الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إفريقانيون

أصدر المجلس الأعلى للثقافة منذ عامين مجلداً مهماً فيه أبحاث مؤتمر انتماء مصر الإفريقى عند الأحزاب والقوى المجتمعية.

قدمه الباحث صاحب الاهتمامات الإفريقية الأصيلة والمتعددة: حلمى شعراوى. وإفريقانيون مجموعة من الباحثين المصريين يعملون كجزء من مركز البحوث العربية والإفريقية.

ولهم اهتمام جوهرى وكبير. بل ربما كان الاهتمام الوحيد بإفريقيا. ومصر كجزء من إفريقيا.

المجموعة عالجت قضية انتماء مصر الإفريقى ــ مع أنها ربما لم تكن فى حاجة لتأكيدات. فهى من ثوابت مصر الأساسية ــ عالجتها على مدى العامين الأخيرين منذ أن أثيرت قضية انتماء مصر الإفريقى فى لجنة إعداد دستور 2014، وكان هدف إثارتها تأكيد ارتباط تاريخ الشعب المصرى ومصالحه مع شعوب القارة. وقد راعت لجنة الدستور صياغة هذه العلاقة المصرية فى ديباجة الدستور نفسه.

أعترف بأننى خلوت لقراءة هذا الكتاب أخيرا. رغم وجوده فى مكتبتى منذ فترة. لأن الاهتمام بإفريقيا ــ صحيح أنه قديم قِدم مصر نفسها ــ لكنه يكتسب أهمية خاصة بعد أن تسلم بالأمس الرئيس عبد الفتاح السيسى رئاسة الاتحاد الإفريقى لمدة سنة هى هذا العام الذى نعيشه 2019.

والكتاب ينشر النص الكامل للأبحاث والمناقشات التى دارت فى المؤتمر الذى عقد ابتداء من يوم الخميس 4 فبراير 2016، المحور الأول من الكتاب المهم عنوانه: انتماء مصر الإفريقى فى الفكر السياسى. وكتب الدكتور محمد حجاج، البحث الأول فيه: البعد الإفريقى فى شخصية مصر: قراءة فى جمال حمدان.

ورغم تحديد جمال حمدان فى عنوان الورقة. فإن المتن يتوقف أيضاً أمام البعد الإفريقى فى شخصية مصر عند محمد حسنين هيكل.

الذى استشهد به حمدان. رأى جمال حمدان أن تعدد الأبعاد والجوانب فى كيان مصر وتوجيهها نتيجة طبيعية ومنتظرة للموضع البؤروى فى قلب مثلث القارة.

وبالتالى فلمصر أربعة أبعاد: الآسيوى والإفريقى على مستوى القارات، والنيل والمتوسطى على المستوى الإقليمى. بدأت رياح هذا الفكر فى مؤتمر باندونج 1956، فى دعم حركات التحرر فى إفريقيا جنوب الصحراء وذلك لقطع كل طريق بين التاريخ والذات فى مقابل بناء سياسى قائم على تفاعلات السياسة الدولية. إن طبيعة انتماء مصر الإفريقى لم تكن مطروحة للجدل والنقاش أبداً. فكل التفاعلات التاريخية أكدت طبيعة الانتماء والوقوف فى معركة واحدة مع شركاء ذلك البناء.

يعترف الباحث بأنه لا يمكن فهم صورة انتماء مصر الإفريقى إلا بمطالعة فهم جمال حمدان لشخصية مصر فى إطار هويتها. فهو لا يرى فى شخصية مصر ــ مهما تبلورت أو تجوهرت ــ إلا جزءاً من شخصية الوطن العربى الكبير الملحمية الثرى. ورغم ذلك فقد ابتعد جمال حمدان عن المعنى الثقافى للشخصية بتأكيده أن دراسته هى عن شخصية مصر لا المصريين. والفارق حاسم كما هو دقيق. فرغم قدر من التدخل الحتمى منطقياً ومن حيث المبدأ. ورغم فكرة الجغرافيا كجغرافيا الإنسان التى نصدر عنها هنا منهجياً. ورغم تركيز الجزء الأكبر من مادة كتاب شخصية مصر على أبناء مصر وأهل مصر وسكان مصر بالضرورة عملياً.

فإن هذه الدراسة لشخصية مصر البلد والإقليم. لا لشخصية المصرى أو الإنسان المصرى من حيث هو.

يرى جمال حمدان أن مصر جمعت فى آن واحد بين قلب إفريقيا وقلب العالم القديم. وأخذت من المداريات زَبدها. فظفرت من النيل بجائزته الكبرى. دون موقعه الداخلى السحيق المعوق. واستبدلت به موقع البحر المتوسط المتقدم المتألق.

إن إفريقا إذن ــ يرى جمال حمدان ــ أن مصر إفريقية بالموضع. متوسطية بالموقع. بيد أنها كذلك آسيوية بالواقع. فمصر هى البلد الوحيد الذى تلتقى فيه القارتان ويقترب فى الوقت نفسه من أوروبا.

إن مصر إفريقية، أرضها وماؤها. ومصر قطعة من إفريقيا. لأن وحدة وادى النيل هى بُعد محلى لا يمثل سياسة خارجية. فهو لا يعدو ظهراً وسنداً للبعد الإقليمى العربى. إن هناك نقاطا جوهرية حاكمة تُشكل المنطق والطبيعة الجغرافية الحاسمة وهى حقوق مصر الطبيعية والتوازن الطبيعى بين الموارد والحاجات المائية فى قطاعات الحوض.

ينقل جمال حمدان عن الأستاذ محمد حسنين هيكل، فيما يخص سياسة مصر الخارجية: إنه مما لا شك فيه أن اتجاه مصر المستقل نحو إفريقيا والمساهمة الجادة فى تحريرها وكسب صداقتها وكسبها إلى جانبنا. أى باختصار سياسة مصر الإفريقية الواعية والمؤثرة فى الخمسينيات والستينيات خاصة. إنما هى جزء حيوى لا يتجزأ من سياستها الجوهرية بتأمين مياه النيل. تلك التى لا تقتصر على السودان وإثيوبيا وأوغندا.

بل تشمل عدداً أكبر من الدول الإفريقية بشرق القارة ووسطها. أى إن سياسة مصر الإفريقية هى جزء من سياستها المائية بقدر ما هى جزء من سياستها الاستراتيجية العامة.

لكن جمال حمدان يعود ليقول: يحسن أن نتحدث عن البعد الإفريقى بإيجاز وتعميم قبل أن نركز على جوهره البعد النيلى. حيث يمكننا أن نزعم أن القطاع الأكبر من بعدنا الإفريقى يتصل بمسألة بأصل المصريين.

ولذلك يجب عدم الإبحار طويلاً بالبحث عن الأصول الإفريقية للمصريين فى مجال الأركيولوجية الإفريقية والإنسان الأول. لأن التركيز على مسألة المصالح والمنافع قد لا يقدم الحلول المطلوبة بدقة.ويكمل جمال حمدان أن الكثير من حضارة إفريقيا هو جزء من حضارة مصر.

ومعظم إسلام القارة مر من هنا. وعلى الجانب الآخر فإن إفريقيا القارة المظلومة التى يصفها البعض بأنها حضارياً أكثر القارات ظلماً. لا تجد بين جنباتها أكثر من مصر ترد به الاتهام وتفاخر العالم. فمصر أم التاريخ فى قارة قيل إنها بلا تاريخ. وكان هذا الكلام غير صحيح.

يتناول جمال حمدان العلاقة بين العروبة والإفريقية. والعلاقة بين الوحدة العربية والوحدة الإفريقية. فهو يوضح مصطلح إفريقيا العربية. ويقول إن الاستعمار حاول تمزيق القارة وتقسيمها إلى إفريقيا شمال الصحراء وإفريقيا جنوب الصحراء.

أو إفريقيا البيضاء وإفريقيا السوداء. أو إفريقيا العربية وإفريقيا الزنجية.

وأن الاستعمار استغل ثنائية أساسية فى القارة هى ثنائية العرب والزنوج. وحاول بها أن يجب أى وحدة إفريقية. وقد فعل هذا لأنه يخدم مشروعه فى استعمار القارة واستغلال ثرواتها. ابتداء من البشر وحتى الإمكانات.


لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: