الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محفوظ وسوينكا وكوتزى وجورديمر

فى أجواء محفزة، وملهمة، ولحظات فارقة على مسارات مختلفة، تتسلم مصر رئاسة الاتحاد الافريقي، مشغولة بإحدى أهم الدوائر الجيوسياسية التى ترتبط بها، وبأحد الأبعاد المركزية فى السياسة الخارجية المصرية، وتبدو مصر وإفريقيا مثل روح وجسد، علاقة آلمها كثيرا سنوات الغياب التى توارى فيها الاهتمام بالقارة السمراء، فكان الانكفاء على الذات سمة للسنوات الأخيرة التى سبقت عام 2011، وكان التخبط سمة أخرى للسنوات التى تلت الثورة، حتى كانت السنة المعتمة التى حكم فيها الإخوان مصر، وصولا إلى ثورة الثلاثين من يونيو 2013، التى تلتها حسابات عديدة، حيث حاول البعض إزاحة الحضور المصري، حتى استعادت مصر عضويتها فى الاتحاد الافريقي، واستعادت من قبل هيبتها، وهاهى الآن تستعيد ثقلها المعنوي، ودورها التاريخى فى القارة التى ارتبطت بها وصارت جزءا مركزيا من ثقافتها.

ومع تسلم مصر رئاسة الاتحاد الافريقي، فهى المرة الأولى التى ترأس مصر فيها الاتحاد الافريقى وهو يحمل هذا الاسم، حيث كانت المظلة الجامعة للدول الافريقية من قبل هى منظمة الوحدة الافريقية، ولمصر وإفريقيا مشتركات حضارية وإنسانية وطبيعية، تبدأ من النيل، ولا تنتهى به، وإذا كنا مطالبين بمزيد من التعزيز للتكامل الاقتصادى والمواجهة معا للتحديات السياسية، فإننا سنظل مطالبين وبدرجة مماثلة لتعزيز الروابط الثقافية والفكرية والأدبية، والعمل من الآن على جعل الثقافة جزءا من خريطة التفاعل الخلاق بين مصر وإفريقيا.

بدت علاقة إفريقيا بالأدب مميزة للغاية، لأنها كانت علاقة الكتابة وهى تخرج من رحم الفكرة والمعاناة والوجع المستمر، وقد حظيت إفريقيا بأدباء كبار حصلوا على جائزة نوبل فى الآداب، بدءا من الكاتب النيجيرى وولى سوينكا، مرورا بالروائى المصرى نجيب محفوظ، ووصولا إلى الكاتبين الجنوب إفريقيين نادين جورديمر، وكوتزي.

وكان الحضور الافريقى فى الأدب حضورا كثيفا ومغايرا فى آن، وكانت ثمة دلالة تتولد دائما عن هذه القارة الغنية بتنوعها الثقافي، ولغاتها العصية على الموت والنسيان، كانت ثمة دلالة تتولد عن مقاومة الاستعمار، ومناهضة النهب المنظم لطبيعة مدهشة تقع فى قلب الجمال والدهشة، وإذا كان التباين والتعدد مثّل سمة أصيلة بين كتاب القارة فى الجنوب والشمال، فإن المشترك الإنسانى والبحث عن الهوية ومناهضة الإمبريالية، وسؤال الحرية ومساءلة الاستبداد، تبدو جميعها سمات مشتركة فى كتابة إنسانية تتجاوز واقعها المحلي، وتعبر عنه فى الوقت نفسه، مشغولة باستلهام الموروث الافريقى المتنوع الذى ألهم الأدب فى مناطق أخرى من العالم.

وكانت مقاومة أسطورة التفوق النوعى للرجل الأبيض المتسلح بذرائع القوة المفرطة، والمال، وإدارة العالم، حجر زاوية فى كتابة تبرز المفارقة بين عالمين، متناقضين، عالم مقموع يبغى التحرر من القهر والتخلف والاستعباد، وعالم متحضر، لكنه يريد استبقاء غيره فى دائرة الرجعية والرعب الدائم من المجهول، ويراه دائما عبر نظرة استعلائية، ويمكن أن نتلمس ذلك فى رواية «فى انتظار البرابرة» لكوتزي، الكاتب الجنوب إفريقى الشهير، الذى يبرز هذا الصراع النفسى المؤرق داخل سيكولوجية القاضى المحلى الذى يُسير بعضا من شئون الولاية، منفذا أوامر الإمبراطورية (المستعمر)، ليجد نفسه أمام مأزق قيمى وإنساني، فهل يستمر فى مناصرة الإمبراطورية، وهى تعصف بالبرابرة، أم يصبح متهما مثلهم بالتمرد، وخاضعا لسجن وقهر من نوع جديد.

وتذكرنى رواية «المفسرون» للكاتب الروائى النيجيرى وولى سوينكا الحائز على نوبل للأدب فى الثمانينيات من القرن الماضى ببعض أجواء رواية اثرثرة فوق النيل« للروائى المصرى الفذ نجيب محفوظ، حيث ثمة لقاء لمجموعة من المثقفين، غير أن المسار الروائى لكل من الروايتين يبدو مختلفا، ففى «ثرثرة فوق النيل» ثمة مجموعة من المثقفين المتواطئين، والمغيبين معا، والذين لا توقظهم غرق عوامة مماثلة للتى يلتقون فيها، ولا جمل الصحفية سمارة بهجت التى خطتها، بينما فى رواية «المفسرون» ثمة محاولة للبحث عن معنى للوجود، عبر خمسة من المثقفين الشباب الذين يسعون صوب الحفاظ على مواهبهم وتحقيقها، فى سياقات قاسية للغاية، حيث كل شيء يتداعي، والانتهازية تملأ الأمكنة والواقع الذى صار على نحو من التعقيد فى مرحلة ما بعد الاستقلال، وحيث البحث عن طريق جديد. أما كتابة نادين جورديمر فهى تكريس لجماليات التجاور، حيث تسائل قضايا التمييز العنصري، وتصنع سردا رائقا عبر حكايا إنسانية لا تغفل المعنى والدلالة داخلها. وبعد.. فى هذه السياقات لقارة مسكونة بالتناقضات الإنسانية، قارة تبدع وترى الجمال وتحيا فيه، مثلما تقع فى قلب الظلام الذى كتب عنه جوزيف كونراد، الروائى العالمى منطلقا من ثنائية التابع والمتبوع، وحيث المستعمر يهيمن على فضاء الحكاية وفضاء المكان الافريقى التابع والمستغَل دائما. فإننا سنظل مسكونين بالأمل، لأن القارة الفتية لم تزل قادرة على إنتاج الجمال والدهشة، لذا لم يعد ثمة مكان لقلب الظلام، بل المكان الوحيد الباقى سيكون للجمال والمحبة والإبداع والعمل، ولقيم التقدم التى تناهض قوى التخلف والرجعية والقبح والانزواء.


لمزيد من مقالات د. يسرى عبدالله

رابط دائم: