الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تجديد الخطاب الفكرى.... لماذا ومتى وكيف؟(2)

لا يمكن تجاهل دور منظومة الاعلام والثقافة فى تجديد الخطاب الفكرى بما لها من تأثير مباشر على شخصية وقيم ووجدان الانسان مما يسهم فى إيجاد حالة فكرية جديدة تقوم على التقدم والإبداع والابتكار ... ونورد فى هذا الشأن الملاحظات التالية :

يتمتع الاعلام بوضع فريد وهو أنه خارج منظومة التنفيذ أو خارج الصندوق لذلك تتاح له رؤية الصورة من مختلف الزوايا فيتم الكشف والتحليل والتقييم مما يساعد على إعادة صياغة الأهداف والخطط والسياسات دون التدخل فى آليات التنفيذ وتفاصيل العمل.

تلعب الصحف بصفة عامة والصحف القومية بصفة خاصة دوراً شديد الأهمية فى تجديد الخطاب الفكرى للأمة بما يتوافر لهما من فرص متاحة لعرض الافكار والآراء وإجراء الدراسات والتحليل العميق الذى لا يتوافر لدى وسائل الاعلام المرئى او المسموع بحيث يحدث الأثر الفكرى بصورة غير مباشرة من خلال قراءة مقال أو دراسة أو تحقيق صحفى ويتضاعف هذا الأثر عندما تنشأ روابط محببة ومطلوبة بين الكاتب أو الصحفى من ناحية والقارئ من ناحية أخرى.

الثقافة هى سر الحياة والإنسان المثقف بماله من آراء واتجاهات فكرية يمكن أن يلعب دوراً مؤثراً فى تجديد الخطاب الفكرى من خلال تقييم القائم وعرض الجديد وقياس الاثر على المتلقى ولعل اجيالا عديدة تفتقد الآن عمق أفكار العقاد وطلاقة اسلوب طه حسين وابداعات توفيق الحكيم والبناء القصصى لنجيب محفوظ وغيرهم من قامات مصر العظيمة التى أسهمت دون شك فى اإيجاد خطاب فكرى شديد الرقى والتحضر والمعاصرة نفتقده الآن وبشدة.... لذلك يجب أن تتاح كل الوسائل والسبل أمام الأدباء والمفكرين لنشر انتاجهم وإحياء مشروعات الترجمة وتشجيع أعمال وأنشطة النقد الأدبى حتى نصل إلى ملامح منظومة فكرية جديدة تتلاءم مع مقتضيات وظروف العصر الذى نعيشه. وإذا كنا فى حاجة إلى استراتيجية جديدة للاعلام .. فإننا فى أمس الحاجة إلى استراتيجية جديدة للثقافة فى مصر تقوم على تحديد الاهداف وصياغة الخطط والسياسات واطلاق الابداعات على مستوى مختلف أنواع الفنون من مسرح وسينما وموسيقى وفنون تشكيلية حتى تعود لمصر ريادتها الثقافية المعهودة والتى لم تفقدها إلا فى سنوات العجز وفقدان الرؤية.

تجديد الخطاب الفكرى فى حاجة إلى منظومة جديدة للاعلام والثقافة تقوم على دراسة الماضى وفهم الحاضر واستشراف المستقبل مع عدم إغفال التقدم الهائل فى وسائل واساليب عرض المنتج الاعلامى والثقافى مما يضمن اقبال المواطن على هذا المنتج فيحدث الأثر المطلوب من تنوير العقل وحداثة الفكر.

من الصعب تجاهل دور الاسرة والمؤسسات الدينية فى تجديد الخطاب الفكرى بمالها من تأثير شديد الأهمية على صياغة الشخصية وغرس المفاهيم والقيم الايجابية البناءة.

لا جديد فى القول بأن الأسرة هى عماد المجتمع بما تشكله من مصدر أساسى للاخلاق والقيم والمبادئ التى تظل لصيقة بالفرد مدى حياته ... ولقد اعترت الاسرة المصرية عدة سلبيات تتمثل فى انخفاض متوسط الدخل ولجوء رب الاسرة إلى العمل لساعات طويلة حتى يلبى احتياجات الاسرة سواء داخل أو خارج مصر ناهيك عن عمل الزوجة أيضاً مما نشأ عنه تناقص حاد فى الوقت المخصص لتربية الاطفال وعدم توافر الطاقة الذهنية والثقافية والعصبية لأداء هذه المهمة المقدسة فضلاً عن عدم دراية معظم الآباء والأمهات بأسس وأساليب التربية الحديثة والتى تجعل مهمة تربية الاطفال ليست بالسهلة ولكنها تحتاج إلى المزيد من الصبر والعلم والموهبة والمصداقية ... نحن فى حاجة ملحة إلى إعادة صياغة دور الأسرة المصرية فى تجديد الخطاب الفكرى للمجتمع المصرى وذلك من خلال: تنظيم حملات علمية منظمة لتوعية الاسرة بدورها فى التربية السليمة. وقيام الجامعات ومنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية بتنظيم دورات تدريبية لعرض أحدث الاتجاهات العلمية فى أسس وأساليب التربية. وانتاج أعمال فنية هادفة تؤدى بطريق غير مباشر إلى دعم دور الأسرة فى التربية وتجديد الخطاب الفكرى.

ونأتى إلى المؤسسات الدينية ودورها البالغ الأهمية فى تجديد الخطاب الفكرى للمجتمع.. نحن فى حاجة ملحة إلى انطلاقة كبرى للأزهر الشريف لكى يستعيد مكانته وريادته المعهودة فى نشر قيم ومبادئ الاسلام الوسطى الحنيف الذى لا يعرف القتل والذبح والتنكيل لمن له رأى أو دين مختلف و لايمكن لأحد أن ينكر دور شيوخ وعلماء أجلاء سابقين فى تجديد الفكر الدينى وإزالة العديد من الخرافات والأوهام التى ظلت عالقة بالاسلام لسنوات طويلة ونحن الآن فى حاجة إلى علماء يجددون ويفكرون ويربطون ثوابت الاسلام بمتغيرات الحياة مما ينير العقول المظلمة ويحيى الامل فى النفوس البائسة.

التعليم الازهرى فى حاجة إلى مراجعة شاملة على اختلاف المراحل التعليمية حتى لا نرى شباباً تربى على مفاهيم وآراء مغلوطة لا تمت إلى الاسلام بصلة فيحصد المجتمع فى النهاية المزيد من العنف والارهاب والتطرف. وفى رأيى أن دمج التعليم الأزهرى فى التعليم العام وإيجاد منظومة تعليم موحدة لهو السياج الاساسى لحماية أبناء هذا المجتمع.

الدور الوطنى للكنيسة المصرية لا يمكن إنكاره ومن الممكن أن تتعاون الكنيسة مع الازهر فى إقامة العديد من الأنشطة والفاعليات التى تجمع ولا تفرق, تنير ولا تظلم, تنشر الحق والخير وتدعم قيم الانسانية والديمقراطية والحرية. إننى أدعو لتشكيل لجنة عليا تضم قامات مصر العظيمة فى مختلف مجالات الثقافة والإعلام والتعليم والتربية والفكر الدينى تضع لنا خطة واضحة متكاملة لتجديد الخطاب الفكرى للمجتمع المصرى تقوم على تطوير نظم التعليم ومنظومة الاعلام والثقافة وتأكيد دور الاسرة والمؤسسات الدينية... على أن تشمل هذه الخطة أهدافاً محددة وسياسات قابلة للتنفيذ وأساليب للمتابعة والتقويم نحن فى أشد الحاجة إلى البدء فى هذه المهمة الجليلة والتى لا أعتقد أن هناك مصرياً وطنياً يمكن أن يتردد فى المعاونة والمساهمة فى هذا الامر فنحن بذلك نتبنى المستقبل ونزرع الامل ونطمئن على مستقبل أولادنا وشبابنا.


لمزيد من مقالات د. حسين عيسى

رابط دائم: