الثلاثاء 28 من جمادي الآخرة 1440 هــ 5 مارس 2019 السنة 143 العدد 48301

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المكفوفون يطالبون بإزالة المعوقات عن طريقهم: الشارع ليس لنا.. وخروجنا من المنزل مغامرة

تحقيق ــ دينا عمارة
د. أحمد فاروق فى نزهه مع أسرته

«كوميديا سوداء» هو الوصف الذي يطلقه بعض من ذوى الإعاقة البصرية على تعاملاتهم اليومية، بدءا من لحظة خروجهم صباح كل يوم، ومرورا بقضاء متطلباتهم داخل المؤسسات الحكومية أو الأماكن العامة.

ففى الوقت الذى يسعى فيه كل «كفيف» إلى التمتع بحياة شبه مستقلة، يكون فيها شخصية منتجة، وغير معتمدة على الآخرين، نجد البيئة المحيطة به تمنعه من ذلك، بل وتجعل خروجه من المنزل أشبه بمغامرة نتيجتها معروفة مسبقا.

د. أحمد شلبى - ابراهيم عمارة

«اللى بيتعب المبصر يتعب الكفيف مرتين»، هكذا بدأت نهلة سليمان (30 عاما) حديثها عندما بادرتها بسؤالي عن العقبات التى تواجهها كفتاة كفيفة منذ خروجها من منزلها بمنطقة الزيتون والذهاب إلى عملها بقسم العلاقات العامة فى إحدى الشركات الخاصة فى شارع رمسيس، فلم يكن سهلا على والديها أن يتركاها تسير فى الطريق بمفردها، ولكن ظروف عملها اضطرتها إلى النزول يوميا واستقلال المترو دون مساعدة من أحد، فى البداية كان الأمر صعبا، عقبات كثيرة قابلتها فى طريقها، فالأرصفة غير ممهدة بشكل يسمح بالسير دون التعثر «علشان نمشى صح»، وأحد الباعة الجائلين الذي يحتل مكانه على رصيف مخصص للسير فقط, أما القمامة فحدث ولا حرج، ناهيك عن استغلال البعض للأرصفة بوضع «جنزير» لحجز مكان لركن سيارته، وأخيرا تستقل نهلة المترو الذى باتت تألف اتجاهاته بعد أن تاهت فى زواياه أكثر من مرة، وأصبحت تحفظ عن ظهر قلب مكان وقوفها أمام عربة السيدات حتى إنها لم تعد بحاجة إلى مساعدة عاملات المترو اللاتي طالما قدمن لها المساعدة، أما بالنسبة للنزول فتعتمد نهلة على حفظها لترتيب المحطات حينما تستقل قطارا لا تتوافر فيه إذاعة داخلية تعلن عن اسم المحطة المقبلة.

ورغم أن المترو يوفر عليها الكثير من الوقت ويجنبها زحمة المواصلات إلا أن اضطرارها إلى السير داخله للخروج من سلالم الاتجاه الأخر تفاديا لعبور شارع رمسيس يستهلك وقتا طويلا، «ساعات بتأخر على شغلي لكن مقدرش أعدي شارع رمسيس لوحدي»، هكذا قالت.

ترى نهلة أن ما ينقصنا هو وعي الشارع بكيفية التعامل مع الشخص الكفيف، «لازم السيارات تقف لما يرفع الكفيف عصاه البيضاء» وهذا لا يحدث دائما.


محمد أبوطالب - محمد فارس

«هتفتح حساب ليه؟»

«أنت نازل ليه؟» هذه الجملة دائما ما كانت تثير غضب الشاب محمد فارس ( 22 عاما)، ورغم أنه يتعامل مع كل ذلك برضا وأحيانا بسخرية، إلا أنك تلمس المرارة من وراء كل ذلك، محمد خريج إعلام جامعة حلوان وكان الأول على دفعته، ذات يوم قرر الذهاب إلى أحد البنوك لفتح حساب خاص، وفاجأه موظف البنك بقوله «هتفتح حساب ليه؟» ورفض إنشاء حساب له لأنه «كفيف».

محمد استطاع أن ينقل لنا تجربة الإمارات فى تسخير التكنولوجيا لمساعدة فاقدي البصر، فقد أشار إلى قيام إدارة الخدمات الذكية بشرطة دبي باستخدام تطبيق إلكتروني يقوم الشخص الكفيف من خلاله بفتح الكاميرا على تليفونه المحمول ليصف التطبيق «صوتيا» كل ما يقابل الكفيف فى طريقه.

ركوب الطائرة

وتحدث معنا د. أحمد فاروق أمين – كفيف واستشاري التكنولوجيا المساعدة والتربية الخاصة وزميل مؤسسة فورد الدولية - عن المعوقات التى تقابل الكفيف فى إصدار شركة خاصة به، حيث أكد أن قانون الاستثمار لا يعطي ذلك الحق لهم نظرا لأنه لا يملك حق التوقيع! أما بالنسبة للمطارات فى الدول الأخري وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية هناك تهيئة كبيرة لتسهيل تعامل الكفيف فى المطار تتمثل فى توفير مرافق لمساعدتي فى جميع الإجراءات، أما بالنسبة للطرقات فهناك ما يطلق عليه side walk وهو ممشى في منتصف الرصيف يسير فيه الكفيف بعصاه البيضاء وصاحب الإعاقة الحركية بكرسيه المتحرك والمشاة العاديون بعيدا عن بضائع المحال أو زحام السيارات.

انتقال الخدمة لمكان الكفيف

ويلخص لنا د. أحمد مصطفي شلبي – كفيف ومستشار الصحة النفسية والإرشاد الأسري والتربوي - أهم العوائق التى تقابل الشخص الكفيف فى عدم مراعاة كود المباني في بعض الأماكن فيما يتعلق بارتفاعات الأرصفة، وعدم وجود حمامات مجهزة لأصحاب الإعاقات, كذلك عدم توافر ماكينات صرف مزودة بأجهزة ناطقة تيسر تعامل الكفيف مع البنوك وصرف المعاشات ونحو ذلك كما يحدث في العديد من المجتمعات.

وعن تعامل الدول الأخرى مع الشخص الكفيف في الأماكن العامة يقول د. أحمد: لا شك أن تعامل الدول مع الشخص الكفيف يختلف من مجتمع لآخر وفقا لطبيعة بيئته وإمكانياته ودرجة تقدمه, ففي كندا على سبيل المثال لا يتم التمييز فى المعاملة بين الكفيف المبصر، كما توفر الدولة انتقال الخدمة لمكان صاحب الإعاقة البصرية، حيث تقوم المؤسسة المختصة برعاية المكفوفين بالاتصال بالكفيف كل فترة لتفقد احتياجاته، والتي بناء عليه ينتقل فريق متخصص من الهيئة أو المؤسسة لتلبية هذه الاحتياجات، سواء بتدريبه على المشى بمفرده أو استخدام العصا البيضاء أو القيام بالأعمال المنزلية، وقد كان لمصرنا الحبيبة تجربة رائدة في مجال استخدام القوافل الطبية المنزلية في مكافحة شلل الأطفال، حيث حقق هذا الأسلوب نجاحا باهرا في القضاء على هذا المرض اللعين.

مشكلات في الأماكن العامة

كونه شخصا كفيفا يواجه محمد أبو طالب – مدرب حاسب آلى بمركز نور البصير فى جامعة سوهاج - مشكلات كثيرة في الأماكن العامة ويفتقر لأشياء كثيرة بسيطة يحتاجها لكي يكون شخصا مستقلا ومعتمدا على نفسه، منها على سبيل المثال كما يقول: أحتاج لتوفير قائمة طعام مطبوعة بطريقة برايل حتى أستطيع أن أختار بمفردي ما أريد أسوة بالآخرين، وفى محطات المترو والقطارات أحتاج إلى توفير خدمات صوتية داخل المحطات لتعلمني عن اتجاهي ووجهتى، وبالطبع نفس الأمر بخصوص العربات, فكم من مرة أضل وجهتي أو أتوه أثناء ذهابي إلى مكان أو محطة ما، وبطبيعة الحال وبما أنني كفيف أفتقر لآلات الصرف الآلي المزودة بقارئ شاشة حتى تسهل على استخدامها كما يستخدمها الآخرون وحتى أحافظ على خصوصيتي وألا أكون عرضة لما هو ليس محمودا، وبالنسبة لي الأسواق والمتاجر الكبيرة تعتبر زيارتها من الأشياء الثقيلة على نفسي لافتقارها لكل ما يسهل علي التحرك بمفردي وشراء ما أريد.

موانع من المطاط

ويقدم لنا إبراهيم عمارة – كفيف وعاش فترة بأمريكا – مجموعة من الحلول يمكن من خلالها تحسين بيئة المكفوفين وهى إزالة العقبات والموانع من الطريق العام وأمام المؤسسات الحكومية، وإذا تم وضع بعض الموانع لمنع وقوف السيارات فيجب أن تكون مصنوعة من المطاط أو الجلد بدلا من الحديد والأسمنت لتفادي الإصابة من الاصطدام بها، كما يجب إعادة تهيئة المباني الحكومية حتى تكون يسيرة الاستخدام بالنسبة لذوي الإعاقة، مع الالتزام بشروط قياسية وأكواد الإتاحة.

وعن تعامل الدول الأخري مع المكفوفين فى الأماكن العامة أشار عمارة إلى أنه يتم توفير المعلومات في الأماكن العامة بطريقة برايل وباستخدام الحروف ذات الحجم الكبير، كما يتم تزويد إشارات المرور بتنويهات صوتية ويستطيع المعاق بصريا عبور الطريق من خلال استخدام إشارات إلكترونية تجبر السائقين على التوقف حتى يعبر الشخص الكفيف، كما أن أرصفة المشاة ذات ارتفاع مناسب ومزودة بـ«رامب» في بدايتها ونهايتها ولا يتم شغل الرصيف بعوائق أو مخلفات أو بقايا البناء.

وعن إمكانية تطبيق ذلك فى مصر يرى عمارة أن كل شيء ممكن ولكن يحتاج تطبيق تلك التحسينات إلى توافر خطة تطوير مدروسة ومبنية على أسس صحيحة وعلى خطة زمنية واضحة المعالم.

نهله سليمان

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق