الجمعة 10 من جمادي الآخرة 1440 هــ 15 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48283

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رائحة الفقد

فكرى داود;

كنَبَاتٌ خشبية عريضة، أمام بيته تجاورت، كعربات قطار متوازية، كل كنبات غرف استقبال الضيوف، بكل بيوت القرية تقريبا، معلومة الأصحاب، لكل بيت اثنتان أوثلاث، تُعرف من نسق صنعتها، ألوانها، أوإشارات عليها، أومن كثرة اصطفافها بالشوارع، أمام الأبواب وبالفضاءات المتناثرة بين البنايات، عند كل مأتم، وعند كل فرح، وفى المواسم والأعياد.

فى الفراغات بين الكنبات، تَجَاوَرَ عددٌ قليلُ، من مقاعد خيزران قديمة، يلتئم فوقها شَمْلُ الجمع المتجالس، القلق، والمتسائل:

كيف حدث ما حدث؟

تباينت الروايات، لم تتفق إلا على ضرب العربة له، ثم هروبها، بعد النَّيل من بدنه نادر النحول، وأطرافه الدقيقة، دِقة لا مثيل لها، إلا فى القصص القديمة للجِدَّات.

لم تزل تتردد إلى اليوم، كلمات (القابلة) يوم ولادته:

الولد (سُقاط).

والولد لم يكن سُقاطا، فثمة أنفاس واهنة، تتردد داخل صدره المحدود، كعلبة كبريت فارغة.

..........................

منذ عرفتْ أقدامُه المَسِير، تاقت نفسه، إلى تلك البقعة من الأرض، غرس حولها صغيرا مع والده، سياجا من نُّخَيْلات، وشُجَيرات العنب، ليقيم وسطها كبيرا ذلك البيت، الكائن أمامه الآن، ذلك التجمع المتنامى فوق الكنبات، لم تنس يداه أبدا، مداعباتها لكل حجر من أحجاره، قبل تسليمه للبنَّاء.

........................

فى انتظاره هم.

دارت عيونهم دون اتفاق، وقع بعضها، على أفدنة البرسيم الممتدة، والسماء الغائمة، والأجواء الملأى بغبار كالدخان،..

وتوقف البعض الآخر، عند حدود البيت؛ ببابه السميك الكالح، ونوافذه العالية،.. وطبقة الأسمنت غير المكتملة بجدرانه من الخارج، والتى تمت على مراحل،

...................

بدا وقت انتظاره دهرا، قال أحدهم:

ليتنا نذهب حيث يكون، فالتعرف على الخبر فى حينه، أفضل من انتظار وصوله، واستقبال الموت خير من استدباره.

لم يبد لقوله أثر أيضا، فى إرادة المحيطين به.

مزيد من العيون تدور:

نخلات طوال، أنهى بنفسه تلقيحها، منذ أيام قلائل، تتقافز فوق سعفها غربان سود، تتعاطى النعيق،..، فى رأس (تربيعة) البرسيم، وإلى جوار عربتها (الكارو)، ترعى مُهرته، دون تجاوز حدها المطلوب.

وثمة نباتات بَرنوف عجوز، تتناثر على حافة القناة، إلى جوارها فى الماء، بُقَعٌ من بوص، كأشباه جزر ضئيلة،..، ونبات مائى مجهول، يبسط أوراقه العريضة، بين ما يشبه حبات عدس خضراء.

بالقرب من البرنوفات، جحوَرٌ قليلة لأرانب بلدى، استجلب هو أمهاتها الحوامل،

من سوق المدينة، إلى لحمها

ما مالت نفسُ امرأته، بعدد مرات حملها، فى أولادهما الثلاثة، يُكّمِّنُ آنئذ

ـ قرب الجحر كقط برِّىّ، ليقنص

لها الأرنب المطلوب.

متواترون قَدِمَ الأولاد، يحمل كل منهم على عكس أبيهم، لحما ضعف وزنه، وعرضا ضعف عرضه، وصدغين بيضاويين متلاطمين، وبلاهة لا تخطئها عين، يبدون كإوز أخضر سمين، بطىء الحركة، متسع الحوصلة، قال دون تأفف:

الخال والد..

مشيرا إلى خال لهم، خلقه الله على تلك الهيئة.

تدور به دورة اليوم، يبدأها عادة بحلب لبن أبقاره، وعلف عجول (الزريبة) خلف البيت، وبعربته الكارو ينقل إلى الغيطان روثها، ليصبح بفعل الأيام سمادا بلديا، يهواه طين الأرض.

يتابع حركة ماكينة الرى الدائرة منذ ليلة الأمس، مطمئنا على كفاية الوقود، يتأكد من غَمْرِ الماء، لكل مطالق الغيط المفتوحة، ليسرع بإيقاف الآلة، قبل اشتداد الشمس.

تتفقد كفَّاه، عناقيد عنب التكعيبة شرق البيت، يلتقط حبة طماطم وخيارتين، وقرن فلفل رومى، مع باذنجانة. ينتفخ حِجْرُ جلبابه، تقبض أسنانه على طرف الحِجْر،ِ تخرج يده من سيالته، بـ (رقاقة) طازجة، خبزتها امرأته خصيصا بعد صلاة الفجر.

على الظهر العريض لمصطبة البطيخ، يُسْكِت جوع البطن، لا تتوقف أصابعه، عن اقتلاع ما يقع فى مرماها، من طفيلىّ الحشائش، ضاما إياه، إلى ما حصد منجله من حشائش الجسور، فيصير علفا للبهيمة.

............

وقتُ الناسِ ضيِّقٌ، كصدورهم، بين شفاهم ترددت حروف التأفف، يمنعهم الحَرَجُ من الجهر بها، متى تعود أيها الغائب المُنْتَظَر؟

بالمستشفى قال أحدهم عبر الهاتف:

حالته غامضة.

همس آخر فى أذن جاره:

خيبة كبيرة.

كيف تصدمه العربة جهارا، دون الإمساك بها، أوحتى التقاط الرقم؟

ـ.........

من الجحور حول البرنوفات، تطل رءوس الأرانب ثم تغيب، كأنها تستطلع الأمر مجرد استطلاع، بين أوراق النبات المجهول فوق صفحة القناة، طفا للحظات قرموطان متصارعان، فأُصِيب الماءُ بالعَكَر.

................

بعد الارتفاع اليومى للشمس، عن جدران بيته، تأتى دوما عودته اليومية، بالردهة العلوية تنحط طبلية الطعام كمائدة، الأولاد الثلاثة من حوله، أفواههم مفتوحة لا تشى بتعبير محدد، يهتز رأس الأم متحسرة، على عقولهم شبه الغائبة، يملؤها توجس أيامهم القادمة، تأتى بذكر البط المحمر، أوالديك البلدى البالغ، تلقى لكلٍّ نفر بنصيبه، تتأمل أيديهم المصفوفة إلى جنوبهم رغم نهمهم الذى لا يخفى، لا يمدونها إلى طعام أو شراب، إلا بعد فعل أبيهم المنتظر؛ إذ لابد لهم من نصيب يومى فى نصيبه، تقتطعه أصابعه، لتضعه أمام كل منهم،..

إنها وقائع دائمة، لا تصيبه البهجة أوتصيبهم، إلا بعد تمامها..

إلى الآذان المشرئبة، وصلت (سرينة) الإسعاف بصوتها المقبض، دبَّ الحماس فى الحناجر المتحفزة، لتجمعات نسائية متفرقة تتشح بالسواد. فوق سطح بيته، وعند المداخل، عَلَتْ موجات التأثر المنفعل، ارتفعت أيديهن ملوحة (بطُرَحٍ) سوداء، وشيلان تفوح منها رائحة الفقد.

تداخل الخلق عشوائيا، ارتفعت فوق الرءوس، حَمَّالَةُ الإسعاف الصدئة ببدنه المتمدد، مستورا بملاءة بيضاء، لتستقر به فى قلب البيت.

..............

ارتفع خوار عجول الزريبة، مؤذنا بحلول وقت علف العشاء، تزامن ذلك، مع ارتفاع نعيق غربان، فوق أشجار النخيل.

.............

كانت حدود أرضه، تطل على طريق الأسفلت، تفصل الطريق بينها، وبين الترعة الكبيرة، ماءُ الترعة جارٍ يغمره الصفاء، إلا من بُقع متفرقة، عكَّرَتْها بعضُ الأسماك، وظلت قدماه لسنوات، تعْبُران الأسفلت عند دخول وقت أى صلاة، تهبطان به بضع بلاطات، ليصل إلى الماء الصافى، يجرى لسانه بذكر الله، قبل الشروع فى الوضوء، تعيد البلاطات به الصعود، يعيد عبور الأسفلت، وفوق ظهر أحد الجسور، ينتصب مستقبلا القبلة، وينفرط عقد الركعات.

ليت قدميه هذه المرة، ما عبرتا به الطريق هذه مجرد أمنية لأحد المتجمعين، وليت تلك العربة مجهولة الرقم، ما صادته عند حافة الأسفلت، كقنَّاصٍ مُتَسَلِّط أبى أن يفلت الفريسة،...

والعربة؟

ـ...

لم يزل خوار العجول عاليا، طلبا لطعام العشاء، لم تزل رء وس الأرانب تطل سريعا، من جحورها حول البرنوفات، ثم تعاود الاختفاء، النخلات لم تنضج بلحاتها بعد، زروع أرضه منكسة الأوراق، عدس القناة كالح الخضرة، وماكينة الرى تنتظر مدها بالوقود.

...

وإكرام الميت ماذا؟

...

آيات من الذكر تُتلى، تثير فى النفوس شجون الخاشعين، وفيضا من الدعوات بالرحمات، و...

وماذا؟

ثمة مَن سَدَّ أخيرا رمقَ العجول، وآخرون تفرقوا، على تكعيبة العنب، وزرع الأرض، واقتلاع الحشائش، ومد الماكينة بالوقود، وتطهير القناة من الطحالب، والعدس الأخضر، و...

وها هم صغاره الخُضر، بأشداقهم الممتلئة، وأفواههم المفتوحة، حول الطبلية متحلقون، مطروحةٌ أيديهم إلى جنوبهم، فى انتظار تلك اليد، التى تقتطع من نصيبها لتعطيهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق