو مسجدا أو كنيسة إلا خطب لتعبئة المصريين ضد الاحتلال حتى أنه كان يخطب من نوافذ القطارات أثناء سفره، أو حتى من فوق عربة" حنطور " كما فعل أمام فندق الكونتيننتال بميدان العتبة حاليا، وحينها هتف هتافه الشهير" يحيا الانجليز، فبهت الحاضرون وترددوا فى الهتاف، وأصر أن يرددوه حتى يشرح لهم، فقال:" يحيا الانجليز الذين استطاعوا بظلمهم واستبدادهم أن يجعلوا منا الكتلة الموحدة الملتهبة"، وعندما كان يحتاج حزب الوفد الى المال كان يذهب برفقة فتح الله بركات فى جولة بالقرى، وعندما يشعر سرجيوس أن الحاضرين وصلوا لمرحلة التضحية بأموالهم يطلب من فتح الله أن يفتح الحقيبة التى أحضرها لتمتلئ فى لحظات.

> كيف استطاع القمص سرجيوس أن يوحد المصريين، فى ظل سعى الاحتلال وصحفه إلى إشعال فتيل الفتنة عقب اغتيال بطرس غالى رئيس الوزراء فى ١٩١٠؟

أولا، كان حافظا للقرآن الكريم ويستشهد بآياته فى خطبه، كما قرأ كل كتب تفسيره، وتحديدا عندما اعتقل مع محمود فهمى النقراشى والشيخ القاياتى فى رفح لمدة ٣ أشهر بعد أن ضاقت بهم سلطات الاحتلال، وكان جدى آخر من خرج منه فى عام ١٩٢٠. عقب حادث اغتيال بطرس غالى، كان سرجيوس فى السودان، وكانت العلاقات متوترة هناك أيضا بين المسلمين والأقباط، وفى أول خطبة له هناك فيما يعرف بالمكتبة القبطية، وجد حشدا من المسلمين يفوق عدد المسيحيين، فغير عنوان المحاضرة ليكون "عيشوا بسلام "وهنأه عليها الجميع من علماء المسلمين. كان سرجيوس يبدأ خطبه باسم الله الرحمن الرحيم ثم يعقبها باسم الاب والابن والروح القدس، ثم يؤكد أنه مصرى أولا وثانيا وثالثا، وأن الوطنية لا تعرف مسلما أو مسيحيا بل تعرف مجاهدين فقط، ومن أقواله الشهيرة:" إذا كان الاستقلال موقوف على الاتحاد، وكان الاقباط حائلا دون ذلك، فإنى مستعد لأن أضع يدى فى يد إخوانى المسلمين للقضاء على الأقباط لتكون مصر أمة متحدة".

> ألم يكن خطابه مبالغا فيه من وجهة نظر بعض الاقباط؟

لم يعاد سرجيوس سوى الرجعيين، وللأسف دائما ما يكونون أكثر من الإصلاحيين، وجدى كان رمزا للإصلاح الكنسى، ولذلك أوقفته الكنيسة عن ممارسة الطقوس الكنسية سنة ١٩٢٠، لكن لم يهمه الحرمان، وبنى بمساعدة أهالى شبرا كنيسة مارجرس بالقللى فى زمن قياسى، وحتى عندما انتزعت منه استأجر "حوش "فى الفجالة وجهزه ليكون محلا للصلاة وإلقاء العظات،وكان الناس يتوافدون عليه بكثافة تعادل كثافة عدة كنائس مجتمعة. وبالمناسبة؛ فإن الحوار الذى أشرت اليه فى مجلة المصور أجرى معه بمناسبة إصدار القضاء الإدارى آنذاك حكما يقضى بعودته إلى الكنيسة. وقد بدأ جدى بالإعلان عن أفكاره الاصلاحية مبكرا، من قبل أن تقوم ثورة ١٩، فعندما دعت جمعية التوفيق القبطية إلى ما عرف بمؤتمر الإصلاح القبطى، جاهر فيه سرجيوس بكل آرائه الاصلاحية، فصدر قرار بحرمانه من الكنيسة ونفيه إلى جرجا، لكن وزير الداخلية رفض تنفيذ أمر النفى، مع ذلك لم يعبأ جدى بقرار الحرمان، وقرر إلقاء عظته فى كنيسته التى بناها فى عام ١٩١٥، وطلب حكمدار القاهرة من أحد ضباطه واسمه "فيليبس" أن يؤمن الشوارع المؤدية إلى الكنيسة بأربعين جنديا حتى تنتهى الصلاة والعظة، ففوجئ فيليبس يومها بأن كل الشوارع المؤدية الى الكنيسة عبارة عن كتل بشرية فقال له:" يا سرجيوس أنت مارتن لوثر مصر" نسبة إلى مارتن لوثر رائد الاصلاح الدينى فى أوروبا.




> ما حكاية خوضه انتخابات البرلمان كأول كاهن؟

ترشح بالفعل لمجلس الشعب عن دائرة "الشماشرجي"بشبرا، وقال إنه يهدف لأن يكون صوتا يرهب الرجعية والرجعيين ولو كره الكارهون، وخاض المعركة الانتخابية بشعار" من غير فلوس يا سرجيوس" فلم يكن لديه أموال لشراء" نصف صوت" لكنه كاد يفوز بالدائرة لولا أن طلب منه النحاس باشا بالتنازل لصالح مرشح الوفد، وقد وقبل، وشكره النحاس واعتبره موقفا مشرفا يضاف إلى مواقفه الوطنية ورضى هو بذلك.

> وكيف كانت علاقته بثورة يوليو؟

بعد ثورة ١٩٥٢ التقاه زكريا محيى الدين والسادات وحسين الشافعى وطلبوا منه أن يلقى خطبة لتأييد الثورة باعتباره رمزا قبطيا مؤثرا، فرفض فى البداية على أساس ان هناك من يعلوه فى السلم الكنسى، لكنهم أصروا، وبالفعل خطب فى كنيسة مارجرجس فى القللى،ووضعت ميكروفونات بطول الطريق المؤدية إلى الكنيسة، ولم يتمكن الضباط الأحرار أنفسهم من الوصول الى الكنيسة إلا بشق الأنفس بسبب الزحام الشديد. المدهش أنهم توجسوا منه بعد الخطبة، فمن يستطيع أن يقود كل تلك الجماهير ويحشدهم لصالح الثورة، قادر على أن يفعل النقيض، فحددوا إقامته لمدة عام فى بيته. كنوع من الحماية للثورة فى بدايتها.

> هل كرمت الدولة القمص سرجيوس بما يليق بمكانته ونضاله؟

أفضل تكريم ناله جدى هو أنه أضحى أيقونة للتسامح الدينى، ومع كل حادث فتنة طائفية يتم استرجاع أقواله وشعاراته. ومؤخرا قامت باحثة عراقية بمناقشة رسالتها لنيل درجة الماجستير عنه فى جامعة القادسية بعنوان:" القمص سرجيوس.. خطه الفكرى والسياسي"، لكن كان لنا مطلب وحيد،ويتعلق ببيته الذى عاش فيه فى جرجا، فلا يزال قائما لكن هناك بعض النزاعات الأسرية بشأنه، وكنا نطمع فى تدخل مطران جرجا، فهو قادر على أن ينهى هذا النزاع وديا، ويتم تحويل بيته إلى مزار يضم كتبه ومؤلفاته ومقتنياته البسيطة. أما منزله الذى عاش به فى شبرا فكان بالايجار وليس ملكا له. كما نتمنى أن يعاد نشر مؤلفاته،إذ لم ينشر من مجلداته لتفسير الانجيل سوى ثلاثة مجلدات، ومن بين مؤلفاته الأخري:" الرد حول حقيقة صلب المسيح وموته، الرد حول التثليث والتوحيد، هل تنبأت التوراة أو الانجيل عن محمد".

> هل له تلاميذ ساروا على دربه؟

كان من تلاميذه القمص بولس باسيلى، لكنه توفى، ونحرص نحن أحفاده وأبناؤنا أن نحتذى به، فابنى بيتر يقوم بعمل جولات فى الجوامع والكنائس للحث على التبرع بالدم، متطوعا فى المركز الاقليمى لنقل الدم بفرعه فى المنيا، وينطلق دائما من فكرة أن نقطة الدماء تصل إلى من يحتاجها وتنقذه، دون أن يعرف من تبرع بها أو ما هو دينه، فالانسانية تعلو على كل شيء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق